الفصل 31
وليمة الغياب
رحل مانسا...
رحل كمن انطفأ النور بعده في صدورنا، ومنذ ذلك اليوم والعالم يمشي على مهل، ثقيل الخطى، كأنه يجر الحداد على كتفيه. مرّ أسبوع، لكن الزمن نفسه بدا وكأنه توقف في تلك اللحظة التي لفظ فيها أنفاسه الأخيرة.
في الصباح، كعادتنا، خرجنا نحرث الأرض الجديدة. لم يكن بيننا من يوجهنا بصوت دافئ كما كان يفعل مانسا. حلّ مكانه رجل غريب الملامح، غليظ الصوت، يحمل في يده سوطًا يلمع تحت الشمس. لا يرى فينا بشرًا، بل دوابًا يجب أن تستمر في الدوران. كان يصرخ، يضرب، يأمر دون أن يرمش، كأن الرحمة عيب لا يليق به.
كنت أعمل بلا وعي، ذهني غارق في الفراغ. لا أذكر متى بدأت أو إن كنا في صباحٍ أم مساء. كل ما فيّ كان يئن. قدماي ترتجفان، وصدري يلهث كمن يغوص في هواءٍ ثقيل. الجوع حفر في معدتي كحفّار قبور صبور.
ثم، فجأة، تهاوى جسدي. لم أعرف إن كنت أسقط في التراب أو في الظلام.
لكن شيئًا صلبًا أوقفني. ظننت أنه حجر، حتى سمعت صوتًا هامسًا هشًا كالطين يأتيني
"نوح، تماسك... سننتهي قريبًا. إن سقطت، سيجلدونك حتى الموت."
كانت سيرشا.
عينان عسليتان كالغيوم حين تطعنها خيوط الشمس، تتحدثان قبل فمها. رغم الهزال الذي نال منها، كانت واقفة، ثابتة، تشدني إلى الأرض كأنها جذع شجرة في وجه الريح.
انتهى العمل بمعجزة. كنت على وشك الانسحاب حين شعرت بيدها تمسك كتفي بخفة. التفتّ إليها، ووجدت في نظرتها تلك المعرفة القديمة بي، وكأنها كانت تسمع أفكاري وأنا أصمت. سارت بي خلف الإسطبل، هناك حيث لا يرانا أحد. أخرجت بعض فتات الطعام من كيسٍ صغير، وجلست بقربي.
قالت بنبرة منخفضة، تراقب الأفق
"أعلم أنك لم تأكل منذ أيام. أثينا تراقبك."
رفعت رأسي بتعب
"وأين هي أثينا؟"
"قالت إنها لا ترغب في رؤيتك بهذا الحال... وجهك يغيظها."
ابتسمت بمرارة
"يسعدني أنها صادقة."
نظرت إلى الأرض، إلى التراب الذي صار مأوى أفكارنا جميعًا. وفجأة، شعرت بقرصة حادة في أذني. انتفضت مصدومًا
"سيرشا! ماذا تفعلين؟!"
كانت الدموع قد ملأت عينيها، تلك الدموع التي لم أرها تهزمها من قبل. تجمدت مكاني، وكأنها صرخة لم تصدر بعد.
صرخت بذعر خافت
"لا... لا تبكي! لمَ تبكين؟!"
ارتجف صوتها وهي تقول
"لأنك تريد قتل نفسك... تريد أن تلحق بمانسا..."
شهقت، نفيت بعنف، قلبي يضرب ضلوعي كطبلٍ مذعور
"لا! ربما فكرت... لكني لا أريد الجحيم!"
أشارت إلى طبقي وهي ترتعش
"إذًا كُل... توقف عن قتل نفسك جوعًا."
اقتربت منها، أمسكت وجهها بين كفّي كأنني أتمسك بالحياة ذاتها، ونظرت في عينيها طويلاً.
"سأفعل... أعدك. فقط لا تبكي بسببي، سيرشا. لا أحتمل ذلك... أشعر بقلبي يعتصر كلما رأيت دموعك."
مسحتُ دموعها بإبهامي، ورأيت كيف استعادت أنفاسها ببطء. ثم اعتدلت، وأسندت ظهرها إلى الجدار الخشبي.
همست، وصوتها مبحوح كمن يروي لنفسه قصة نجاة
"أنا أيضًا حزينة على مانسا... وأثينا كذلك. لكننا لا نملك رفاهية الموت، نوح. إن انتهينا نحن، ماتت تضحيته معنا. يجب أن نهرب، حتى لو لم ينجُ سوانا الثلاثة."
