الفصل 37
اخيرا،تكلم الطين!
كان كريستوفر يتحدّث مع السيد بنبرة ثابتة، بملامح لا تتحرك، كأنهما يناقشان شراء حصان مريض أو صندوق تفاح فاسد. لم يلفظ اسم سيرشا كاسمٍ لإنسان، بل كتعريف لشيء قابل للنقل. شيء قابل للدفع به من يدٍ لأخرى.
السيد، بعينيه الباردتين، لم يحتج أكثر من رؤية لمعان الذهب. مجرد نظرة واحدة. بعدها رفع يده ليفتح له الطريق.
كأن حياة فتاة كاملة اختُزلت إلى حركة إصبع.
في الإسطبل… كان الهواء أكثر ثقلًا من التراب. رائحة القش والغبار اختلطت بارتجاف الأصوات المكتومة.
سيرشا… تلك التي كانت دائمًا تحاول أن تبدو أقوى مما هي عليه… كانت تقف بين العبيد الآخرين، بينهم وجوه أنهكتها الحياة، لكنها أحبّتهم رغم ذلك. كانت تلمس أكتافهم، تمسح رؤوس صغارهم، كأنها تودّع صفحات من كتاب حُرق نصفه وبقي نصفه الآخر ليتعفن في الضوء.
حين وصلت إلى أثينا، تلاشى كل شيء.
أثينا لم تصرخ… لم تضرب الأرض… لم تحتج. فقط سقطت بين ذراعي سيرشا وانفجرت ببكاءٍ لم يسمعه أحد منذ زمن. بكاء كأن قلبها انشقّ.
أما سيرشا… فكانت الدموع تعيش تحت جفنيها مثل سجينٍ لا يُسمح له بالنظر من النافذة. عيناها تلمعان، لكنهما ثابتتان. وكأنها تدرك أن انهيارها سيجعل العالم أسرع في التهامها.
وحين التفتت نحوي....
لن أنسى تلك اللحظة.
كانت نظرتها مثل امرأة تُسحب من عتبة بيتها، لكنها تريد أن تحفظ آخر وجه تراه.
ابتسمت. ابتسامة منكفئة، مختنقة، كأنها تحاول أن تحمي قلبي لا قلبها.
قالت اسمي…
"نوح…"
وسقط قلبي معها.
اقتربت. وضعت يدها على خدي، أصابعها مرتعشة لكنها ثابتة. همست وكأن الكلام يؤلمها
"عينك ضاعت بسببي… وجسدك جُرح… بسببي."
كان شيئًا في داخلي يريد أن ينهار.
قلتُ
"لا… هذا لا يعني شيئًا. لا يساوي شيئًا أمامك."
قالت
"آسفة"
وكأنها تحاول أن تعتذر عن زلزالٍ دمّر مدينة.
حين أمسكتُ بمعصمها، كنتُ أتشبث بها كما لو أن العالم كله ينوي ابتلاعها.
"سيرشا… تعالي. نغادر الآن."
اتسعت عيناها. الخوف الحقيقي… ذلك الخوف الذي يحاول الإنسان أن يخفيه خلف طبقات الصبر… ظهر فجأة.
"نغادر؟ إلى أين؟"
قلت كمن ينهار
"نهرب! نهرب أنا وأنت!"
شهقت. كان الصوت ضعيفًا، هشًا، كأن رئتيها ترفضان الهواء.
وقبل أن تكمل جملتها، ظهرت أثينا من خلفنا بصوت مبحوح
"سيرشا…! خططنا كل شيء. اذهبي معه الآن. عودي إلي لاحقًا… المهم أن تنقذي نفسك."
هززت رأسي وأضفت
"هذا وقتكِ. الآن، وإلّا لن تكون هناك فرصة أخرى… لا تستسلمي."
لكن…
سيرشا نزعت يدها من يدي بعنف غريب. كأن اللمسة نفسها تحرقها.
استدارت قليلًا، وصوتها حين خرج كان مثل باب خشبي قديم يُفتح بعد سنوات من الصمت
"نوح… لا يمكنني الهرب."
