الفصل 25
الغريب
كم من الأعوام انقضت منذ ذلك اليوم الماطر، يومٌ شتويٌ حمل معه آخر خيطٍ من ماضيها، ورحل معه ذاك الشاب الذي كان يسير بجانبها. تعاقبت عليها الفصول، مرّ الصيف مرارًا، لكنها ظلّت وحدها، أما هو... فلم يعد.
وها هو الآن، يقف بعيدًا عنها، كطيفٍ بعثته الذاكرة من قبرها. وجهه يكسوه الخوف ذاته الذي عرفته فيه يومًا، خوفٌ قديم ما زال يعشش في ملامحه. كان مذعورًا حتى لم يعد يميّز الوجوه من حوله.
همستُ بغضبٍ مكتومٍ، كمن يراقب جرحاً يستباح "جوستاف..."
رفعت هي رأسها؛ حاجباها تشكّلان قوسين من التساؤل، وكأن الكلام يحتبس في حلقها ولا يجد مخرجاً. لمعت عيناها، ارتجفت أنفاسها وهي تردع الدمع عن النزول — وقفت أمامه كأنما أمام جثة شخصٍ عزيزٍ عليها أكثر من كونه هارِبًا.
احتدم شيءٌ في صدري؛ نارٌ تصعد ببطء. انحنيتُ، أمسكت بكفها بثبات، سحبتها إليّ، ونظرتُ في عينيها هامساً
"لا تلتفّي إليه. لا تنظري. اعتبريه ميتاً، ولا تحدثيه."
ابتسمت بسخريةٍ مرّة وهي تهمس
"اعتبره ميتاً؟ رجلٌ كنت أتمنى أن أموت قبله... اعتبره ميتاً؟"
أمالت رأسها، وخرجت كلماتها كطعنة في صدر القدر "يا لتلك الحياة غير العادلة."
اندفعت إليّ كعصفورٍ متفاجئ، احتضنتني كأنما تحتمي من العالم. همست بصوت واحدٍ رفيعٍ
"لا أريد أن أرى أو أن أشعر الآن..."
مسحت على رأسها برفق. شعرت بدموعها تبلل قميصي، تتسلل تحت ثيابي، تصل إلى عمق صدري. كانت نبرة ألمها بالكاد تُسمع؛ تئنّ وتترجّاني أن أبكي معها، أن أشاركها ثقل الحال.
ضممت رأسها إلى صدري وكأنني أخفيه عن الكون بأسره. رغبتُ بها لنفسي وحدي في تلك اللحظة؛ كانت أنانيتي واضحة، جشعي حاضر، ولن أندم على أني آثرتُ أن أملكها.
همستْ هي بارتجافٍ
"لن أستطيع الفِراق عنك ما حييت."
رددت بلا تردد
"لن نفترق. لن أفارقكِ يا سيرشا."
شدّت على ثيابي كأنها تتشبّث بشريانٍ يمنحها الحياة. تمتمت متوسلة
"أرجوك... لا تتركني... ابقَ بجانبي..."
قبضتُ على يدها المرتعشة واحتويتُها كما يُحتوى شيء هشّ.
"سأبقى. سأكون هنا عندما تنادين اسمي. أعدك."
ضحكتْ ضحكةٍ قصيرة، ثم قهقهت بمرارةٍ فيها شيء من الدفء
"تلك أول مرةٍ تعدني بوعدٍ دفين... هذا يسعدني."
وقفنا هناك، بين كلمةٍ ونبرة، بين دمعةٍ ووعد؛ وكأن العالم كله توقف ليضمّ نفسًا واحدًا من هاتين الروحين.
أشرقت شمس الصباح التالي، وكانت السماء قد غسلتها زرقة ناعمة لا تليق بما يعتمل في داخلي من سواد. كان قبيح الوجه ضيق العينين جوستاف هناك، بملامحه المنطفئة، وجهه شاحب كمن يفيق من كابوس طويل لم ينتهِ بعد. لم يلحظني، لكنني كنت أراه بوضوح، أراه كجرح مفتوح يئن. داخلي رغبة بطيئة، عقاب مؤجل؛ أريد أن أراه يتعافى من صدمته فقط لأمنحه صدمة أعنف، أعمق، تبقى عالقة في حياته كوصمة لا تمحى. ليست شفقةً بحاله، بل شهوةُ انتقام تجعل مأساته أطول عمرًا.
في ذلك الصباح، استيقظت سيرشا قبل الجميع، تسللت كمن يهرب من ثقل البيت وأحلامه، واتجهت نحو غرفة السيدة. لكن الطريق لم يكتمل، إذ جاءها صوت متردد، مبحوح، مشبع بذلٍ قديم لا يمحوه الزمن
"سيرشا؟!"