كلماتها كانت كجمرة صغيرة تُعيد الدفء لقلبي المتجمد. عندها فقط، فهمت أن البقاء لم يكن جبنًا... بل مقاومة صامتة، اسمها الوفاء.
انتهينا من الطعام والهواء يترنّح بين رائحة الخبز البارد ودخان الشموع؛ المساء يمتدّ كسجّادٍ قاتم، يبتلع الألوان ببطء. سرنا في الممر الضيّق، والأرض تحت أقدامنا تحكي صدى خطواتٍ قديمة، حين لاحظت اثينا واقفة عند طرف الطريق، ذراعان متقاطعان فوق صدرها، تنظر وكأنها تحفظ لنا فسيفساء كلماتٍ لم تُنطق بعد.
همست بصوتٍ منخفض لكنه محمّل بحدّةٍ محترفة
"هل ستعود لطبيعتك أم تفضّل أن أعلمك درسًا لا تُنسى؟"
ابتسمت، ابتسامةٍ تخبئ حكمةً وتهكّمًا معًا
"هل ستصفعينني كحبيبك السابق؟"
ضحكت اثينا، ضحكةٌ قصيرةٍ كطعنة سكين في ورق
"كانت أفضل صفعةٍ وجهتها لِرجلٍ... وجمالها أنّ لا أحد ردّها."
نظرت سيرشا ببرودةٍ ساطعة، صوتها صقيل يقطع المسافات
"إلا إن كان سيدًا."
ارتعشت شفاه اثينا للحظة ثم لوت كلماتها بقدرٍ من الخضوع المصطنع
"نعم... سيد...."
تابعنا السير لكن قلبي بدأ يعزف لحنًا مختلفًا؛ لم تعد خطواتنا مجرد خطوات، بل إيقاعات تُوقِعنا في صفحةٍ قادمة من المصير. شعرت بقبضةٍ على معصمي، قاسية وكأنها خشبٌ مُغمس في بردٍ قديم، وأتى الصوت وهو يجرّ خلفه رائحة المطر قبل أن يهطل
"نوح... ستحلّق عاليًا."
كان ذلك الرجل الذي يلقبونه بنذير الكوارث، عيناه تهدران ظلالًا كأنهما تفتّشان عن نهاية. وجهه شاحب كأنه مات ألف مرة،قبضته على معصمي كانت أكثر من تحذير؛ كانت محاولة لاختطاف مستقبلٍ من جسدي.
تمتمت بلا وعي محاولةً مزج السخرية بالخوف
"أهذه مزحة أم لعلّها دعابة مقطوعة؟"
شحّ حاجباه كمن يفتح بابًا على رعبٍ قديم، ثم زاد شدّته وكأنّه يريد انتزاع المعصم من محله. ردّ بنبرةٍ مشحونة بالألم واليقين
"إياك... إياك أن تفعل."
لم يكن بإمكانه أن يتنبّأ بعاصفةٍ أخرى قادمة
تقدمت سيرشا فجأة، بعنفٍ لا يشبهها، دفعت الرجل بكل ما تحمله ذراتها من غضبٍ ووفاء، وصرخت بصوتٍ ملتهب
"كفى! كل ظهور لك يجلب لنا المصائب! أرجوك، سقف النبوءات هذا سينهار علينا بالبؤس إن أكملت!"
مددت يدي نحوها محاولًا تهدأتها، همست
"سيرشا... اهدئي."
العجوز ارتفع صوته كجرسٍ قديم
"أحذّركم! لا ترافقوّه! لا تجهدوا أنفسكم معه!"
أجابت سيرشا بلهيبٍ يتجاوز الخوف
"على جثّتي! سأمشي معه حتى آخر رمق!"
اقتربت اثينا، خطواتها كانت محكمة كقاضٍ لا يساوم، أمسكت بنا بلطفٍ بدا قاسياً، دفعتنا للخلف وكأنها تزيل شبحًا عن مشهدٍ لا يزال حيًا، ثم قالت بهدوءٍ جليدي
"ارحل، أيها العجوز، وخذ أحلامك السوداء معك."
سكن المكان لبرهة، لكن الريح همست كما لو أنها تضحك على صمتنا؛ وشعرتُ، بعمقٍ مزعج، أن كل كلمةٍ انطلقت الليلة ستُسطّر صفحةً من كتابٍ لم نكن نعلم أنه مكتوب أصلاً.
أشرقت شمس اليوم التالي، لكنها لم تكن شمس حياةٍ جديدة، بل شمسًا ثقيلة، تنزف من وهجها مرارة الأيام الماضية. الضوء سقط علينا كعبءٍ لا كدفء، كأنه تذكير بأن الزمن مستمر رغم أننا توقفنا منذ زمن.
