الفصل 27
حين اطفأت الشمعة
كانت السماء ممتدة أمامي كصفحة نقية، سماء بلا أرض، بلا حدود، كأنها وُجدت لتحتضنني وحدي.
الريح تلامس وجهي المرهق لمسةً حانية، وتنساب بين مسامي كأنها تنزع عني أثقال الأرض.
هناك، بين الغيوم البيضاء، كنت أخشى أن تلوث أنفاسي نقاءها، ومع ذلك استسلمت لها.
خطاي لم تعرف أرضًا، كأن ساقيّ معلقتان في الفراغ، ورغم ذلك كنت أشعر بهما بوضوح، شعور غريب… شعور أقرب إلى الطيران.
نعم… كنت أطير.
جناحان عظيمان امتدا من ظهري، ناصعان كثلجٍ مقدّس، وكأنهما سُرقا من كتف ملاكٍ نائم.
ذلك النشيد الداخلي، نشيد الحرية، دبّ في قلبي وأغرقني في سعادة لم أعرف مثلها قط.
لكن شيئًا ما أخذ يدوّر رأسي في دوامة من ظلام. اهتزت رؤاي، تشوشت أذناي، ثم اخترق أذني صوتٌ حاد، كصهيل خيل يجرح السكون.
ارتطمتُ بخشبة ثقيلة، فاستيقظت مذعورًا… لأجد نفسي جالسًا داخل عربة خشبية مغلقة.
ارتجفت عينيّ بالذهول
أين ذهبت تلك السماء؟ أين اختفى النعيم الذي كدت أصدقه؟
التفتُ من حولي. وجوه يائسة تملأ المكان؛ وجوه اعتدت رؤيتها، وجوه العبيد.
إلى جواري كانت سيرشا، بعينيها القلقتين اللتين لم تكفّا عن متابعتي، سألت بصوتٍ منخفض
"المطب كان قويًا… هل يؤلمك رأسك؟"
وضعت يدي على موضع الضربة، ما بين ذهولٍ ووجع، كمن عاد من جنّةٍ إلى جحيم. تمتمت بارتباك
"متى… خرجنا من القصر؟"
رفعت كتفيها بابتسامةٍ دافئة رغم القيود
"منذ الأمس. أمامنا بعدُ طريق طويل حتى نعود من حيث أتينا. يؤسفني أن فترة التدريب قد انتهت…"
سحبتُ أنفاسي ببطء، أغمضت عيني لحظةً وهمست
"كنت أظن أنني أحلم."
هزّت رأسها نافية، وقالت وهي تحدق في وجهي
"ومن ذا الذي يحلم لأسبوع كامل؟"
اتسعت عيناي، والذكرى لسعتني بقوة.
رفعت يدي المرتجفة إلى شفتيّ كأنني أتحقق من شيء لا يزال عالقًا بي، عيناي معلقتان بالفراغ.
أمالت سيرشا رأسها بدهشة، صوتها متهدج بالقلق
"ما بك؟ هل تشعر بالدوار؟"
تمتمت بنبرةٍ مرتجفة، أقرب إلى الاعتراف منها إلى الحلم
"لقد… رأيت نفسي أطير."
اتسعت عيناها فجأة، كأن كلماتٍ خرجت من فمي قد كسرت محرّمًا قديمًا. كلماتٌ مألوفة على وقع الألم، كلماتُ طفلةٍ كانت تبتسم في أشدّ عذاباتها… ميراي.
تمتمتُ باسمها، فارتجف وجه سيرشا توترًا، وصوتها يخرج متردّدًا
"هل… أنت جاد؟"
أردفتُ بهدوءٍ أقرب للهمس
"ربما هذا يعنيـ"
لكنها قاطعتني قبل أن أكمل، نظرتها اشتعلت بغضبٍ وحزنٍ في آن، وصوتها يرتجف كصوت مَن يحارب القدر
"أنك ستكون حرًا!!"
عقدت حاجبيّ ببطء، وأخفضت بصري إلى الأرض، متمتمًا كمن يحاول أن يخفي ندبة في قلبه
"كنت سأقول بأنني سألاقيها في النعيم… لكن لا بأس. لا بد أنها مصادفة مزعجة."
