الفصل 29
سجين اللهب
ركضنا كمن يهرب من عاصفةٍ لا ترى، قلوبنا تسبق أقدامنا، نلهث ونحن نبحث عنه، عن أي أثرٍ يثبت أنه ما زال بيننا. لم نجد سوى العبيد وقد اصطفوا في الساحة الرئيسية، يهيئون بأيديهم المرتجفة منصةً خشبية، منصةً ستبتلع مانسا أمام أعين الجميع.
انفلت صوتي من صدري المرتجف كخيطٍ ممزق
"أين هو؟! أين قد يكون؟!"
امتدت يد أثينا إلى كتفي، أصابعها باردة كأنها تسحب آخر ما في داخلي من أمل. التفتُّ نحوها والذعر يلتهم وجهي،تومأ رأسها دافعةً كل آمالي، فرأيت في عينيها اعترافًا صامتًا بهزيمتي، بكل صرخاتي التي ذهبت مع الريح بلا صدى.
ثم بزغت الشمس، شمسٌ تمنيتُ لو أنها لم تشرق.
أحضروه. كان جسده مثقلاً بالحبال، يجرّونه كما يُجرّ الليل نحو فجرٍ مصلوب.
قميصه قد انتزع منه قسرًا،و الكدمات اجتاحت جسده الأبيض...
العبيد والحرس اصطفوا حوله كأنهم يشهدون طقسًا قديمًا للذبح، ليكون هذا الرجل الذي يعرفونه عبرةً في نظرهم، خائنًا لمن يجرؤ على التمرّد.
وجهه جامد، كلوحةٍ طُمست ملامحها. قيّدوه إلى الخشبة، واهتز قلبي في صدري حتى خرج صوته مرتجفًا
"مانسا!!!"
رفع رأسه، عينيه التقتا بعينيّ. في تلك اللحظة شعرتُ أن الزمن توقف بيننا. رأى وجهي الخائف، القلق، ملامحي التي تتوسله أن يبقى.
ابتسم ابتسامةً متوترة وهمس
"يبدو أنكِ قرأتِ رسالتي..."
هززتُ رأسي نافياً، كمن يحاول دفع القدر بعيدًا، وتمتمت
"أرجوك... لا تفعل... نستطيع إنقاذك..."
خفض ناظريه، عيناه ارتجفتا، حاول أن يرسم ابتسامة، لكنه عجز. رفع رأسه قليلًا يتأمل الساحة المكتظة بالوجوه الخائفة، الحرس يحيطون جسده بالقش والخشب، ونحن بالكاد نقف بين تلك الدائرة التي تضيق بنا جميعًا.
ارتعشت ملامحه، وانفلتت منه كلمات كطفلٍ يرفض النوم في الظلام
"لا..."
تجمعت الدموع في عينيه، ثم قال بصوتٍ مسموع يشق الهواء
"لا أريد... أن أموت."
صرخةٌ اخترقت الصباح، حادة كحدّ السيف، خرجت من فم أحد السادة وهو يعلن مصيرًا كُتب بالنار
"اليوم... سيُعدم العبد المتمرّد الذي تجرّأ على كسر قوانين هذا المعسكر، وحاول تحريض العبيد على الهرب! سيُعدم حرقًا... حتى الموت."
سقطت الكلمات فوق صدري كصخورٍ من الجحيم.
ارتعش جسدي كله، أردت أن أصرخ، أن أمزّق السماء بصوتي، لكن صوتي مات في حلقي قبل أن يولد. شدّت سيرشا على ذراعي بقوةٍ جعلتني أتجمد في مكاني، كانت نظرتها كصفعةٍ من وعيٍ مؤلم، تهمس لي
"لا تفعل... لا تُفسد تضحيته بصرختك...لا تعترف!."
لكن أي تضحية هذه؟
إن تركته يحترق... سأموت معه.
الهروب كان فكرتي... أنا من زرعت الشرارة في قلوبهم، لا هو.
أنا من يجب أن أُحرق هناك، لا مانسا.
اقترب السيد بخطواتٍ وئيدة، في يده عودٌ مشتعل كأن الجحيم نفسه قد لبسه. النار تتراقص عليه بوحشيةٍ جائعة، ووجهه ساكن، كأنه يحمل يقينًا لا يُكسر.
رفع العود نحو مانسا.
عندها، انفجرت صرخة مانسا من بين شفتيه كأنها نُزعت من قلب الأرض
"لا!! توقف!! يمكنك قطع رأسي ببساطة!!! لا أريد أن أموت حرقًا!!! أتوسل إليك!!!"
