الفصل 28
ملكٌ قدم كقربان
كان اسمه يتردد في صدري كالطَعن
"مانسا…؟"
تراجعت الكلمات عن لساني كدمٍ حار.
"لِمَ تقف مع السادة؟ لِمَ دللتهم على مخبئنا؟ لِمَ لا تجرؤ حتى على النظر في أعيننا؟"
كانت نبرتي مكسورة، مرتعشة كحبلٍ متهالك في ريحٍ عاتية.
"لِماذاااا؟!"
خطا أحد السادة إلى الأمام، وجهه يقطر غضبًا
"كنت أعلم… منذ البداية كنت أعلم!"
و آخر رفع صوته حانقًا
"الهرب؟ أنتم تظنون أنكم قادرون على الفرار؟!"
امتدت يد غليظة كأنياب فهد، قبضت على ذراع سيرشا وسحبتها بعنف.
"هذه الفتاة! السارقة سابقًا! كنت أعلم أنها لن تكف عن الدناءة… المجرم لا يتوب!"
لم أعد أفكر. تحركت كما يتحرك الجسد حين تُطعن الروح. اندفعت ناحيته وأبعدتها عن قبضته بكل ما في يدي من خوف وغضب.
صرخت في وجهه
"إياك أن تلمسها!"
قطب الرجل حاجبيه بازدراء
"عبدٌ ويهدد؟!"
رفعت سيرشا صوتها المرتعش، نصف رجاءٍ ونصف دفاع
"سيدي… الأمر ليس كما تظن… لم نحاول الهروب—"
لكن صوتًا صارمًا قطعها كالسكين
"يكفي!"
التفتنا جميعًا. كان رئيس المعسكر واقفًا هناك، كتمثالٍ من صخرٍ بارد.
قال ببرودٍ زاحف
"كل شيء واضح الآن… مانسا كان محقًا. اعترافه في مكانه."
كأن الزمن توقف.
اندفع مانسا نحوي فجأة، وجهه لا يشبه وجهه الذي أعرفه، بل وجه غريب تتخلله العواصف. صرخ بعينين قد اشتعلتا جمرًا
"هل ستبيعونني؟ هل ستفضحونني هنا؟ بعد كل ما عشنا؟!"
عقدت حاجبيّ، شعرت بالذهول يعصف بي
"مانسا…ما الذي تقصده؟—"
لكنه قاطعني بلكمةٍ هوت على وجهي كحجرٍ من جبل. قبض على قميصي بعنف وبدأ يصرخ، صوته يغمر المكان
"كنت أعلم!!! كنت أعلم أنكم ستبيعونني! كنت أعلم أن هذا سيحدث! تبا للسادة! تبا لهذا المكان اللعين! تبا لكل ما عشته!!!"
صرخت في وجهه، صوتي يمزق الهواء
"كيف تجرؤ؟ أنت من بعتنا يا مانسا!!!"
نظر الي بطارف عينه،ثم ابتسم...ابتسم بحافة شفتيه..
في تلك اللحظة، اقترب رجلان من الحرس، قبضوا عليه وسحبوه كحيوانٍ جريح. قال السيد ببرودٍ جليدي
"لن يفيدك الصراخ يا مانسا…"
كان يقاوم، يركل الهواء، وجهه متقد، وعيناه تلتمعان بالدموع. صرخ
"لن أغفر لكم! لن أغفر لكم أبدًا!!!"
ثم ابتلعهم الظلّ، ورحلوا. وبقي الصدى يعلق في جدران صدورنا، كاللعنة.
تصلبنا في أماكننا، كأن الأرض تجمدت تحت أقدامنا. الهواء كان ثقيلًا، مشحونًا برائحة الخوف. تمتمت أثينا بصوتٍ مرتجفٍ بالكاد خرج من حلقها
"م… ماذا حدث؟ هل تركونا للتو؟ لا عقاب؟ لا قتل؟"
رفع أحد الرجال رأسه، صوته يقطر استغرابًا
"لِمَ أخذوا مانسا وحده؟!"