شدّت أصابعها على ذلك الفستان الرتيب الرديء الذي جئنا به، كأنها تشد على خيط أملٍ هشّ، ثم قالت بصوتٍ تحشرج فيه الغصّة
"نوح… تلك الطفلة ماتت لنحقق رغبتها، لا كي تتبعها وتموت معها… أرجوك… نفذ كلامك… ولْنكن أحرارًا."
وضعتُ يدي على يدها، لمستها كانت باردة كأنها تحمل صقيع كل السنين، لكنني قلت بصوتٍ ثابت رغم ارتعاش قلبي
"بالطبع… أعدكِ بأننا سنتحرر من كل هذا."
عدنا إلى ذلك المعسكر الرتيب... شنقيط.
أرضٌ مثقلة بالأتربة التي تتصاعد لتخنق الأنفاس،
وشمسٌ حارقة تلسع الجلد كأنها سوط لا يرحم.
لم أكن أطيق تلك البلاد من أعماقي،
ومع ذلك... كنت أحب فيها سيرشا، ومانسا، وربما حتى تلك المزعجة، أثينا.
سرنا بين صفوف العبيد بخطوات متثاقلة بعد رحلة أرهقتنا أيامًا طويلة،
فإذا بمانسا وأثينا واقفَين بانتظارنا،
تلمع في عيونهما لهفة اللقاء.
ركضت أثينا نحونا كطفلةٍ انفلتت من قيودها،
وارتمت في حضن سيرشا وهي تضحك بفرحٍ لا يُخفى
"يا إلهي! كم اشتقتُ إليك! العيش مع مانسا... هو أسوأ عذاب!"
شدّت سيرشا على عناقها، همست بنبرةٍ متعبة لكن صادقة
"اشتقتُ لكِ فعلًا..."
أما مانسا، فوقف متأملًا المشهد، عيناه غائرتان
كأنه يشهد مشهدًا لم يمر عليه حتى في احلامه..
حين لاحظ انني احدق فيه،تغيرت ملامحه و عاد لطبيعته
ثم قال ببرودٍ ساخر
"أشعر بالغيرة... لا أحد يعانقني."
رفعت حاجبيّ بازدراء
"هل تلمّح أنك تريد عناقًا، يا أشقر الرأس؟"
ضحك باستهزاء
"أ وتريد مني أن أُعانقك؟ عليك أن تتوسل أولًا يا عريض الحاجبين."
ضاقت عيناي وأنا أردّ
"هذا ما ينقصني الآن،تعال الى هنا"
اقترب بخطواتٍ مترددة، ثم عانقني.
شعرت بقبضته تشدّ على قميصي، قبضته المرتجفة، ودموعه تتساقط على ثيابي.
همس بصوتٍ مبحوح، كأنه لا يصدق ما يرى
"لا أصدق... أنكم عدتم أحياء."
ربتُّ على ظهره بخفة، محاولًا تخفيف وطأة انكساره
"بل أنتم من يجب أن نهنّئه على النجاة... أنا وسيرشا عشنا حياةً أشبه بالنعيم."
ابتعد وهو يمسح دموعه بسرعة، يخفيها كما يخفي جرحًا عميقًا، وقال
"وماذا أدري عن حياة القصور؟ كنتُ قلقًا عليكما..."
مضينا معًا بخطواتٍ جانبية، تاركين سيرشا وأثينا في حديثٍ غارق بالضحكات والذكريات.
قال مانسا وهو يرفع كتفيه
"أ حقًا لم تواجهوا أي صعوبات؟ عنصرية طبقية مثلًا؟"
انفجرت غصتي المكبوتة فجأة
"ليتنا واجهنا عنصريةً طبقية... ولم نواجه ذلك الوغد قبيح الوجه، ضيّق العينين!"
اتسعت عيناه بدهشة كمن سمع اسمًا ملعونًا
"جوستاف؟! لا تقل إنه ما زال حيًا؟!"
قهقهتُ بخفة، كأن مرارة الذكرى تحتاج إلى ضحكة كي لا تخنقني
"المضحك أنك عرفتَه من هذا اللقب السخيف..."