شعرت كأن أحدهم طعن صدري.
همست
"هل فقدتِ عقلِك…؟"
هزت رأسها ببطء، بشيء يشبه الرضا بالموت
"لا أريد أن أضعك في مزيد من الخطر. ما يحدث… هو ما استحقه. سذاجتي هي السبب. أنا وثقت بأندروميدا… وهذا ما جلبته علينا. لو لم أثق بها… لما حدث شيء. لما فقدت عينك و تأذيت!"
الغضب اشتعل في صدري مثل نار بلا دخان.
صرخت
"طيبتك ليست جريمة! عيني ليست ثمينة! الشيء الوحيد الثمين أمامي… هو أنتِ! أنتِ، سيرشا! إن ذهبتِ الآن… لن يبقى لي شيء لأعيش له!"
التفتت إلي. صرخت بوجهي
"ما الذي تقوله؟!"
ثم رأت ملامحي.
رأت الدموع التي كنت أقاومها منذ أيام.
رأتني عاريًا من كل الدفاعات.
فسكتت.
كان صمتها أشدّ من صراخها.
قلت بصوت متكسّر
"لا تدفعيني لأتوسل… للمرة الأخيرة فقط… اسمعيني."
شيء ما انكسر داخلها. رأيته في كتفيها حين سقطا. في شفتيها حين ارتجفتا.
ثم ارتمت عليّ… بكل ثقلها… بكل خوفها… بكل سنوات القهر التي كانت تخاف أن تبوح بها.
احتضنتها كما يحتضن الغريق الخشبة الأخيرة في البحر.
كنت أشعر بنبضها على صدري، سريعًا… مذعورًا… حيًا.
وأردت أن ألعن العالم كله لأنه يحاول سرقتها.
همست في أذنها، بصوت هادئ، لكنه نابع من أعمق حفرة في روحي
"أحبك… أحبك"
ارتجفت بين يدي، ثم قالت بصوت مكسور
"كريستوفر خلف الباب… سمع كل شيء."
ضغطت عليها أكثر، وكأنني أخشى أن تختفي
"لهذا رفضتِ؟"
أومأت… مثل اعتراف صغير وسط عاصفة.
همست
"هناك خطة أخرى… أصعب… لكنها ممكنة. فقط… اصمد. اصمد حتى أصل إليك. أعدك… سأصل. مهما فعلوا، مهما كلّف الأمر."
كان وعدها أشبه بوميض ضوءٍ داخل منجم مظلم—وكنت مستعدًا أن أحفر العالم كله لأصل إليه.
كانت خطوات كريستوفر ثابتة وهو يأخذها بعيدًا، وكنت أراقبه يحكم قبضته على ذراعها بينما تصعد إلى العربة. لحظتها، رأيت عينيها… ممتلئتين بقلقٍ يشبه الغرق، تتشبثان بي كأن نظرتها الأخيرة محاولة صامتة للبقاء هنا، معي. شعرت بانقباض حاد بين حاجبيّ؛ لم أحاول إخفاء عزيمتي، ولا الغضب الذي كان يلمع تحتها.
تحرّكت العربة، انزلقت ببطء ثم ابتعدت، حتى لم يعد منها سوى ظلّ يتلاشى بين ضباب الطريق. سُمِع صوت الباب وهو يُغلق بإحكام، كأنهم أغلقوا خلفها آخر بصيص أمان. في تلك اللحظة، تشكّل القرار في داخلي كجمرٍ أحميه براحة يدي
ننتظر الليل… ثم نبدأ الخطة الثانية.
قد تبدو الأمور بسيطة على الورق، لكنها لم تكن كذلك. منذ البداية وضعت خطتين: الأولى كانت أن نهرب قبل وصول كريستوفر إلى المعسكر. خطة نظيفة، سريعة، وآمنة
لكنّها انهارت لحظة اكتشفت وجوده أمام باب الإسطبل، واقفًا كحاجزٍ لا يمكن تجاوزه. سيرشا رفضت التنفيذ فورًا… وكانت محقّة. كنا سنُمسك قبل أن نخطو خطوة واحدة.
