الفصل 26
لحظات من الاحلام
كانت واقفة بين الخادمات كزهرة غريبة زرعت خطأً في حديقة لا تخصها. ثلاث وجوه مألوفة اعتادت الطاعة، أما هي فالرابعة، قلقها يفضح ارتباكها، يديها تخونان ثباتها، وعيناها تفضحان خشيتها من كل خطوة. رافقت مولاتها اندروميدا، لتكون ظلّها في حضرة حاكم القصر، حيث يُعقد اللقاء لا لشيء سوى حديثٍ عابر، أو ربما ليستمتع الأمير بتأمل جمالٍ يُحكى عنه كأنّه أسطورة.
دخلت اندروميدا بخطى واثقة، فيما تعثّرت خطوات سيرشا خلفها، كأن كل حجر في الأرض يحاول إيقافها. القاعة التي استقبلتهن كانت كأحشاء قصر من أحلام ملوّثة بالدم، جدرانها حمراء كالجرح، تتدلى منها زينة الذهب، والكراسي مصطفة كما لو سُرقت من مجالس الخلود. الفخامة هنا لم تكن جمالًا، بل عبوديةً مغلفة بالهيبة.
جلس سيدُ القصرِ في صدر القاعة، رجل في عمرٍ يراوح منتصفه، أو ربّما أقل، لكن الزمن ترك عند عينيه تجاعيد صغيرة تشبه أنيابًا تريد اقتلاع بصره. شعره قصير بالكاد يغطي رأسه، عيناه غائرتان كمن حُرم النوم سنوات، ومع ذلك فإن بشرته ناصعة حدّ أن الغبار يهاب أن يلمسها. ابتسم وهو يرفع صوته الممزوج بين الرقة والسلطان
"لا بد أنكِ ميدا التي يتناقل اسمها الجميع!"
ارتجفت ابتسامة اندروميدا، كأن صوته قيّد ملامحها، وردّت بصوت يتنفس رهبة اللقاء
"سيدي، شرف لي أن ألتقيك."
مال برأسه نحوها، عيناه تلتقطان تفاصيلها كما يلتقط صياد فريسته
"ساحرة الجمال فعلًا كما يقولون... وأنتِ تعلمين قواعد قصري:من تُختار لتكون محظيتي، فإنها تبقى هنا إلى الأبد. وربما، إن أسرت قلبي صِدقًا، أجعلها زوجةً لي."
تجمدت ملامح سيرشا عند الكلمة
"محظية"...
كطعنة علنية في صدرها. كيف لامرأة بهذا الذكاء والجمال أن تُختزل إلى عشيقةٍ عابرة لهذا الوغد؟ أليست أميرةً في جوهرها، ملكةً لو وُضع لها عرش؟
قهقهت اندروميدا بخفة، تناولت كأس الشاي الكريستالي المرصع بجانبها، ورفعت حاجبها بدهاء
"لا أظنني محظوظة بما يكفي لأسر قلب جلالتك... لكن لعلّي أجد في القرب منك فرصةً لإلتماس تلك المعجزة."
كانت كلماتها حلوة كالعسل، موزونة كأنها جُهزت مسبقًا، فمال المالك نحوها أكثر، مسحورًا بقدرتها على جعل الحديث مسرحًا لفتنته. كلما شعر بطمأنينة بين يديها، باغتته بأحاديثٍ جديدة، قصصًا عجيبة، مواضيع مشوّقة، تُغريه ثم تنسحب فجأة، كما لو أنها تُشعل فيه الجوع لتتركه يلتهم فراغه.
وحين أيقنت أنها بلغت مبتغاها، نهضت من مقعدها بخفة، كأنها تعرف متى يُغلق الستار. انحنت بوداعة لتودعه، ثم غادرت القاعة بخطواتٍ أنيقة، وخادماتها خلفها... وسيرشا، آخرهن، ما زالت تشتعل في داخلها نار الغضب.
عادت اندروميدا إلى غرفتها في القصر، ذاك المكان الذي يختنق فخامته بظلال الكآبة. ألقت بجسدها المنهك فوق الفراش، وكأن الملل سكن ملامحها وتدثر بأنفاسها. رفعت يدها برتابة آمرة، وصوتها يتسلل ببرود العادة
"سوزان، حضري لي العشاء... ريم، أعدي ثياب الحفل الراقص... شيري، اجعلي الحمام جاهزًا."
