الفصل 30
الناجون بالذنب
أقف هنا، أمام هذا الباب الخشبيّ الذي بدا كأنه ينوء بثقل التاريخ.
بابٌ قديم، رماديّ، تتآكل أطرافه، لكن صلابته توحي بأنه يخبّئ خلفه أكثر مما يُظهر.
خشب، نعم، لكني أراه صخرًا... صخرًا يمنعني من العبور إلى الحقيقة.
لا أجرؤ على الطرق.
كأن الطرق اعتراف، وكأن اللمس خيانةٌ لراحةٍ لم يستحقها بعد.
عائلة مانسا…
الاسم وحده يُكسر في صدري مثل زجاجٍ رقيق.
مرّ يومان منذ رحيله.
يومان، ومع ذلك أشعر أن العالم تشقق من حولي.
كل خطوةٍ أقوم بها تُذكّرني أني أتنفس خيانة وصيته.
لم أستطع الكذب كما أراد. لم أستطع حمل تلك الرسالة التي كتبها و دموعه لوثت الورق.
ولا إقناع نفسي أن الصمت نوعٌ من الوفاء.
ضميري كان أثقل من الموت نفسه،حتى جرّني إلى هنا، إلى بابٍ يختبئ خلفه قلبٌ لا يحتمل الحقيقة.
كانت سيرشا تقف إلى جانبي، وجهها كقناعٍ من شحوب،
وأثينا خلفي، تشبثت بيدي كأنها تحاول أن تمنعني من السقوط في قراري.
همست أثينا بصوتٍ خافتٍ كارتعاشة ورقٍ
"ربما علينا أن نعود… لا اقوى على مواجهتهم بالحقيقة!"
رفعت سيرشا رأسها، نظرتها حادّة، وفيها إصرار موجوع
"كلا، يجب أن يطمئنوا… يجب أن يشعروا ولو للحظة أن ابنهم بخير.حتى الكذب أحيانًا رحمة، إن كان يُبقي الأمل حيًّا."
هزّت أثينا رأسها بعنادٍ مرتجف
"لكنهم قد لا يعلمون الحقيقة ابدًا! لا يمكن أن نعيش نحن ونتركهم في الوهم."
أجبتها، وصوتي يختنق بين الحروف
"أثينا… أمه مريضة. كتب في رسالته أنها حاولت الانتحار من قبل.إن أخبرناها بالحقيقة، قد تموت الليلة نفسها.أتريدين أن نحمل ذنبين بدل ذنب؟"
قالت سيرشا وهي تهمس كمن يُذكّر نفسه لا الآخرين
"سنكذب فقط… سنطمئنهم فقط… تلك كانت وصية مانسا.لا تدعوا وجوهكم تخذلكم."
أومأت، ثم وضعت راحتي على الباب.
كانت يدي ترتجف، والبرد يتسلل من الخشب إلى عظامي.
حاولت أن أبدو قويًا، أن أنحت ملامحي بالحجر،
لكن الحجر انكسر سريعًا، ودموعي تصارعت عند مدمعي بصمتٍ أحرج السماء.
طرقت الباب بخفة، لم يُجب أحد.
طرقت ثانيةً، بعنفٍ يشبه نداءَ من يطلب المغفرة.
ومع المرة الثالثة، انفتح الباب ببطءٍ، كأن من خلفه تردّد أيضًا.
كان هو.
فتى في الخامسة عشرة ربما، بابتسامةٍ صافية كأنها لم تتعلّم الحزن بعد.
عينا مانسا في وجهٍ أصغر، زرقتهما نفس السماء، لكن فيهما نورٌ لم يختبر الغياب.
وشَعره الأشقر اللامع يذكّرني بالأخ الذي دفناه ولم يُدفن.
ما ميزه عن اخيه،هو ذلك النمش الذي التهم بشرته البيضاء
قال وهو يحدّق بنا بدهشةٍ بسيطة
"لا بد أنكم أصدقاء مانسا!"
تلعثمت الكلمات في فمي، ثم أجبت بابتسامةٍ مختنقة
"أجل… كيف عرفت؟"
رد بثقةٍ بريئةٍ تجرح القلب
"أخبرني قبل أيام أن أصدقاءه الحقيقيين سيأتون يومًا لزيارتنا.قال إنهم سيتبعون الطريق حتى يصلوا، مهما كان بعيدًا."