بقيت الخطة الثانية. الخطة الأكثر تهورًا… والأكثر احتمالًا للنجاح، الغريبة في تناقضها.
عند بزوغ القمر، ستتولى أثينا فتح الباب الخشبي بالقوة التي خبأتها طويلًا، القوة التي لم يستخدمها أحد لحمايتها من قبل. عندها، أجد حصانًا، أي حصان.. أسحبه من تحت أنف أحد الحراس وأركبه. أعرف الطريق، وأعرف كم سيستغرق. سأصل إلى القصر متأخرًا نصف يوم عنهم. نصف يوم… لكنه كافٍ.
جوستاف سيكون هناك. كان اتفاقنا واضحًا: إذا رأى سيرشا تعود وحدها إلى القصر، فهذا يعني أننا انتقلنا إلى المرحلة الثانية. سيقف مع الحرس كما يفعل كل يوم، لكن ما إن تلمحه عيناي من بعيد ويعرف أنني وصلت… سيهجم. سيطيح بهم بلا تردد، ليُخلّي لي الطريق.
عندها… أدخل. أقتحم غرفة الدوق، أمسك بيد سيرشا، ونخرج معًا. نهرب قبل أن يستفيق أحد من الصدمة.
قد تبدو هذه الخطة متهورة لدرجة تجعل أي رجل سويّ يعيد التفكير ألف مرة… لكنها كانت وعدًا. وعدًا قطعته لها، وتعهدًا لن أتراجع عنه: سأعيدها. حتى لو اضطررت إلى اقتلاعها من بين أيدي ذلك الوحش بنفسّي.
كانت سيرشا، تلك التي اعتادت أن تحمل الألم بصمتٍ ثقيل، قد سبقت الجميع إلى القصر. دخلت بخطوات خافتة، ورأسها منحنٍ كأن الأرض وحدها تستحق نظراتها. لم تجرؤ على رفع عينيها نحو أي مخلوق. من بعيد، التقطها جوستاف بعينه الخبيرة، وتسرّب إليه الفهم القاسي… الخطة الأولى سقطت. لقد وصلت وحدها، وهذا يعني أن الزمن بدأ يضيق من حولي.
في الداخل، تمددت رائحة الصابون والزيوت العطرية في الممرات، تستقبلها خادماتها — أو من يُفترض بهن خدمتها — لكن لا أثر لابتسامة على وجوههن، ولا ملامح ارتياح على ملامحها. لم تكن تنتظر منهن شيئًا أصلًا… سوى الخوف. خوفٌ يشبه خوفها. كان التعامل معها أشبه بمحاولة محوها، صقلها لتصبح شيئًا آخر، قطعة مُصقولة تُقدَّم للدوق كما تقدَّم المجوهرات النادرة. كانوا يجردونها من كل ما يشبهها، كما تفعل العبودية دومًا، بلا رحمة وبلا تردد. عندها فقط بدأت كلمات اندروميدا تستعيد معناها القاسي… ربما كانت محقة، ربما الذهب أقدر على ابتلاع روح الإنسان من السلاسل نفسها.
أسدلوا مجوهرات لامعة بين خصلات شعرها، ليبدو شعرها وكأنه يتنفس الضوء. مرّروا الكحل على عينيها بحذر، يرتّبون رموشها الكثيفة كأن عينيها ملكية مشتركة. ألبسوها ثوبًا لا يمكن وصفه إلا بأنه ناعم لدرجة تتحدى الهواء… قطعة ساحرة، لكنها قصيرة، كاشفة، لا تُظهر شيئًا إلا هشاشة جسدها النحيل الذي بدأ يذبل تحت الضغط.و يغطي هذا الثوب رداء طويل ناعم يسترها حتى غرفة الدوق
إحدى الخادمات كانت ترفع شعر سيرشا المموج برفق، تتظاهر بالاهتمام وهي تهمس بنبرة لا تخلو من التحذير
"سيدتي… من الأفضل أن تفعلي كل ما يطلبه الدوق. إنه… حساس. لا يحب الرفض. وإن رفضتِ…"
لم تُنهِ جملتها. لم يحتج الأمر.