تلمست ثيابي بحركةٍ آلية، فشعرت بورقةٍ مطوية، حادة الأطراف كأنها خُبئت بالنار. بدت وكأنها نبض قلب عالق في جيبي. يبدو أن مانسا دسها حين سحبني.
اقتربت سيرشا مني، همست في أذني بفتورٍ يشبه الغبار
"هل… انتهى كل شيء؟"
لكن أثينا قاطعتها بانفجارٍ غاضبٍ يشبه العويل
"هل باعنا مانسا؟ صمت السادة هذا مخيف! ماذا لو سيعدموننا جميعًا؟!"
لم أجب. كنت مأخوذًا بالورقة بين أصابعي.
تمتمت بدهشةٍ وحلق جاف
"إنها… رسالة."
أخذت سيرشا وأثينا من أذرعهما. انسحبنا بصمتٍ إلى أحد الإسطبلات الفارغة، تاركين خلفنا العبيد المذعورين كطيورٍ بلا أعشاش.
جلست أمامهما، الورقة بين يديّ كأمانةٍ ثقيلة. فتحتها ببطء، ورحت أقرأ بصوتٍ يرتعش كما لو كنت أنطق اعترافًا لا يخصني
"نوح… سيرشا… أثينا…
هناك الكثير مما أكبت، الكثير من الأسرار. وأولها أنني أجيد الكتابة بالفعل. آسف لأنني كذبت عليك يا نوح.
سأحكي كل شيء الآن، بلا قناع.
أنا هو جاسوس السادة. الرجل الذي يثقون به. لم أولد عبدًا. ولدت ابنًا لسيد صارم، تزوج أجمل امرأة. لي أخٌ أصغر. عشت طفولتي في أنياب الرفاهية حتى قُتل أبي غدرًا على يد صديقه طمعًا بماله.
بعد موته لم يعد أحد يحترمنا. والدتي صارت خادمة في بيوت الناس، حاولوا أن يجعلوا أخي الرضيع عبدًا. كنت أرى أمي تُهان وتُضرب حتى رأيتها تحاول الانتحار.
أنقذتها بأعجوبة، وعاهدت نفسي أن أمنحها حياةً كريمة، ولو بسيطة. قدّمت نفسي للسادة: افعلوا بي ما شئتم، اجعلوني كلبكم، فقط… دعوا أمي وأخي يعيشان في بيتٍ من الطين. دعوني أوفر لهما الغذاء. دعوني أكون جاسوسًا لكم بين العبيد حتى لا تهدر أموالكم في الهرب.
وافقوا بعد توسلاتي. قضيت أربعة عشر عامًا في خدمتهم حتى باتوا يثقون بي أكثر من أنفسهم. توقفت محاولات الهرب بسببي.
حتى جئتم أنتم. حتى رأيتكم. حتى عرفتكم. ذقت طعم السعادة لأول مرة. شعرت بأنني إنسان.
نوح، أنت أكثر من صديق. كنت الأخ الذي لم تلده أمي. كلماتك عن الحرية، رغباتك، أحلامك، كانت أشياء لا أستطيع الوصول إليها، أشياء لا يستحقها جاسوس كاذب مثلي.
حاولت منعكم من الهرب مرات كثيرة. لم أرد أن تموتوا. لم أرد أن أرى أحدًا يقتل نفسه بسبب السادة كما فعلت ميراي.
وعندما سمعت أحد السادة يخبر الآخرين بأنكم تحاولون الهرب، دون أن يذكر اسمي، لم يبق أمامي إلا خيار واحد: أن أنقذكم جميعًا.
أخبرتهم بأنني أنا من خططت لكل شيء، وأنني أجبرتكم على ما فعلتم. طلبوا مني دليلًا، فأدخلتكم ذلك الكوخ وأغلقت الباب وناديتهم كي يظنوا أنني حبستكم قسرًا.