تصلبت في مكانها، التفتت ببطء، لتراه. كان جوستاف، وقد انعقدت الدهشة في عينيه، كأن حضورها أمامه طعنة أخرى لم يستعد لها. لم يجد ابتسامةً هذه المرة، بل ارتباكًا عارياً. قال بصوت متكسر
"هل... هل أصبحتِ حرة؟"
رمقته بهدوءٍ بارد، لم يجرؤ على اختراقه. أجابته، كأنها تستعيد ذاتها من الرماد
"لا. أنا امرأة، ولست رجلاً يخرج ليقاتل في ساحات الحروب."
ازداد اضطرابه، وحاول التدارك
"يمكنني أن أشرح!"
رفعت بصرها إليه، وفي عينيها تلك اللامبالاة التي تقتل أكثر من السيوف، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، قائلة
"أجل، سأستمع إلى كل ما ستقوله. لكن ليس هنا... وليس بمفردي."
تجعدت ملامحه بدهشةٍ ساخرة
"ماذا تقصدين؟"
قالت بحزم رقيق
"أريد أن يرافقني نوح وأنا أسمع حججك. ببساطة، لا أستطيع أن أثق برجلٍ غريب."
اشتعل وجهه، صرخ بخنق غضبه
"غريب؟! سيرشا! لقد عرفتكِ منذ نعومة أظافرك!"
حينها أشارت إلي. تقدمت بخطواتي، وقفت خلفها، عينيّ تلمعان بحقدي المكبوت، وصوتي خرج كصفعة
"اخفض صوتك يا جوستاف. لا مكان للصراخ هنا. لنخرج إلى الحديقة."
خرجنا نحن الثلاثة. جلست الشمس فوق الأشجار كشاهدة صامتة على ما سيحدث. وقفتُ بجانب سيرشا، على مسافة قصيرة منها، بينما هو وقف في مواجهتها، بيننا هواء مشبع بالتوتر.
قال وهو يكاد يرتجف
"سيرشا... اشتقت إليك. أقسم أنني أدركت ذلك حين ابتعدتِ... كنتِ جزءًا من حياتي، كنتِ تلوّنين أيامي."
اندفعت صرختي تقطع كلماته
"تلوّن أيامك؟! تركتها في أشد محنها لأنانيتك! لرغبتك في الحرية!"
عقد حاجبيه، صرخ هو الآخر
"ومن لا يرغب بالحرية؟! أنت أيضًا! لا تدّعِ غير ذلك!"
واجهته بنارٍ من عينيّ، قلت بصرامة جارحة
"وكيف هي حريتك بين الجثث؟"
ارتجف بصره، وانكمش صوته
"أردت... فقط أن أكون حرًا."
قهرتني مرارة الغضب، فصرخت به
"على حساب سعادتها؟! اسمعني جيدًا يا جوستاف، سوف—"
لكن صوت سيرشا قاطعني، لمسة يدها على كفي جمّدت كل شيء. قالت بهدوءٍ نافذ
"نوح، دعني أحدثه. دعني أنهي هذه المهزلة... ثم أذهب إلى عملي."
تقدمت نحوَه بخطى هادئةٍ تحمل ثقل قرارٍ لا رجعة فيه، واستمعت عيناي إلى قلب القصر وكأنه يهبُّ معها نفسًا واحدًا. نظرت في عينيه مباشرةً، بلا تردد، فلم يكن هنا موضع للود أو التساهل. في تلك اللحظة رأيته غضبها يلمع في عينيها، شرارة الإصرار تتفجر في بؤبؤها، وكأن كل السنين المقتطعة من حياتها تُزاح فجأة عن صدرها وتنهض مطالبةً بحقها. كانت تتهيأ لصراخٍ طويلٍ من العتاب والحساب، لكن الصوت لم يخرج؛ كانت اليد أسرع.
رفعت كفّها وصفعتْه صفعةً لم يعرف جسدها الرقيق كيف ينهض عن وقعها من قبل
ضربةٌ حادةٌ، نقية، دوّت في أروقة القصر وكأنها ختمٌ سماوي يقفل بابًا على زمنٍ كامل. ساد صمتٌ يلامس الجلد والهواء؛ الكلُّ كأنما تجمد لوهلةٍ أمام قساوة تلك الحركة التي لم تتناسب مع هيئة صاحبتها.