سيرشا ابتسمت، ابتسامة خالية من الحياة، كأنها تضع اليأس على ملامحها كما يضعون المجوهرات في شعرها.
"سيقتلني؟"
ردّت الخادمة بعد لحظة صمت ثقيل
"على الأغلب…"
تحركت أصابع سيرشا المضطربة، تشابكت ببعضها كمن يحتمي من شيء لا يرى شكله، وتمتمت بصوتٍ ضعيف لكنه ثابت بطريقة غريبة
"لا بأس… كل شيء سيكون بخير…"
كانت تكذب على نفسها، تكذب لأنها لم تعد تملك سلاحًا آخر. تحاول تهدئة قلبٍ يرتجف، وتعلم أن لا شيء — لا شيء إطلاقًا — يسير على ما يرام. ومع ذلك… كانت تحاول، كعادتها، أن تبقى واقفة أمام العاصفة، حتى لو اقتلعتها بعد لحظات.
كانت سيرشا قد دخلت غرفة الدوق عند الغروب، والضوء البرتقالي الخارج من النافذة يُلقي على جسدها ظلالًا متقطّعة، كأنها مرسومة من شقوق الزمن نفسه. دخلت بخطوات محسوبة، لأنها تعرف ما ينتظرها الدردشة أولًا… ساعات من التظاهر والانسجام القسري، حتى يطمئن لها، ثم تبدأ فصول أفكاره القذرة.
كان الدوق جالسًا برداءٍ سميك يحيط به كقوقعة، يصدّ برد الشتاء ولا يصدّ قبح ما يدور في رأسه. رفع وجهه إليها بملامح بلا روح، وقال ببرودٍ يشبه حدّ السكين
"اخلعي هذا الرداء الطويل، لا أحد هنا غيري."
ضيّقت سيرشا عينيها قليلًا، لكن لم تخرج منها كلمة. خلعت الرداء و وضعته جانبًا. للحظة، بدا الدوق مصدومًا وهو يتأمل جسدها النحيل، المكسو بجراح وحروق رسمت عليها تاريخًا لم يسأل أحد عنه.
تمتم لنفسه بضيق واضح
"ما الذي كنتُ أتوقعه حين اخترتُ عبدة…؟"
لم تتحرك من مكانها، بقيت واقفة كأن الأرض تشدّها نحوها. تنحنح الدوق وقال ببرودٍ هادئ يخفي ضجره
"ما خطبك؟ تقفين عند نهاية الغرفة؟ لا تشعريني وكأنني سأغتالكِ. تعالي واجلسي بجانبي، يجب أن أعرف عنك بعض الأشياء على الأقل."
تقدمت سيرشا بارتباك، كان جسدها كله يرتجف كغصنٍ يابسه في ريحٍ باردة. جلست على حافة السرير، بعيدة عنه قدر ما يسمح به المكان. ابتسم هو ابتسامة فارغة وسأل بسذاجة بلهاء
"ما اسمك من جديد؟ لا أذكره فعلًا…"
أجابت بخفوت
"س… سيرشا."
عقد حاجبيه بانزعاجٍ متعالٍ
"ما هذا الاسم؟ أ يعني شيئًا؟ يبدو كمعركة بين الحروف. سأناديكِ ساريا… إنه أنثوي أكثر."
لوّح بيده كأنه يبعد شيئًا غير مرئي، ثم قال
"وكم عمرك؟ تبدين كالمراهقات بهذا الجسد."
همست بصوت لا يكاد يُسمع
"سبعة وعشرون عامًا."
قهقه فجأة، ضحكة حادة كسرت هواء الغرفة
"سبعة وعشرون؟! هذا كثير يا فتاة! أنتِ عجوز بالفعل! ألم تتزوجي حتى الآن؟"
لم ترفع عينيها. قالت ببطء
"لا… لم أمتلك وقتًا للزواج."