نظرت إليه سيرشا بعينٍ دامعةٍ حاولت إخفاءها بابتسامةٍ شاحبة
"نعتذر إن جئنا بلا موعد…"
فتح الباب أكثر وقال بحماسٍ أخويّ
"بل أنتم في بيتكم، تفضّلوا!"
دخلنا.
المنزل كان صغيرًا، متقشفًا، لكنه نظيف إلى حدٍّ موجع.
كأن أمه تنظفه كل صباحٍ لتقنع نفسها أن ابنها سيعود في أي لحظة.
لم يكن فيه أثاثٌ فاخر ولا لوحاتٌ معلقة،
بل صمتٌ دافئٌ يغطي كل شيء.
جلسنا على فرشةٍ صغيرةٍ في وسط الغرفة.
رياح المساء دخلت من النافذة، فحرّكت ستارةً قديمةً تفوح منها رائحة النعناع.
قال الفتى وهو يجلس أمامنا
"أنا ريان… لا أعلم إن أخبركم مانسا عني."
ضحكت أثينا بخفةٍ متكلفة
"اسمك لا يشبه اسمه."
قهقه بمرحٍ عفويّ، قال
"نحن من آباءٍ مختلفين! ولدت بعد وفاة والد مانسا،لكنه دائماً يقول إننا نتشابه بالشخصيات!."
تجمدت سيرشا في مكانها، همست
"هذا… فضيع، ومع ذلك… جميل بطريقةٍ ما."
غاب قليلًا ثم عاد يحمل صينيةً صغيرة عليها ثلاثة أكواب من الشاي.
قال وهو يضعها أمامنا باعتذارٍ مرتبك
"اعذروا بساطة الضيافة. هذا الشاي كان مكافأة عمل أخي مانسا.كان يرسلها لنا مع كل طردٍ يبعثه من المعسكر."
نظرتُ إلى الكوب بين يدي،
كان بخاره يصعد كروحٍ تبحث عن جسدها.
تذكرت يد مانسا وهي تقطف الأوراق ذاتها في صيفٍ لم يعد.
كاد صدري ينهار.
قالت أثينا وهي تحاول تلطيف الأجواء
"أنتم تتشابهون فعلاً، رغم اختلاف الآباء."
ضحك ريان وقال بفخرٍ صادقٍ لا يعرف الحذر بعد
"كلانا يشبه أمّي! لحظة واحدة… سأحضرها لتراكم!"
شهقتُ دون وعي، قلت بتوترٍ مرتجف
"لا! لا داعي، لا بد أنها متعبة!"
هز رأسه مبتسمًا
"كلا، يجب أن ترحب بالضيوف! ستفرح كثيرًا برؤيتكم!"
تجمدت الكلمات على لساني، التفتُّ إلى سيرشا التي كانت تمسك بيد أثينا بشدةٍ حتى ابيضّت مفاصلها.
همستُ بصوتٍ متقطعٍ كمن يبتلع سكينًا
"تبًا… تبًا…"
لقد جئنا نحمل لها السلام من ابنها، لكننا نحمل في قلوبنا موته.
نطرق بابًا لا لندخل بيتًا… بل لندخل جرحًا.
وضعت سيرشا كفها فوق يدي، ودفء راحتها كان كأنه يجرّني من حافة الانهيار.
نظرت في عيني، تلمّست رعشة أصابعي، ثم همست بصوتٍ خافتٍ كأنها تخاف أن تسمعها الرياح
"تلك أول كذبة سننطق بها… يجب أن تتماسك."
هززت رأسي ببطءٍ، وقلت وأنا أتنفس بعمقٍ كمن يغوص في صدره
"لا تقلقي… سأتماسك."
عاد ريان، ويداه تمسكان بذراع والدته العجوز.
امرأة نحيلة، كأن الريح قد مرت بها ونسيت أن تُعيد لها لحمها.
وجهها تجاعيدُه ليست مجرد علاماتِ عمر، بل خريطةُ وجعٍ نُقشت على مهل.
عيناها باهتتان كسماءٍ فقدت شمسها، وشعرها الأشقر اختلط بالبياض حتى غدا كرمادٍ بعد احتراق.
نهضتُ بتوترٍ، تقدّمتُ منها، أمسكتُ بكفها المرتجفة وقلتُ بخشوعٍ يشبه الاعتراف
"سيدتي… شرفٌ لي أن ألتقيك."