تمتم وهو يبتسم بمرارة
"كنتَ تمقته منذ اللحظة الأولى."
أجبت بنبرةٍ حادة تحمل ثقل التجربة
"لديّ بصيرة خاصة يا مانسا... أعرف جيدًا من الذي سيمد يده ليساعدني، ومن الذي سيغرسها في أحشائي."
سخر ببرود
"جميل... أتريد أن تشبّه نفسك بالعجوز الخرف الذي يدّعي النبوءة؟"
قلت بابتسامةٍ مبطنة بالتهكم
"لا بد أنه ساحر مريب... كيف يتوقع المستقبل هكذا؟"
هزّ رأسه بيأس
"وماذا يعنينا؟ المؤكد أنه فقد عقله منذ زمن..."
لوهلةٍ كنت أسير إلى جواره، أسمع وقع خطواتنا يتردد في الممر الحجري الطويل. لكن دون أن أنتبه، وجدت نفسي قد تقدمت عليه بعدة خطوات.
كان الصمت بيننا ثقيلاً كأنه شيء مادي يُجرّ خلفنا.
توقفت، واستدرت نحوه.
كان ما يزال في مكانه، واقفًا كما لو أن الأرض قد شدّت قدميه إليها. بدا كأن الكلمات علقت في حلقه وخنقته قبل أن تخرج.
نظر إليّ.
قلت بصوتٍ واضح، وقد عقدت حاجبيّ قليلًا
"لماذا توقفت؟"
ضيق عينيه، كأن فكرة مؤلمة تحاول شق طريقها إلى الخارج، ثم قال ببطء
"نوح… كان بإمكانك أنتِ وسيرشا أن تهربا."
ارتسمت الدهشة على وجهي.
"ها؟"
قلت بتعجب.
"ما الذي تتحدث عنه فجأة؟"
خطوت نحوه من جديد حتى وقفت أمامه مباشرة. الآن فقط استطعت أن أرى التوتر الذي يلتهم ملامحه، كأن سؤالًا ظل يطارده طويلًا.
قال بصوتٍ مشدود
"كان بإمكانكما الهرب من القصر… أليس الهروب من هنا أسهل بكثير من الهروب من شنقيط؟"
توقف لحظة، ثم خرج السؤال أخيرًا، حادًا ومكسورًا في آنٍ واحد
"إذًا لماذا…؟ لماذا عدتما إلى هنا؟!"
تنهدت بضيق خفيف، ذلك الضيق الذي يأتي حين يظن شخص أنك قد تخليت عن شيء بديهي.
مددت يدي ووضعتها على كتفه.
قلت بهدوء، لكن بثبات لا يقبل الشك
"مانسا… ما الذي أصابك؟ أتريدنا أن نهرب أنا وسيرشا ونتركك أنت وأثينا تعانيان هنا؟"
توقفت لحظة ثم أكملت
"ثم إننا وعدنا غيركما من العبيد أيضًا. وعدناهم بالعودة."
شدّدت قبضتي قليلًا على كتفه.
"أنا لا أنكث بوعودي… ما حييت."
فتح فمه قليلًا، وكأن الكلمات خانته.
الصدمة ارتسمت على وجهه بوضوح.
خفض رأسه ببطء، وانزلقت دموع جديدة على خده.
لكن هذه المرة…
ضحك.
ضحك ضحكة خافتة متقطعة، تتسلل بين الدموع.
تمتم بصوت مبحوح
"أظن… أنني أحمق بالفعل."
هز رأسه قليلًا، وكأنه يسخر من نفسه.
"لماذا لم أفكر في الأمر من قبل…؟ كان يجب أن أعرف."
ترددت للحظة قبل أن أسأله
"أن تعرف ماذا؟"
رفع رأسه أخيرًا.
مسح دموعه بكمّه، لكن الابتسامة التي ظهرت على وجهه كانت مختلفة هذه المرة—ابتسامة هادئة، واثقة، كأن شيئًا في داخله استقر أخيرًا.
قال
"كان يجب أن أعرف…"
ثم أضاف بنبرة ممتلئة باليقين
"أنكم… عائلتي."
ضربته على ظهره بخفة و انا امازحهه
"أ لست عاطفيًا اكثر من اللازم اليوم؟!"
