الفصل 32
ظل الربيع
كانت شمس الربيع قد تسللت ببطء إلى الساحة الترابية، ناثرةً دفئها الخادع على صفوف العبيد المتراصة كأشجار مقطوعة الجذور. الهواء كان يضجّ بأوامر السادة، بأصواتهم التي تُشبه نعيق الغربان حين تعثر على جثة لم تبرد بعد. كان اليوم مختلفًا، إذ اجتمع الكل كأنهم ينتظرون حكماً لا خلاص منه.
وقفنا هناك، أجسادنا متعبة، وعيوننا معلّقة برجل أعرفه أكثر مما أريد أن أعترف
السيد كريستوفر، رئيس الخدم ذو العينين الحادتين اللتين لا تكشفان شيئًا. كان يعمل في القصر قديماً، يعرف وجوهنا، ووجوهنا تعرف قسوته. قال بصوته الجاف كصفعة على حجر
"جئت بنفسي لأختار من سيخدم في القصر. أريد عبيدًا أثق بهم."
تململت أثينا بجانبي، تمسّك بثوبها القذر، وهمست وهي تكتم ارتجافها
"آمل ألا يختاروني..."
لكن سيرشا قطعتها، وعيناها تشعان بالقلق
"عن ماذا تتحدثان؟ أريدكما معي، لا تتركوني وحدي."
لم تكد تُنهي جملتها حتى اخترق صوته الحشد كالسيف
"قبل أن أبدأ... هل بينكم عبدة تُدعى سيرشا؟"
سقط الاسم في المكان كحجرٍ في بئرٍ ساكن. ساد صمتٌ ثقيل. حتى الطيور توقفت عن الطيران. رأيت وجه سيرشا يشحب، كأن دمها انتحر في عروقها. تقدّمت بخطوات مترددة وقالت بصوتٍ واهن
"أنا... أنا هي يا سيدي."
أومأ ببطء، وابتسامة باهتة انزلقت على وجهه
"طلبتك السيدة ميدا شخصيًا."
كنت أعرف من يقصد.
أندروميدا. الاسم وحده كان كافياً ليوقظ في صدري شيئًا غامضًا، مزيجًا من الفضول والتمرد.
بدأ كريستوفر بالتجوّل بين الصفوف، يختار وجوهًا لا تعني له سوى أدوات. لم أشعر بنفسي حين اندفعت للأمام. يد أثينا أمسكت بثيابي بقوة، وقالت وهي تلهث
"إلى أين تذهب أيها الأحمق؟!"
أجبتها بانفعالٍ صادق
"أريده أن يختارني!"
وقفت أمام كريستوفر، في مواجهة مباشرة معه. نظر إليّ ببرود وقال
"أنت مجددًا..."
رفعت صوتي، أقطع صمته المتعالي
" كريستوف! خذني معك، أرجوك!"
لكن ما إن خرجت الكلمة من فمي حتى هجم أحد السادة من الخلف. قبض على شعري بعنفٍ، وسحبني أرضًا كما يُسحب الكلب الضال. صرخ محتدًا
" كريستوف؟! أين احترامك له؟ أتراك طمعت في حياة القصور يا عبد؟!"
شعرت بالطين يلتصق بوجهي، برائحته المرة تمتزج بإهانتي. رفعت بصري بصعوبة، نظرت إلى كريستوفر، ثم إلى سيرشا التي كانت تراقبني بعينين يملؤهما الخوف. همست باسمي بخفوتٍ مرتعش
"نوح..."
ثم استجمعت شجاعتها، والتفتت نحو السيد قائلةً برجاءٍ يائس
"أرجوك يا سيدي... أريده معي."
تنهّد كريستوفر، كمن أرهقته الشفقة، وقال ببرودٍ متعمد:
"دعوه. سأخذه أيضًا."
رفعت رأسي ببطء، وابتسمت،لا لأنني نجوت، بل لأن شيئًا في داخلي تذكّر أني ما زلت حيًا.
أفلتني السيد بعنفٍ وهو يتمتم بالغيظ
"ذلك اللعين لا يستحق أن يرافقها... إنه سليط اللسان!"