كان صوته يمزق الهواء، يرتدّ عن الجدران الميتة للمكان، لكن السيد لم يرد إلا بنظرةٍ عابرة، كأن الرحمة لم تُخلق في عينيه. تابع طريقه نحوه، خطوة... فخطوة... كأن بينهما قدرًا لا يُردّ.
وحين أدرك مانسا أن التوسل صار عبثًا، رفع رأسه عاليًا، وصرخ بصوتٍ يجلد العالم من حوله
"فليسقط هذا المعسكر اللعين!!! أنا لست عبدًا!!! أنا بشرٌ! بشرٌ مثلكم! لكن الفارق بيننا... أنني أملك قلبًا وضميرًا، أيها الخنزير المتخلف!!!"
الكلمات كانت رصاصًا يختلط بالدموع.
تجمّد السيد في مكانه لحظة، ثم تقلّص حاجباه في ازدراءٍ متعب وقال ببرودٍ يشبه الموت
"كم أنت سليط اللسان... أين كنت تخفي هذه الأخلاق القذرة؟"
مدّ العود ببطءٍ نحو صدره العاري...
تسللت النار إلى جلده كما تتسلل الخطيئة إلى قلب نقي.
ثم التصقت به، فارتفعت صرخةٌ لا تشبه صرخات البشر.
صرخةٌ كأنها تمزق الكون.
تطايرت الشهقات، وارتجف الهواء، صارت الرائحة ثقيلةً من احتراق الجلد والرماد.
رأيت الدموع تتكسر في عيني سيرشا، تصرخ باسمه كأنها تحاول أن تنقذه بصوتها وحده
"لاااااا!!!"
بين أنين النار وارتعاش الأرض، بالكاد استطاع مانسا أن يلتقط أنفاسه الممزقة، بينما السيد ينظر إليه بمللٍ مزيف، ويسأل
"هل لك كلماتٌ أخيرة؟"
رفع مانسا رأسه ببطءٍ، حدّق في وجوه العبيد التي كانت تنكمش خوفًا، ثم نظر في عيني جلاده، وقال بصوتٍ متشققٍ بالغضب والكرامة
"فَلْتَحترقوا جميعًا... في الجحيم..."
ثم، قبل أن يمنحوه لحظة ندم، تصاعدت النار فيه.
اندفعت ألسنتها في جسده، تراقصت حول شعره الأشقر حتى صار كتلةً من الضوء المحترق.
كان يحترق...
وكنتُ أنظر.
يا إلهي، كنتُ أنظر.....و لم اتحرك ..
النار تأكل ملامحه ببطء..
كأنها تحفظها في ذاكرتها قبل أن تُفنيها.
نظر إلي،و قد تشنج وجهه بالألم،و احتبست دموعه بين رومشه الذهبية...
لم يصرخ.
لكن صمته صرخ في صدري حتى تكسّرت ضلوعي.
كنت أريده أن يصرخ...
أن يطلب النجاة...
لكنّه ابتسم.
ابتسم كمن عرف أخيرًا أن الجحيم أهون من القيد.
وحين انطفأ،
لم يبقَ منه سوى رمادٍ دافئ،
ورائحةُ حُلمٍ لم يكتمل.
كان فتيلَ شمعةٍ أُشعِلت في قلوبنا،
تصرخ في أعماقنا كأنه يناشدنا أن نكمل الطريقَ الذي لم يبلغه،
أن نحمل صوته على أكتافنا،
وأن نمشي به بين النار والظلام،
حتى لا يموت مرتين.
سقطتُ على ركبتيّ كمن خارت منه الروح،
وانفلتت مني صرخة شقت صدر الليل،
صرخة خرجت من عمقٍ لم أبلغه حتى في موت عائلتي.
ارتجف جسدي كغصنٍ في مهبّ الحزن،
أنفاسي تتعثر بي، تختنق في صدري،
وجمعتُ التراب بين أصابعي، أقبض عليه كأنني أحتضن بقايا أملٍ ضاع منذ زمن.
تمتمتُ بصوتٍ ممزقٍ بالبكاء
"مانسا... لماذا؟"
كانت سيرشا تضم أثينا، كلاهما تبكيان بلا صوت،
وكل العبيد حولنا انحنوا للغياب،
يبكون لأجل الرجل الذي حمل همومهم حين عجزوا،
الرجل الذي لم يرَ فيهم عبيدًا بل قلوبًا تنبض مثله.
لم نكن لنهتم إن كنت جاسوسًا...
لم نكن لنهتم أبدًا...
ليتك فقط لم ترحل هكذا...
بهذه السهولة القاسية، كأنك انتزعتَ أنفاسنا معك وتركتنا نصف أحياء.