كنا نعمل ببطءٍ متعب، كأن أجسادنا تنوء تحت وطأة أغلالٍ غير مرئية لكنها أشد إحكامًا من الحديد. أيّ تهاون، أيّ لحظة بطء، قد تُكلفنا الجلد أو الموت.
انحنيتُ بين الأشجار أجمع الثمار الطازجة واحدةً تلو الأخرى، أملأ كفيّ بما تساقط منها على الأرض، حتى شعرت بوجودٍ يقف إلى جواري. رفعت رأسي، فتجمدت للحظة حين التقت عيناي بوجهٍ أعرفه جيدًا.
كان الرجل الأصلع.
نفس الرجل الذي اتهمناه يومًا بأنه جاسوس.
حدّق إليّ بتوترٍ واضح، وعيناه تتحركان بحذر، كأنهما تستعدان لضربةٍ قادمة. بدا مقتنعًا أنني سأعيد ما فعلته سابقًا… أنني سأضربه مجددًا.
تنفست ببطء، ثم رسمت على وجهي ابتسامة متكلفة وقلت
"لا تقلق… لا أنوي ضربك."
عقد حاجبيه بتوجس، وقال بصوتٍ خافت
"لا أريد المشاكل يا نوح…"
توقف قليلًا، كأن الكلمات تثقل لسانه، ثم عاد ينظر إليّ، وهذه المرة كان في عينيه شيءٌ من الحزن.
"كنت أعلم أنه سيورّط نفسه… أخبرته أن يتراجع."
فهمت فورًا من يقصد.
مانسا.
تابعت جمع الثمار دون أن أرفع بصري إليه، وقلت ببرودٍ خفيف
"هو من دفعك لتمنعنا من الهرب… أليس كذلك؟"
ساد صمت قصير قبل أن يسأل بهدوء
"كيف عرفت؟"
مالت شفتي بابتسامةٍ جانبية، وقلت
"لأنك كنت ستفضح أمره… فضربك ليسكتك."
توقفت لحظة، ثم أضفت وأنا أتنهد
"ليتني استوعبت ذلك منذ البداية."
ضحك الرجل ضحكة خافتة، كأنها خرجت منه دون قصد، ثم قال
"لا بأس إن ضربني…"
ورفع كتفيه قليلًا قبل أن يُتم كلامه
"كان رجلًا صالحًا… أراد مصلحتنا."
حين حان وقت الطعام، اصطففنا كقطعٍ من ظلٍّ واحد، صفوفًا طويلة صامتة أمام رجالٍ يدّعون الطبخ، بينما لا يجيدون سوى خلط بقايا الطعام البالية حتى تُصبح عجينًا رماديّ اللون بلا طعمٍ ولا معنى.
كنت أقف خلف سيرشا وأثينا، وسمعت سيرشا تهمس بصوتٍ مبحوحٍ كأنها تخشى أن تُعاقب حتى على الجوع:
"أشعر بجوعٍ شديد... أظن أن وجباتنا ستقلّ حتى تختفي تمامًا."
أجبتها بهدوءٍ مشوبٍ بالعزم
"علينا أن نتحمل... فقط حتى نجد طريقًا للهرب."
أومأت برأسها موافقة، وفي عينيها ذلك الوميض الذي لا يذوي
ومضة النجاة.
لكنّ اللحظة انكسرت فجأة، حين تقدّم رجلان ضخمان، عريضان كجدارين من اللحم، ووقفا أمامي في الصف. لم يبدُ عليهما مظهر العبيد، بل كأنهما خرجا من طبقةٍ أخرى تمامًا.
عقدت حاجبيّ وقلت بحدةٍ مسموعة
"كنت أقف هنا قبلكما."
لم يردّا. تجاهلاني كما يُتجاهل كلبٌ هزيلٍ في الطريق. كأنني لا أُرى، كأن وجودي مجرد خطأٍ بصريٍّ في عالمٍ من القسوة.
غلى الدم في رأسي، وصرخت
"أنتم! ألا تسمعانني؟!"
مددت يدي، أمسكت بكتفيهما، لكن أحدهما دفعني بقسوةٍ جعلتني أرتطم بالأرض.
ركضت سيرشا نحوي بخوفٍ واضح
"نوح! هل تأذيت؟!"
رفعت رأسي، والأسنان تطحن الغضب طحنًا.
"أيها الأوغاد... ألستم عبيدًا مثلنا؟!"
لا إجابة.