لا بد أنهم سينفذون حكم إعدام بحقي. كل ما أريده منكم هو مسامحتي… لأني كذبت عليكم طوال الوقت. كنت وسيطًا لهم… جاسوسًا بينكم.
أتمنى أن تهربوا… أن تنالوا الحرية التي حلمتم بها.
أيضًا… منزل والدتي في هذا المعسكر، هي لا تخرج منه. تعيش مع أخي. أوصلوا رسالتي لها. قولوا لها إنني ذهبت في رحلة طويلة ولن أعود.
اخبروا اخي ان يتفقد منامي....وضعت لهم ما يوفر لهم العيش الهنيّ
أحبكم… أحبكم بحق…"
توقفت الكلمات على لساني، ولم يعد لصوتي صدى سوى بين جدران الإسطبل البارد. نظرت إلى وجوههم سيرشا شاحبة كقماشٍ مبلل بالدموع، وأثينا تمسك فمها بيدٍ مرتجفة. كانت الرسالة كخنجرٍ بطيء يغوص فينا جميعًا، لكنها في الوقت نفسه نافذة نطل منها على قلب مانسا لأول مرة.
تمتمت أثينا بصوتٍ خافتٍ كأنها تخشى أن يسمعها الليل نفسه
"لا يعقل... هذا لا يعقل... الجاسوس... كان بيننا طوال الوقت..."
تجمدت سيرشا في مكانها، وارتعشت شفتاها كطفلةٍ ضيّعت طريقها في العاصفة. خرج صوتها مبحوحًا، متقطّعًا كمن يحاول التنفس تحت الماء
"كلماته تلك... هل سيضحي بحياته لأجلنا؟!"
أجبتها بصوتٍ مبحوحٍ بالذهول، أردد ما يشبه الهذيان
"مستحيل... مانسا الذي أعرفه يهاب الموت... مانسا الذي أعرفه لا يفعل هذا!"
ارتعشت أثينا، وصوتها خرج كأن الريح تمزقه
"لقد كتم كل شيء... لم ينطق بشيء... لم يُشِر حتى بعينيه..."
صوت الباب وهو يُفتح بعنفٍ شقَّ السكون كالسهم. تطاير القشّ من أرض الإسطبل، ودخل أحد العبيد الشباب، وجهه شاحب كجدارٍ رأى جريمة، عيناه جاحظتان حتى كادتا تسقطان من الخوف.
صرخ وهو يلهث
"سيعدمون مانسا غدًا أمام الجميع!"
توقف الزمن للحظة، ثم انفجر في رأسي. تقدمتُ بخطواتٍ عمياء، وصرختُ
"ماذا؟! ماذا قلت؟!"
سقطت سيرشا على ركبتيها، ارتجفت كتفاها، وغرقت في بكاءٍ مكتومٍ كأنها تحاول دفن صوتها في التراب
"لا... لا... لا يمكن..."
أطبقت يداي على الهواء كأنني أريد خنق القدر نفسه، وصرخت بصوتٍ أجشّ يقطّع الصمت
"لن يحدث هذا! مانسا لن يموت بتلك البساطة!"
ركضتُ نحوه، قبضت على كتفي الفتى بقوةٍ كادت تكسر عظامه، نظرتُ في عينيه المرتجفتين وصرخت
"أين هو؟! أين وضعوه؟!"
أخفض نظره إلى الأرض، وصوته انكسر كشيخٍ مهزوم
"احتجزه السادة... سيُعدم فجر هذا اليوم..."
لحظة صمتٍ ثقيلةٍ أعقبت كلماته، حتى تنفّس الليل معنا ببطءٍ مرهق.
تسللت من الخارج أصوات السلاسل تُسحب على الأرض، كل حلقةٍ منها تطرق صدري كالمطرقة.
أحسست حينها أن كل شيءٍ في هذا المكان ينبض باسمه، حتى الهواء صار يشبهه... مكسورًا، خائفًا، لكنه لا ينحني.