تمتم بسخرية تافهة
"وهل يحتاج الزواج وقتًا؟ المرأة تتزوج متى تشاء إن رغبت. ربما أنتِ من النوع المتلاعب… الذي لا يريد الارتباط برجل واحد."
اقترب منها، أمسك كفّها الباردة كأنها شيء يُفحص
"لكن كل هذا انتهى. الآن… لا رجل سواي."
رفعت سيرشا عينيها أخيرًا، وفي صوتها خوفٌ يختلط بارتباك
"أت… تنوي الزواج بي؟"
انفجرت ضحكة منه، ضحكة على شكل صفعة.
"بحقك؟ من يتزوج امرأة كانت عبدة؟ أنتِ محظيتي فقط."
ارتجفت شفتاها وهي تهمس
"لكنك… ترغب بولد."
"نعم، ولدٌ تربيه زوجتي النبيلة التي سأختارها. لا أريد إفساد جسدها بالحمل. أنا رجل عطوف بالنهاية."
نهضت سيرشا بتوترٍ يشبه ارتعاشة قلبٍ على وشك السقوط، فالتقط صوته الهادئ ذلك الارتباك، وقال بلا مبالاة قاتلة
"صبي لي بعض النبيذ… الحديث معكِ مسلٍّ."
لم تستطع السيطرة على رجفة يديها. التقطت زجاجة النبيذ الثقيلة، ووضعت الكأس أمامه كما لو أنها تقدّم قربانًا لشيطانٍ يعيش في جسد رجل. بدأت تصب ببطء، بحذرٍ صامت، بينما عيناها تهربان من وجهه.
لكنه أمسك الكأس وشربه دفعة واحدة، بعنفٍ فظّ لا يمتُّ للذوق بصلة، ثم ضحك بصوتٍ أجوف
"أنتِ… كم رجلًا أقمتِ معه علاقة بما أنكِ كبيرة في السن؟"
اتسعت عيناها في صدمة، وخرج صوتها خافتًا كأنها تخشى أن يتكسر في الهواء
"سيدي… لن أقوم بشيءٍ كهذا."
ضحك بصخبٍ ملأ الغرفة، ضحكته كانت كصفعة تُهين نفسها بنفسها
"لا داعي للكذب يا ساريا! سنكتشف ذلك بعد قليل على أي حال! أخبريني، فأنا سيدكِ هنا!"
أمسكت الزجاجة بين كفيها المرتعشتين، كان الزجاج باردًا، بينما يداها تشعران وكأنهما على صفيح نار. تمتمت بصوت يكاد يتلاشى
"أخبرتك… أنني لم أفعل ذلك من قبل."
أمال رأسه بكسلٍ مثير للاشمئزاز وسأل
"وماذا عن الحارس الذي اعترض؟ بدا متهَيّمًا بكِ… مستعدًا للموت كي لا تدخلي هذه الغرفة اليوم."
عضّت سيرشا على شفتها حتى سال طعم الدم في فمها، وقالت بصوت مكسور لكنه صادق:
"نوح… رجل طاهر."
رفع حاجبه مستنكرًا
"اسمه نوح إذًا؟ لا أرى أي طهارة في ذلك العبد."
ثم حرّك كأسه نحوها بلا مبالاة، كأنه يأمر كلبة بالاقتراب
"صبي لي كأسًا آخر… يا ثريا، ساريا… أيًا يكن."
اقتربت، والزجاجة بين يديها أثقل من أي حملٍ في حياتها. رفعت نظرها إليه، لثانيةٍ واحدة فقط، ورأت في عينيه كل شيء… كل خوفها، كل إذلالها، كل حياتها التي نهبها الزمن والرجال. ضاق صدرها… واتسعت عيناها… ثم ظهر ذلك الوميض الخافت، الوميض الذي يولد قبل الانفجار.