ابتسم كريستوفر بخفةٍ ساخرة وقال
"أعلم. ويخطئ بالأسماء كثيرًا... لكنه مميز."
وقفت بجانب سيرشا، مرفوع الرأس، أتنفس الطين كأنه هواء انتصار. نظرت في وجه السيد الذي أهانني، فخفض نظره وابتعد.
كنت ما أزال أشعر بألم في فروة رأسي، لكني ابتسمت تلك الابتسامة الصغيرة التي لا تحمل شكرًا، بل وعدًا.
انتهى الاختيار، وكم كان وقع النتيجة قاسيًا عليها؛ فالحظ العاثر أدار ظهره لأثينا.
بدأنا نجمع ما تبقّى لنا، رغم أننا لا نملك في الحقيقة شيئًا يستحق الجمع. أسبوعان فقط، هذا ما قيل لنا، ثم نعود... أو هكذا توهّمنا.
كانت أثينا تقف عند الباب، كتفها متكئ عليه، تنظر إلينا بنظرةٍ فيها خليط من الخذلان واللامبالاة، كأنها تراقب مشهدًا اعتادت تكراره حتى فقد معناه.
اقتربت منها سيرشا بخطوات مترددة، وقالت بصوتٍ مرتجف
"حين نعود، سنهرب بلا شك، يا أثينا."
ضحكت أثينا ضحكة قصيرة، ساخرة، تكاد تخفي ارتجافًا في داخلها
"آخر مرة وعدتموني بالهروب... مات مانسا. ربما حان دوري الآن."
هزّت سيرشا رأسها بعنف، تمسّكت بيديها كمن يتشبث بالحياة ذاتها، وقالت
"لا، لن أسمح بموتك! لماذا تفكرين بالموت أصلًا؟"
اقتربت منها أكثر، واحتضنتها بقوة كأنها تحاول أن تحميها من العالم بأكمله، همست بصوتٍ مكسور
"ارجوك، ابقي معي... أنتِ صديقتي الوحيدة في هذا الخراب."
حينها، لمعت عينا أثينا بدموعٍ تأبى السقوط، دفنت وجهها في كتف سيرشا وتمتمت بصوتٍ خافتٍ يكاد يختفي بين أنفاسها
"سأفعل..."
كنت أراقبهما بصمتٍ لم يخلُ من ضيق. تقدّمت نحوهما وقلت محاولًا أن أخفف وطأة الموقف
"هيا، لا داعي لكل هذه المبالغة."
رفعت أثينا رأسها نحوي بحدة، نظرت إليّ بازدراء وقالت بنبرةٍ لاذعة
"أتحرمني حتى من وداعها يا عريض الحاجبين؟"
عقدت حاجبيّ –كما لو كنت أؤكد لها اللقب– وتمتمت غاضبًا
"اللعنة على هذا اللقب."
بعد دقائق قليلة، لحقت بي سيرشا، وسرنا نحو القافلة التي تستعد للرحيل. كانت أصوات الأوامر والخيول تختلط بغبار الطريق، بينما بقيت أثينا واقفة في مكانها، تودّعنا بصمتٍ ثقيل، ولوّحت لنا بيدٍ مرتجفة.
في عينيها لم يكن الحزن فحسب، بل نظرة من عرف طعم الوحدة قبل أن تودّعه آخر الوجوه التي أحبها.
حين اعتلت أقدامنا العربات، بدأ العجلات بالدوران على مهل، كأنها تجرّ معنا ما تبقّى من أرواحنا. الغبار تعلّق بالهواء، والوجوه غابت خلفه شيئًا فشيئًا، حتى لم يعد في الأفق سوى خطٍّ رمادي يبتلع الذاكرة.
كان الطريق يقودنا إلى مكانٍ لا يشبه الحقول ولا الساحات، بل إلى صمتٍ مكسوّ بالرخام، تلمع جدرانه كما لو أرادت أن تعكس النور وتخفي ما تحته من قسوةٍ باردة.
هناك، حيث تتزيّن الحجارة لتستر القهر، ويُدار الظلم لا في الساحات بل خلف الأبواب الثقيلة، بين السيد وخادمه...
القصر.