انحنت الخادمات الثلاث معًا، كصوت واحد لا يحمل سوى الطاعة
"كما تأمرين، سيدتي."
ثم تلاشى وقع خطواتهن بعيدًا، تاركات الغرفة في صمت رتيب، لا يقطعه سوى وجود سيرشا.
التفتت إليها اندروميدا بابتسامة تحمل شيئًا من الدفء وسط البرود
"بوسعكِ أن تسرحي شعري يا سيرشا."
اقتربت الفتاة مطيعة، وراحت أصابعها الخشنة تمشط الخصلات الشقراء الحريرية، خيوط شمس تنساب من بين يديها كالماء، تكاد تنفلت لفرط نعومتها.
تمددت اندروميدا، أرخَت جسدها فوق الوسائد، وصوتها خرج مزيجًا من الفضول والضيق
"بحقكِ... ألا يزعجكِ هذا؟"
ارتبكت سيرشا، خفضت بصرها وهمست
"ماذا... تعنين سيدتي؟"
التفتت إليها اندروميدا بملامح محتقنة، حاجباها معقودان
"حين يخطئ أحدهم في اسمكِ... أو يتعثر في حفظه."
تجمدت ملامح سيرشا، وعبقت عينيها بذكرى مرةٍ، ذكريات اسمها المذبوح على لساني مئات المرات. تمتمت بمرارة دفينة
"أجل... إنه لأمر مستفز بحق."
تنهدت اندروميدا بضيق، رفعت كتفيها بتبرم طفولي
"ميدا! هكذا يختصرونني. اسمي المليء بالمعاني، التهموا جماله وأبقوه لفظًا سخيفًا، طفوليًا ضحلًا. يا لشراهتهم!"
كادت ضحكة تنفلت من بين شفتي سيرشا، لكنها كبحتها بصعوبة؛ فمشهدها وهي تتذمر بدا انعكاسًا صريحًا لذاتها.
ساد هدوء لحظة، ثم قالت اندروميدا بلهجة رقيقة لكنها واثقة:
"لكن لا بأس... أظنه قد أُعجب بي سلفًا. ما رأيكِ؟"
رفعت سيرشا كتفيها بخفة، وفي صوتها مزيج من الصدق والتهكم
"ومن ذا الذي لا يُعجب بكِ يا سيدتي؟ لو امتلكتُ شيئًا من جمالكِ، لما قبلت أن أعيش عبدة بين أيدي السادة."
اتسعت عينا اندروميدا بدهشة صغيرة، فالكلمات خرجت بسيطة، لكنها حملت بين طياتها جرأة غير مألوفة. ابتسمت بفضول وسألتها
"ولماذا تقولين ذلك؟ هل الجمال له صلة بالعبودية؟"
أجابت سيرشا وهي تمشط شعرها الناعم ببطء، كأنها تحاول إخفاء ألمها بين خصلاته
"ربما... قد ترين عبدة جميلة، لكن الجوع يذيب لحمها، والإنهاك يقبح وجهها. نعم، العبودية تُبشّع، حتى أجمل الوجوه."
صمتت اندروميدا، تحدق في الفراغ بدهشة صامتة، ثم تساءلت كأنها تكلم نفسها
"وكيف حياتكم إذن؟ ألا تنالون ما يكفي من وجبات الطعام؟"
قهقهت سيرشا، ضحكة مُرة تسخر من قسوة القدر
"وجبات؟! وجبة واحدة بالكاد تكفي عصفورًا."
تمتمت اندروميدا بنبرة هادئة متأملة
"يبدو أن للعبودية وجوهًا كثيرة... أنتم في عبودية عارية، تتجرعون القسوة دون معين. أما نحن، فعبوديتنا مطلية بالذهب... أُصبح محظيةً لأحيا حياةً كريمة، لكنها ملطخة بالذل."
رفعت عينيها نحو سيرشا، وفي صوتها انبهار خفي
"شخصيتكِ تُعجبني حقًا. لو كنتِ أميرة، لسطوتِ على قلوب الملوك."
قهقهت سيرشا بتوتر، محاولة التخفيف من وقع كلماتها
"أي أميرة!؟ أنا عبدة... لا أكثر. لكنني، رغم كل شيء، أحب الحياة في هذا القصر."
اقتربت اندروميدا منها فجأة، وضعت يدها على كتفها بجرأة صافية. ارتجفت سيرشا من المفاجأة، عيناها توسعتا كمن يلمس المستحيل. قالت اندروميدا بحماسة طفولية
"هذا ما يميزكِ! اسمعي، سأجعل منكِ خادمتي الخاصة... خادمة حرة! سأطلب من الحراس تحريركِ من قيودك."