فقط صمت ثقيل، كأنهم يخشون أن يلوثوا ألسنتهم بالكلام مع من هو دونهم.
كانت أثينا تراقب، عيناها جامدتان، وطبقها الفارغ بين يديها كرمزٍ لسكوتٍ أبديّ.
لم أحتمل.
نهضت من الأرض، جذبت الرجل من ذراعه، وصرخت بصوتٍ اخترق الساحة كلها
"لن أتحدث فيُتجاهل صوتي! أفهمت؟!"
تجمّد الهواء لحظة، كأن المكان نفسه استغرب أن أحدهم ما زال يملك شجاعة الصراخ.
اتسعت عينا أثينا بدهشةٍ صامتة، كأنها تشاهد شيئًا خارقًا، شيئًا لا يفعله بشر في هذا المكان.
صرخ الرجل في وجهي
"كيف تجرؤ على مخاطبتي بهذه الطريقة؟! أنا حارس في هذا المكا—"
قاطعته سيرشا، وفي عينيها نيران لم أرَها من قبل
"حارس؟ منذ متى والحراس يحملون الأحجار على ظهورهم؟ أنت حَمّال، لا أكثر. لا تتعالى علينا."
دفعته من صدره و انا اصرخ
"والآن، أعد لنا مكاننا."
ساد صمتٌ قصير، ثم أمسك الرجل الثاني أخاه من ثيابه، يجرّه وهو يتمتم بارتباك
"قلتُ لك إنها فكرة غبية منذ البداية."
كانا متشابهين، ربما توأمين، لكن أحدهما كان أجرأ من الآخر، بينما الثاني لم يكن سوى ظلٍّ مرتجفٍ منه.
وقفت أتنفس بقوة، والابتسامة تنفرج على وجهي. شيء في داخلي تحرر، صغيرٌ لكنه حقيقي.
تمتمت أثينا، وقد تلوّن وجهها بدهشةٍ خالصة
"هل... أنت مجنون؟"
نظرت إليها مستغربًا
"ماذا؟"
قهقهت سيرشا وهي تقول بخفةٍ تخفي الخوف
"إنه نوح، ما الغريب في الأمر؟"
الريح عبثت بخصلات شعرها القرمزية، وعيناها البنيتان أشرقتا بلمعانٍ يشبه الأمل... الأمل العنيد الذي لا يموت.
قالت أثينا، بصوتٍ أقرب إلى الهمس
"كيف جعلته يُصغي لك... بالعنف؟"
رفعت كتفيّ بلا اكتراث
"ليس أمرًا عظيمًا."
لكن نظرتها نحوي كانت نظرة إنسانٍ رأى فيّ شيئًا افتقده طويلًا... صوتًا لم يجرؤ على الخروج من صدره. وكأنها لم ترَ فيّ شخصًا، بل تذكّرت نفسها التي دفنتها منذ زمن بعيد.
الإنسان الذي يصرخ، فقط لأنه ما زال يؤمن أن صوته يستحق أن يُسمع.
جلسنا معًا بعد أن استلمنا وجبتنا الضئيلة، قطعة طعام بالكاد تُرى في قاع الصحن، لكنها كانت أثمن ما نحصل عليه في يومٍ طويلٍ من العناء. كنا نأكل بصمتٍ ثقيلٍ، يختلط فيه صوت المضغ بأنين المعدة الفارغة. أثينا جلست أمامنا تحدق في طعامها دون أن تلمسه، كأنها تفكر في أكله أو دفنه.
اقتربت منها سيرشا، بصوتٍ خافتٍ كنسمةٍ تخشى أن تُزعج أحدًا
"أثي... لِمَ لا تأكلين؟"
رفعت أثينا رأسها، وكأنها استيقظت من حلمٍ بعيد، وقالت بدهشةٍ كمن سمع اسمه لأول مرة منذ قرن
"أثي؟"
قهقهت سيرشا برقةٍ طفولية
"آسفة، ظننت أنك ستحبين هذا اللقب."
لكن الضحكة لم تدم.
انهمرت الدموع من عيني أثينا فجأة، كأن الاسم اخترق قلبها المتيبس. ارتبكت سيرشا وصرخت
"لا! أنا أمزح فقط! أثينا، لِمَ تبكين؟!"
مسحت أثينا دموعها بعنفٍ، كأنها تخجل منها، وقالت ببرودٍ مضطرب
"ليس هناك ما يستحق."
تدخلت بصوتٍ منخفضٍ لكنه حادّ
"هل هناك ما تُخفينه أيضًا... يا أثينا؟"
نظرت إليّ بحدةٍ وقالت
"اخرس، أنت لا تفهم."