ابتسمت، ابتسامةً متعبةً لكنها صادقة، ثم قالت بصوتٍ مبحوحٍ يحمل نغمة حلمٍ بعيد
"هل أنت نوح؟"
تدخل ريان بدهشةٍ طفوليةٍ خفيفة
"بالكاد تذكّرين اسمي يا أمي! وتتذكرين شابًّا ذكره مانسا مرة واحدة فقط؟"
ضحكت بخفةٍ رقيقةٍ تشبه تنهيدةً أكثر من ضحكة، وقالت
"بُني، هو يتحدث عنه كثيرًا…"
تصلبتُ في مكاني.
ارتجفت شفتاي، وتجمّع الهواء في صدري كصخرةٍ تريد الخروج ولا تخرج.
تمتمت بهدوءٍ وارتباكٍ
"ما الذي… كان يقوله؟"
قالت بابتسامةٍ يغمرها الفخر
"كان يقول إنه وجد أخيرًا من يفهمه، من يشبهه في الصمت والصدق."
تدخّل ريان بضحكةٍ حائرةٍ بريئة
"وقال أيضًا إن نوح قدوتي! أريد أن أكون شجاعًا مثله!
اعذر أخي… إنه يتحدث كالأطفال أحيانًا رغم كِبر سنه."
ابتسمت، أو حاولت، لكن شفتيّ بالكاد تحركتا.
لم أدرِ أي وجهٍ أرسمه الآن
وجه الكاذب أم وجه الحيّ الذي يحمل موت صاحبه؟
خفضت بصري كي لا أرى عينيها، عيني المرأة التي ربّته، والتي تشبهه حدّ الألم.
قلت بصوتٍ متكسرٍ كأن الحروف تُسحب من قلبي
"سيدتي… مانسا هو أشجع رجلٍ عرفته في حياتي."
قهقه ريان مازحًا وهو يلوّح بيده
"مانسا؟! لا بد أنك تتحدث عن رجلٍ آخر!"
ثم أخذ بوالدته وجلس بها إلى جوار سيرشا.
ابتسمت العجوز وهي ترتّب طرف وشاحها وقالت بخجلٍ أموميٍّ دافئ
"أعتذر عن غياب ابني في مجيئكم، لا بد أنه منشغل في أعماله كالعادة."
التفتُّ نحوها، نحو المرأة التي تتحدث كأن ابنها حيٌّ في كل زاويةٍ من البيت.
شعرت أن وجهي يحترق من الداخل، وأن الدموع تزاحم أنفاسي.
نطقت بنبرةٍ مترددةٍ، تنكسر في آخرها كزجاجٍ تحت القدم
"سيدتي… مانسا قد… ذهب."
رفعت رأسها بدهشةٍ لطيفةٍ وقالت
"أين ذهب؟"
ابتلعت أنفاسي، أجبرت نفسي على ابتسامةٍ تشبه الخداع أكثر من الأمل، وقلت
"في رحلةِ عمل… قال إنه سيغيب طويلًا… طويلًا جدًا."
ابتسمت الأم، وهزّت رأسها بحنانٍ غافلٍ وهي تقول بعتابٍ يقطّع القلب
"ذلك المشاغب… ليته أخبرني بذلك بنفسه.متى سيتوب عن تصرفاته تلك؟"
حينها رأيتُ عيني ريان.
ذلك الفتى الأزرق العينين تجمّد مكانه،
رمقني بنظرةٍ واحدةٍ، عرفتُ أنه فهم —
لا من كلماتي، بل من وجهي الذي لم يعد قادرًا على حمل القناع.
اقترب بخطواتٍ بطيئةٍ، ثم همس، وصوته يخرج من حلقٍ مختنقٍ بالخوف
"… ما الذي تتحدث عنه؟"
لم أستطع الرد.
سحبته إلى صدري بعنفٍ، بعنفٍ يائسٍ يحاول أن يُخفي وجهي الذي بدأ ينهار بالبكاء.
همست في أذنه، بصوتٍ متقطعٍ كأن كل كلمة تُجرح وهي تخرج
"عند منامه… أخفى كل الأموال التي جمعها لكم…
ضحّى بنفسه لأجلنا…آسف يا ريان… أنا آسف بحق… آسف…"
كانت الكلمات تنهار كجدارٍ قديمٍ تهاوى من صدى نفسه،
وكانت دموعي تسقط عليه كغفرانٍ متأخرٍ لا أحد سيصدّقه.