لمعت عينا سيرشا بالدموع، ارتجف صوتها
"ح...حقًا؟"
ابتسمت اندروميدا ابتسامة واثقة
"نعم! لم أجد راحة الحديث حتى مع النبيلات... أريدكِ قربي إلى الأبد."
أطرقت سيرشا برأسها، وصوتها خرج مترددًا
"لكنني... لست متأكدة إن كنت أستطيع قبول ذلك."
انعقدت حاجبا اندروميدا بدهشة
"ولماذا؟ إنها فرصة لا تعوض!"
وضعت سيرشا المشط جانبًا، شبكت يديها في حضنها، وارتجفت عيناها بندم صامت
"لأن لي أصدقاء يعانون مثلي... لا أستطيع أن أذوق طعم الحرية وحدي."
ساد صمت قصير، ثم نهضت اندروميدا، مالت نحوها ووضعت يدها على كتفها ثانيةً، لكن هذه المرة بحنان راسخ
"لهذا السبب تحديدًا أعجبت بكِ. لا تقلقي يا سيرشا... أنا واثقة أنكم ستذوقون الحرية جميعًا. ربما إن أصبحتُ زوجة هذا المتعجرف، أحرركم بيدي."
ابتسمت سيرشا، ابتسامة نقية، صافية كأنها أول نفس للروح بعد طول اختناق. كانت اندروميدا تكلمها بلا قيود، تضحك معها، تلمسها كصديقة، تعاملها كأنها بشر مثلها... نقية، لم تمسها قاذورات عالم السادة.
وقبل أن تتركها، قالت اندروميدا وهي تنهض بهدوء
"يمكنكِ الانصراف. هناك حفل في القصر الخلفي، لا بد أن أذهب لأتفقد تلك النبيلات المزعجات!"
قهقهت سيرشا، ردت بخفة
"لابد أن ذلك صعب عليكِ!"
لوّحت اندروميدا بيديها وكأنها تدفع ثِقلًا خفيًا
"أصعب مما تتخيلين!"
ضحكتا معًا، حتى إذا خطت سيرشا نحو الباب ووشك ظلها أن يغيب، ناداها صوت اندروميدا من جديد. التفتت، لتجد ابتسامة مشبعة بالودّ ترتسم على محيّا سيدتها، تقول بخالص قلبها
"قد تقولين إن العبودية تلوث الجمال... لكنني أظن أن جمالكِ لم يتلوث بعد."
خرجت سيرشا من الغرفة، ابتسامتها تتوهج حتى كادت تشق وجنتيها، كأنها تحمل في قلبها شمسًا صغيرة. ركضت في الممرات كطفلة تلاحق حلمًا، حتى وجدتني في آخر الممر، واقفًا بعد نوبة حراسةٍ مملة، أنتظرها.
التقت عيناي بعينيها، فخرج اسمها من بين شفتيّ مرتعشًا
"سيرشا..."
لم تتوقف، بل ارتمت في أحضاني دفعةً واحدة، جسدها دافئٌ كنسمةٍ في صباح شتوي. تصلبتُ في مكاني، احمرّ وجهي كله، ارتبكت حتى تعثرت الكلمات من فمي
"م... ماذا تفعلين؟!"
قهقهت ضاحكةً، صوتها موسيقى طليقة
"آه يا نوح... كأنني أعيش أجمل أيامي! أشعر أنني سأطير من شدة الفرح!"
شددت على ذراعيها، قلت بشيء من الحماس
"لكنّكِ لا تعرفين سبب انتظاري لكِ بعد..."
أمالت رأسها بدهشة طفولية
"ما هو؟"
أمسكتُ بكفها، اليد التي أخشى أن تفلتني يومًا، وجعلتها تتبعني. الطريق لم يكن طويلًا حتى وصلنا إلى حديقة مهجورة خلف القصر، حديقة شاخت من الإهمال، باهتة الألوان، عادية في كل شيء… إلا أن الموسيقى العذبة من قاعة الحفلات القريبة كانت تنساب إليها كسرٍّ من عالم آخر.
توقف قلب سيرشا للحظة، لمعت عيناها بذهول وهي تقول
"هل تسمعها؟ الموسيقى!"