وقفتْ تنظر إليه بازدراءٍ هادئ وقالت بصوتٍ قاطعٍ لا يحتمل الجدال
"لا ترفع صوتك علينا، حتى لو كنت حرًا."
ارتعش جوستاف، أمسك بخده الذي صار ساخنًا بيده الخشنة، ولم تملك شفاهه إلا أن تخرج همهمة مبعثرة "م... ماذا...؟"
كان كلامه كمن يحاول جمع شظايا شيء انهار فجأة. عقدت حاجبيها، ونغمةُ الحدة في كلامها حفرته في الذاكرة
"أَتظن أنني سأسامحك بتلك السهولة؟ حتى لو عرفتك مئة سنة يا جوستاف، ففي النهاية تخليت عني لأجل حريةٍ وهمية. العلاقات ليست بعدد السنوات أو طولها؛ أنت الآن لست سوى غريب، غريب مرّ علي صدفة."
تراجعت خطوة أو اثنتين، ثم أمسكت بيدي بهدوءٍ حازم
"أنا ونوح سنكون أحرارًا، وأنت ستبقى سجينًا لحريتك في ساحات المعارك."
لم تلتفت إليه أكثر من ذلك؛ كانت كلماتها كما البوابة التي أغلقته خارج عالمها. ثم سحبتني برفقٍ معلف بالعنف و الإصرار.
أبعدتنا مسافةً متزايدة عن ذلك الوجه الذي لم يعد يستحق حتى نظرة. غادرنا الحديقة معًا، وخلفنا صدى الصفعة يترنح في صدر القصر كصرخة صغيرة لا تُنسى.
عدنا إلى القصر، أثقال النهار ما تزال معلّقة على أكتافنا، والروائح الثقيلة تتسرب من جدرانه العالية. وقبل أن تتسع اللحظة للتفكير في الافتراق، رأيتها تنهار على ركبتيها.
سيرشا… كزهرة قُطفت بعنف، جسدها يرتعش كما لو أن روحًا بريئة سُلبت من بين يديها، لا كما لو أنها استردّت حقًا مسلوبًا.
اندفعت نحوها، والخوف يوشك أن يقتلع عيني من مكانهما.
همست بصوتٍ مضطرب
"سيرشا؟!.. هل أنتِ بخير؟!"
رفعت رأسها نحوي، وابتسامة مرتعشة ارتسمت على شفتيها، ابتسامة متكسّرة يختبئ خلفها الذعر. أما عيناها فقد لمعتا بدموع محبوسة تتوسّل الخروج.
قالت بصوتٍ متقطّع
"أجل… أنا في أفضل حالاتي يا نوح… فقط…"
سكتت لحظة، التقطت أنفاسها العميقة، كمن يحاول أن يتعلّم من جديد كيف يملأ صدره بالحياة، ثم تابعت
"لم أعتد أن أقوم بمثل هذا… أو أن أرفع صوتي."
وفجأة، أشرقت ملامحي بابتسامة خفيفة يختلط فيها الفخر بالخجل.
نظرت في عينيها..وأنا أتمتم
"هل تعلمتِ صفع الرجال من أثينا؟"
لمع بريقٌ مشاكس في محجريها، ثم انفجرت ضاحكة بضحكة صافية، كأنها أول ضحكة تخرج من قلبها منذ زمن.
قالت بخفة
"تصدق أنني تذكرت تصرفها… وقلّدتُها؟!"
لم أتمالك نفسي، اقتربت منها، أهمس عند خدها
"لا بأس… أظن أنني أحب هذا الجزء فيكِ."
مددت يدي الخشنة،فإحتويت ارتجاف يدها الناعمة
تشبّثت بيدي، نهضت مترددة أول الأمر، ثم اعتدلت بثيابها المغبّرة، ورأسها مرفوع كملكة لم تُكسر.
قالت بنبرةٍ يتخللها ضحك مكتوم
"أشعر وكأنني سيدة أحدهم."
أملتُ رأسي، رمقتها بمكرٍ وغمزت
"أنتِ سيدة قلبي."
ارتبكت، ابتعدت مسرعة وهي تتذمّر، تحاول الهروب من ثقل المعنى
"بحقكَ يا نوح؟!توقف عن لعبكَ هذا!!"
لكن خطواتها التي تعثّرت قليلًا، ويديها المرتعشتين وهما تتشبثان بأطراف تنورتها الطويلة، فضحتا هشاشتها. كانت تحاول أن ترسم ملامح القوة، لكنها في داخلي كانت أوضح من أن تُخفى
امرأة تتقن التمثّل بالشجاعة، وهي ما تزال ترتجف.