تنهد و هو يجيب
"اضنني كذلك.."
كان الليلُ يلفُّ المعسكر بعباءته الثقيلة، كأنَّ السماء تخبئ سرًّا لا تريد أن يُفضَح. كنّا نتحدّث طويلًا، حديثًا يشبه نهرًا ينساب في صمت الليل. أحدُنا كان يحلم بالنعيم، والآخر يحدّق في وجه الجحيم. حدّثني مانسا عن عرقِ العمل وثِقله، عمّا رتّبوه في الخفاء، بينما رويتُ له عن القصر، عن أروِقته المذهّبة ووجوه من أعرفهم هناك، وكل ما حدث خلف تلك الجدران.
استقبلنا العبيد بحرارةٍ تحمل حنينًا للكتابة ودروسها، ولأحاديث المغامرات القادمة من القصر البعيد. لكن قلبي كان يعرف الحقيقة؛ لم أعد لأنعش الكتابة من جديد، بل لأُشعل شرارة أخرى الهروب.
قادنا مانسا عند منتصف الليل إلى منزل السيّد المهجور، ذاك المكان الذي كان يومًا يجمعنا سرًّا.
ثم اختفى،و معنا أولئك الذين كتموا أمر الكتابة ووثقنا بهم، ليعرفوا الآن ما نخطط له. أضأتُ شمعةً صغيرة سبقتُ بها خطواتهم إلى الداخل، واجتمعنا حول طاولة خشبية عجوز، غطّاها الغبار كأنها تشهد على كل المؤامرات والعهود.
قالت أثينا بهدوءٍ أقرب إلى الهمس
"قال مانسا إنه سيجلب بعض الأوراق لتسجيل الملاحظات."
ثم اقتربت منّي، وأمالت رأسها لتهمس
"قال أيضًا أن تتولى أنت زمام الأمور... وتخبرهم بمخطط الهروب."
تقلّصت عيناي وعقدتُ حاجبيّ، كمن يحاول القبض على أنفاسه
"أ...حقًا؟ أليس هذا كثيرًا؟"
مدّت سيرشا يدها لتستقر على كتفي، ابتسامةٌ ثابتة كجذر شجرة
"هيا يا نوح... أنت لها."
ترددت ابتسامتي لحظةً ثم صارت يقينًا، التفتُّ إلى الرجال والنساء حولي وقلت بصوتٍ حاولت أن أجعله ثابتًا
"لم نجتمع اليوم لأجل الكتابة، بل لشيءٍ أكبر. شيء تحدّثنا عنه يومًا ثم صمتنا عنه... الحرية."
توسعت عيونهم عند سماع الكلمة. بدت لهم محرّمةً كالتعاويذ القديمة، كلمة لا يُفترض أن تُقال. وضعتُ راحتيّ على الطاولة الخشبية الخشنة وقلت
"الكتابة كانت وسيلةً جميلة للتواصل، للثقة، للتعبير عن آرائكم سرًّا. لكن ماذا عن التعبير عن حياتكم كلها بلا خوف، بلا سوط يراقبكم؟"
رفعتُ قبضتي إلى الهواء، قطعته كمن يشق قيدًا
"هل جرّبتم يومًا أن تتنفسوا دون أوامر؟ أن تعيشوا دون أن يُمزَّق جلدكم على حجر العمل؟ ما أريده اليوم بسيطٌ ووحشيّ في آن: أن تهربوا معنا. إن تكاتفنا، لن يستطيع أحد إيقافنا."
الوجوه من حولي ارتعشت بين التردد والخوف. قال رجل في منتصف عمره بصوتٍ واهن
"وماذا لو اكتشفونا؟"
ابتسمتُ، عينيّ تلمعان بعنادٍ صامت
"وماذا في ذلك؟ عددنا هائل، ولن يستطيعوا معاقبتنا جميعًا."
قالت امرأة بصوتٍ مضطرب
"لا... لن أهجر مكاني. إن حدث لي شيء، من سيحمي ابنتي؟"
تمتم شابٌ آخر
"لن أمانع الهرب... لكننا لا نعرف نوايا السادة. قد يقتلوننا جميعًا ببساطة."