أملت برأسي مازحًا
"بالطبع، لو لم أسمعها لما جلبتكِ إلى هنا..."
سكتُّ لحظةً وأنا أتأمل ملامحها النقية. تلك الملامح التي يهواها قلبي حتى الذوبان. غرقتُ فيها، كأنني أسبح في حلم يقظتي.
أمسكت بكفي بحماس وقالت
"لم أرقص مع أحدٍ في حياتي... لا أجيد هذا الشيء أصلًا! ربما أنت قد فعلت لكن..."
احمرّ وجهها خجلًا. ضحكتُ من أعماقي حين رأيت ارتباكها الطفولي وأجبتها
"لا يا حلوتي، لم أرقص مع امرأة غير أختي. هل ترغبين بالتجربة؟"
مددت لها كفي، انحنيت على ركبتي، قبلت ظهر يدها كما يفعل النبلاء، ثم رفعت رأسي قائلاً
"هل أستطيع أن أنال هذا الشرف أيتها النبيلة؟"
احمرّ وجهها بالكامل، صرخت بخجل
"ن..نوح؟ انهض! لستُ نبيلة لتفعل هذا!"
عقدت حاجبيّ مبتسمًا
"تقمصي الدور، توقفي عن التذمر. ألن تلعبي قليلًا في حياتكِ؟"
أومأت نافية وقالت
"كنت أعتبر الجري لعبًا وبعض الأشياء الأخرى، لكن لم أتظاهر يومًا بكوني أميرة..."
"أنتِ أميرةٌ الآن، وقد تركتِ فارسكِ على الأرض بلا جواب."
قهقهت هي الأخرى، شدت على كفي وقالت
"حسنًا... أقبل أن أرقص معك."
نهضتُ من فوق الحشائش الرطبة، قطرات الندى تتلألأ على أطراف أصابعي، ووضعت يدي على خصرها كمن يحتضن سِرًّا، بينما يدي الأخرى احتوت يدها الصغيرة. كانت متحيرة أين تتشبث بي، فأشرت لها أن تضع يدها على كتفي، وكأنني أُعلمها كيف تُحلّق.
تحركنا على الإيقاع الناعم المنساب من بعيد؛ أحيانًا تتعثر خطواتها، فأُسندها برفق، فتميل نحوي ويعلو ضحكنا مع الرياح كأنها تحملنا معها.
أمالت رأسها نحوي، نظرتها مترددة وصوتها أشبه باعتراف
"لم أتخيل أنني سأرقص يومًا على ألحان الآلات بين ذراعي رجل…"
ابتسمتُ متفاخرًا، متعمدًا اصطناع الثقة
"الرجل الأفضل في العالم!"
رفعت حاجبيها وغمغمت
"ربما لو كان جسدك يحتوي على عضلات أضخم لوافقتك بالرأي!"
ضحكتُ و الصدمة تعتلي وجهي فقلت
"منذ متى وأنتِ تهتمين بتلك الأشياء؟"
وضعت رأسها على صدري، دقات قلبها تختلط بأنفاسي، وابتسمت وهي تهمس
"أمازحك… لن أجد رجلًا مثلك في حياتي. أريتني كل ما حُرمت منه… حتى الحرية…"
لمعت عيناي، شعرت أن قلبي يكاد يطير من بين ضلوعي. همستُ لها بصوتٍ يكاد ينكسر من شدته
"أعدكِ… إن أصبحنا أحرارًا، سأجعلكِ تعيشين حياةً تغار منها النبيلات."
قهقهت فجأة، ضحكتها تضيء الليل
"ما بالك؟ أستتزوجني إذن؟"
تورد وجهي كله، الكلمات تتلعثم بين شفتي
"إن… لم تمانعي…"
تسمرت عيناها عليّ، احمرّ وجهها بدورها، ورددت بذهول
"حقًا؟!"
أومأتُ مرتبكًا، أتنفسها وكأنها هواء حياتي
"إن… إن أصبحنا أحرارًا!"
ثم أمسكت بها، وبدأت أدور بها ببطء، كأنها ملاك بلا أجنحة، ملاك يطير بين ذراعيّ. ضحكاتها تتناثر في الهواء كحبات ضوء، وجهها المندهش هو كل ما يشغل قلبي وحواسي.
كنت أحبها… لا، كنت أعشقها.اهواها...اتهيّم بها..
ليتني امتلكت الجرأة لأنطق بتلك الكلمات منذ اللحظة الأولى التي رأيتها فيها…