نهضت سيرشا ببطء، كأن الأرض كانت تثقل خطاها، ثم مدت يديها نحونا وسحبتنا خارج العدم الذي كنا نغرق فيه. التفتت نحو والدة مانسا، وارتجف صوتها بين الحقيقة والكذب وهي تقول
"اعذري نوح يا سيدتي... لقد فقد عائلته بأكملها، والحزن يأكله بصمت."
ابتسمت المرأة بحنوٍ يشي بالجهل بما خلف الكلمات، وقالت برقةٍ موجعة
"يا مسكين... اعتبرنا عائلتك الثانية، أعلم أننا لن نعوض ما سُلب منك، لكن—"
قاطعتها الكلمات من فمي دون وعي
"أنا بخير... لا تقلقي. كنا فقط نريد أن نخبركم برحلة مانسا. يجب أن نرحل الآن."
خرجنا إلى العتبة، والهواء كان ثقيلاً كأنه يحمل نبوءة موت. لوّحت لنا بابتسامةٍ مكسورة، ثم أغلقت الباب بهدوءٍ يشبه وداع الأبد.
لكن الباب لم يكن آخر ما سمعناه—فقد انفتح من جديد، وخرج شقيق مانسا، كمن انتُزع من حلمٍ إلى كابوس، وصوته انكسر في الهواء
"ما الذي تقولونه؟! أخي لا يذهب في رحلات! لم يغادر هذا المعسكر يوماً! لا يمكن لمانسا أن يضحي بنفسه! أنتم تكذبون!!"
ارتجف جسده، واشتعلت عيناه كجمرٍ أُشعلته الخسارة. تقدمت نحوه بالكاد أتمالك نفسي وقلت بصوتٍ متكسر
"أقسم لك... لقد خطط لكل شيء وحده... لم يخبرنا حتى!"
أمسكني من ثيابي، عيونه تغلي بالدموع والغضب
"أين كنت؟! لماذا لم تمنعه؟! كيف مات؟ كيف سمحتم له؟!"
سقطت على ركبتي، وخرج صوتي متحشرجًا بالأنين الذي خنق صدري
"لم أستطع... لم أستطع..."
تقدمت سيرشا، ودموعها تلمع كأنها رماد مشتعل، وقالت بصوتٍ مبحوح
"تم إعدامه أمام الجميع... مات حرقاً..."
شهق شقيقه شهقةً اخترقت الصمت كطعنة، ثم ركل الأرض بعنفٍ كأنها هي من سرقته، وتناثر الغبار حوله كرماد أخيه.
صرخ
"اللعنة!!! اللعنة على هذا العالم!!!"
صرخت أنا من أعماقي، صوتي يتشقق في الهواء
"كان يجب أن أكون مكانه!! كان يجب أن أموت أنا!!!"
اقترب مني فجأة، وجثا أمامي، ثم سحبني إلى صدره في عناقٍ مفاجئ كأن الألم وحده يفهم الألم.
كانت دموعه تختلط بدموعي، وصوته يتهشم وهو يقول
"لا... لا تقل هذا. لا أحد يستحق تلك النهاية. مانسا لم يكن يستحقها... ذلك الرجل كان حياتي بأكملها... أخي، وسببي للبقاء."
أخذ نفسًا متقطعًا، ثم أمسك بكتفي بقوةٍ ورفع عينيه إليّ، وقال بمرارةٍ صافية
"ربما صارت حياتي بلا معنى بعده... لكن أمي تحتاج إلي. لا يمكن أن أدع تضحيته تضيع بموتي."
وقف بصعوبة، والدموع تسيل على وجهه كجروح مفتوحة، ثم همس بنبرةٍ تشبه القسم
"الخسارة لا تقتلنا، إنها تتركنا أحياء لنحمل وزن الغياب إلى الأبد."
كان وفيًّا في حضوره وغيابه، في كلماته وصمته، وفيًّا حتى حين اضطر إلى الخيانة، كمن يخون ليُنقذ، لا ليؤذي… ومات بصمتٍ نبيلٍ كي نحيا نحن، بذنبه الذي لم يكن ذنبًا.
مانسا....أتمنى ألا انساك للأبد...