همست بصوتٍ منخفض، لكنه يحمل بين طبقاته بداية عاصفة
"اسمي… هو سيرشا…"
عقد حاجبيه وقال بضجر
"أ يهم هذا؟"
هزّت رأسها، ثم ثبّتت قدميها كأنها تقف على أرضٍ تخصّها
"اسمي هو سيرشا… أمي لم تسمّني بهذا الاسم عبثًا!"
قهقه بسخرية حادة
"حقًا؟ وماذا يعني هذا الاسم؟"
رفعت رأسها فجأة، وتوهّج صوتها من الداخل
"أنا… حرة."
تجمّدت ملامحه، كأن الكلمة أصابت جزءًا لم يعرف أنه موجود.
"ماذا دهاكِ فجأة؟ أ ترفضين اسمًا أسميتكِ إياه؟"
لكنها لم تعد ذلك الطيف الذي دخل الغرفة قبل دقائق. اشتعل صدرها، وصرخت بصوت خرج من عمقٍ لم يمسّه إنسانٌ منذ ولادتها
"اسمي هو سيرشا!!!
ولدتُ حرة من رحم امرأة حرة!!
لن تُسكتني يا هذا!!!"
اتسعت عيناه غضبًا، ونهض بسرعةٍ مفاجئة. تقدم نحوها بخطوات ثقيلة، خطوات رجلٍ يظن أنه يملك الكون. تراجعت سيرشا وهي تلهث، ثم صاحت بصوتٍ يختلط بالدموع والغضب والكرامة الأخيرة التي تحاول النجاة
"لا تنكر طهارتي!
إياك أن تنكر أصلي!
إياك ثم إياك أن تنكر أنني بشر مثلك!!!
أنا… أستحق أن أعيش!
أن أصرخ!
أن أطلب!!!
لا أن أنفذ!!!
لا أحد سيسلبني حريتي… أو يغيّر قدري… لا أنت ولا ألف سيدٍ غيرك!!!"
رفع يديه ليضربها، كانت حركة جاهزة، مكررة، اعتاد عليها كما اعتاد التنفس.
لكن هذه المرة…
لم تكن سيرشا هي نفسها.
سبقته.
يدها شدّت على عنق الزجاجة بكل قوتها، كل حياتها، كل ما تبقى فيها.
رفعتها فجأة، بعنفٍ صادم حتى لنفسها، وصاحت بصوتٍ اخترق جدران الغرفة
"لن أسكت بعد اليوم!!!"
ثم هوت بالزجاجة على رأسه…
ضربة واحدة، لكنها حملت سنوات من الذل، وصرخات لم تسمح لنفسها بنطقها.
انكسرت الزجاجة…
وانهار معها الدوق،
سقط على الأرض بلا مقاومة.
قبل أن تنفجر الانتفاضة بزمن، كنت قد خرجت بالفعل؛ كأن شيئًا داخلي كان يدفعني بقوة لا ترحم. امتطيت حصاني، وحين فتحت أثينا الباب لي، رأيتها… واقفة هناك، تبتسم رغم كل شيء، تلوّح لي من بعيد كأنها ترسل آخر بقايا قوتها.
صرخت بحماس يشتعل في صوتها
"انقذها يا نوح!!!! عدني أنك ستفعل!!!"
رددت عليها بابتسامة حاولت أن أخفي بها رعشة خوفي
"سنعود إليكِ!!! اصمدي يا أثينا!!!"
وما إن خرجتُ حتى انقضّ عليها الحرس بعنف لم أشهد مثله قط. رأيتهم يجرّونها، يضربونها، يصرخون… ووجدت نفسي مرغَمًا على غضّ بصري لأكمل الطريق. الدموع كانت مُستوطنة عيني، ترفض أن تسقط، كأنها تعرف أن المزيد قادم. كنت أعلم… ربما لن تنجو، وربما لن نعود إليها أبدًا.
وصلت إلى القصر. كان جوستاف يقف هناك، يعلم أن العربة قد دخلت منذ نصف يوم. وما إن لمحني حتى لم يتردد. أشهر سيفه، ولوّح به بقوة، ثم طعن الحارس الذي بجانبه. تجمد الآخرون، دهشة وخوفًا.