تمتمت
"بل أفهم أكثر مما تظنين. أنتِ لا تتكلمين عن نفسك أبدًا. لا نعرف عنك شيئًا... سوى أنك كنتِ حرّة."
وضعت سيرشا يدها برفقٍ على كتف أثينا وقالت
"احكي لنا يا أثينا. سنستمع إليك."
نظرت إلينا مطولًا، كأنها تحاول تذكّر كيف يتحدث الإنسان حين لا يخاف. وضعت طعامها جانبًا، ثم ابتسمت بتوترٍ وسألت
"أهذا ضروري؟"
أجبنا معًا، دون أن نتفق
"بالطبع."
تنهدت، ثم أسندت رأسها على كتف سيرشا، وانبثق صوتها خافتًا لكنه صادق، كأنه يُروى من حفرةٍ عميقة داخلها.
"كنت أتمنى... فقط أن يصغي أحد إلي. كنت أعيش في بيتٍ تموت فيه الكلمات قبل أن تُقال. كلما حاولت أن أتكلم، كانت الجمل تلتف حول عنقي كحبلٍ من الخوف. كذبت كثيرًا... لأبدو بخير. كنتُ خطيئةً وُلدت عن طريق الخطأ، والدي لم يُردني. كان يضرب أمي أمامي، كل ليلة. وحين كنت أحاول إيقافه، لم يرَني. كنتُ شبحًا، لا وجود له إلا عندما يحتاجان خادمة إضافية."
توقفت لحظة، ثم نظرت في الفراغ وكأنها ترى بيتها القديم ينهار أمامها.
"أمي لم تحبني. كانت تنظر إليّ وكأنني السبب في عذابها. حين مرضت بالحمى المتقطعة، أقسمت أن أنقذها. بحثت عن علاج، حتى وجدت رجلًا يصنع الأدوية في قريتنا. طلب أن أعمل لأيام مقابل الدواء... فعملت حتى تمزق جلدي. كسرت ذراعي وأنا أحمل الحطب، لكنني أكملت. حين أحضرت لها الدواء، رفضت النظر إلي. توسلتها أن تشربه... لكنها ضربتني وسكبته أرضًا."
ابتسمت ابتسامةً منهكة، وقالت بصوتٍ مكسور
"ومع الدواء، سال كل جهدي. ماتت أمي بعدها، ووالدي تخلّى عني. بقيت وحيدة، أتشبث بكل من يمرّ في حياتي... وأُخذل في النهاية."
نظرت إليّ مباشرةً، وعيناها كانتا تلمعان بصدقٍ جارح
"حين رأيتك تصرخ اليوم وتُجبر الآخرين على الإصغاء، شعرت بالضعف. شعرت أنني لم أتغير... أنني ما زلت تلك الجبانة التي تترك العالم يدوسها ثم تبكي في الظل."
ساد الصمت.
كانت كلماتها كجمرٍ وُضع على الطاولة بيننا.
ضحكت فجأة، بخفةٍ مرتبكة
"أظنني بالغتُ في الأمر. لست مأساوية كما أبدو. أنا فقط... حزينة قليلًا هذه الأيام. وبكيت لأن سيرشا نادتني ‘أثي’... هكذا كان يناديني حبيبي السابق. اللعين الذي لا أزال أكرهه... وأحن إليه."
خفضت رأسها ثم تمتمت بخجل
"آسفة لإضاعة وقتكما بتفاهاتي."
وضعت سيرشا يدها على يدها وقالت بهدوءٍ حنون
"هذه ليست تفاهات. أنتِ أكثر من صديقة، أنتِ أختي الوحيدة. كل النساء في حياتي رحلن... إلا أنتِ، وأندروميدا."
رفعت حاجبيها بدهشة
"ومن تكون هذه؟"
أجبتها انا عوضًا عن سيرشا
"سيدة القصر الذي عملنا فيه."
ترددت في كلامي،فهمست لسيرشا
قلت مستغربًا
"كانت سيدة؟"
هزّت رأسها قائلة
"كانت محظيّة."
تمتمتُ باشمئزازٍ خافت
"يا للعار..."
ثم رفعت عينيها نحو السماء، تفكر بالاسم، وملامحها تطرّزها لمحة غريبة من الحنين
"اسمها مألوف... أظنها من اليونان مثلي... أندروميدا."
سألتها متعجبًا
"وما معنى ذلك الاسم؟"
صمتت قليلًا، وكأنها تستعيد الأسطورة من رماد ذاكرتها، ثم قالت بصوتٍ غارقٍ بالشجن
"يعني... المرأة الحبيسة."