شعرتُ بخطّتي تتداعى كبيتٍ من طين. ارتجفت عظامي، لكن جاء صوتها، صلبًا كحجر في وجه الريح. سيرشا.
قالت
"نعم، لا نعرف نوايا السادة، ولا نعرف المصير إن عبرنا هذه الأسوار... لكننا نعرف أننا سننال الكرامة، شرف المحاولة. وإن نجحنا؟ تخيّلوا عدد العبيد الذين سيقلدوننا. قد نكون الشرارة الأولى لنهاية العبودية!"
رفعت رأسها بعزم، عيناها تلمعان بوميض حلمٍ أكبر من القيد. تابعت بصوتٍ ثابت
"كنتُ سأصبح حرةً في ذلك القصر. عرضوا عليَّ حياةً ناعمة، أموالًا، يدين بلا خشونة. لكنني رفضت!"
التفتنا إليها أنا وأثينا، وصرخنا كأننا في قلب عاصفة
"هل فقدتِ عقلكِ؟!"
تصلبت مكانها، قالت بترددٍ ثم أخذت نفسًا عميقًا
"لا... أردت الهروب من هنا معكم. أردت أن نتحرر جميعًا."
رفعت رأسها أكثر، ابتسامتها لم تعد رجاءً بل قسمًا
"سأهرب معكم... وليحدث ما يحدث."
ثم تقدّمت خطوةً إلى الأمام، رفعت يدها في الهواء كمن يمزّق الظلام وخاطبتهم جميعًا بصوتٍ يهتزُّ في الجدران
"الليلةَ لن نكون عبيدًا للقيود، بل حاملي مفاتيحها. إن لم نكسرها نحن، لن يكسرها أحد. هذا هو وقتنا، وهذه فرصتنا لنكتب تاريخًا آخر، لا بالحبر على الورق... بل بأقدامنا وهي تعبر بوابة الحرية!"
سرت همهمة بين الصفوف، ثم ارتفع صوتٌ من الخلف "سنفعل!"
وتلاه صوت آخر
"نعم... سنهرب!"
ثم ترددت الكلمة في الغرفة مثل نشيدٍ أوليّ
"سنكون أحرارًا!"
في تلك اللحظة، لم أرَ العبيد مجرد وجوهٍ خائفة، بل نارًا تتقد. ووقفتُ أنا، نوح، مبهوتًا أمام سيرشا؛ لم أرَ فيها تلك الفتاة التي كانت تتعثّر في خطواتها، بل رأيتُ شعلةً تهزّ الظلام.
للحظاتٍ دافئة، دوّى الطرق على الباب، ثلاث طرقات متتابعة كنداء معروف. لم يجرؤ أحد على الحركة، فذلك الباب لم يعرف طارقًا سوانا. تقدّمتُ بخطواتٍ واثقة، والابتسامة تعلو وجهي، كأنني على وشك أن أستقبل بشارة.
فتحتُ الباب... وها هو مانسا يقف أمامي أخيرًا. للحظةٍ كدتُ أن أتنفّس الصعداء. لكن شيئًا باردًا، خفيًّا، تسلل إلى أعماقي. مانسا لم يكن وحده.
خلفه، في العتمة، برزت وجوهٌ أعرفها جيّدًا. قذارة أثوابهم لم تستطع أن تخفي قسوتهم. عيونهم تتلألأ ببرودة السلاسل. رجالٌ لم يأتوا إلّا ليقتلعوا الحلم من جذوره.
السادة.
تجمدت الكلمات في حنجرتي، وانطفأت ابتسامتي قبل أن تكتمل. وفي تلك اللحظة، ارتجفت يد أحد العبيد فوق الطاولة، فأسقط الشمعة التي كانت تضيء اجتماعنا. ارتطمت بالأرض، وانطفأ وهجها فجأة، تاركة الغرفة في ظلامٍ مرتعش، تتخلله فقط أنفاس مذعورة ونظرات واجمة.
في ذلك الظلام، كان وقع خطوات السادة يقترب، كأن الليل نفسه ينحني أمامهم.
تحشرج صوتي...و خرجت كلماتي بالكاد من حنجرتي
"م...مانسا.....لماذا...؟"