صرخ أحدهم
"جوستاف!!! ماذا دهاك!!؟؟"
لكن جوستاف لم يتراجع. هجم عليه حارس آخر، فدفعه بقوة… ثم آخر، ثم آخر. كان يبعدهم جميعًا، يفتح لي الطريق بجسده، بروحه.
البوابة فرغت. دخولي أصبح… سهلًا. الحرس كلهم انشغلوا بما فعله.
اندفعت دون تردد، والحصان يخترق المكان بسرعة.
صرخ جوستاف بكل ما يملك من بقايا حياة
"انطلق يا نوح!!! أنت لها!!!"
تركت الحصان، اندفعت داخل القصر أركض… أركض كأنني أطارد نبضي الهارب. أعرف غرفة الدوق جيدًا. كنت حارسه يومًا، أعرف أين يقع الشر فيه.
وعندما وصلت… وجدت الباب مغلقًا. دفعته بكل قوتي، فارتدّ كأنني اقتحمت قبضة الموت.
رأيتها.
سيرشا… ترتجف في زاوية الغرفة، عيناها محمرتان، والكحل الأسود ملوثٌ على خديها.
والدوق… ممدّد على الأرض، رأسه يسبح في دمائه، وجسده بلا حراك.
رفعت وجهها نحوي، وصوتها مكسور كأن الكلمات تمشي فوق الزجاج:
"نوح.....أ...أنا..."
لم أفكر. اندفعت نحوها وكأن قلبي هرب قبل جسدي.
"هل جرحكِ؟!!!"
هزت رأسها نافية، تتنفس بقطع متسارع ممزق. ثم همست وسط شهقاتها
"لم أقصد... لم أقصد ان اقتله...."
اقتربت من جسد الدوق، وضعت يدي على رقبته… كان بارداً. صامتاً. كأن الموت انتهى منه قبل أن أصل.
همستُ مصعوقًا
"يا ويلي... لقد مات بالفعل!!!"
صرخت وهي تشد شعرها، صوتها يرتجف كالطير المصاب
"لا تقل ذلك!!! لم اقصد!!! كنت فقط ادافع_"
قاطعتها فورًا، سحبتها إلى حضني بقوة خائف، أمسح على رأسها لأطفئ النار فيها.
"لا بأس... اعلم بأنكِ كنت تنقذين نفسكِ منه... وانا مدين لكِ بذلك... لا اعلم ما كنت سأفعله لو استطاع ان يمسكِ..."
قبّلت جبهتها، رفعت وجهها بيدي ومسحت دموعها بحنان خائف من انهيارها.
"كنت أعلم بأنكِ قوية و ستصمدين.... لقد وفيتُ بوعدي.."
ابتسمت رغم دموعها، ابتسامة صغيرة لكنها تشبه الخلاص.
"لا اعلم كيف وصلت إلى هنا... لكنني.. اسعد مخلوق في العالم بسببك..."
ضممتها إلي، وقلبي كاد ينفجر من شدة ما أشعر به.
"اضن ان قلبي سيتوقف لكثرة سعادتي"
فجأة، كأن شيئًا ناداني من الخلف. تراجعت، تقدمت نحو النافذة، ونظرت.
جوستاف…الرجل الذي لم اتخيل انني قد ابكي عليه يومًا… كان ملقى وسط الحرس. مطعونًا ربما ألف مرة. جسده ينهار، لكنه لم يسقط إلا بعد أن انتهت شجاعته من كل ما فيها. الكثرة… دائمًا تغلب الشجاعة، لكنها لا تطفئ قيمتها.
ربما في النهاية،كان يحبها....حتى اهداها روحه دون ان يقف بجانبها...
اختنقت أنفاسي. عدت إلى سيرشا بسرعة، خلعت قميصي وألبستها إياه.
"ماذا تفعل؟!"
قالتها بارتباك.
أجبتها بغضبٍ يختبئ وراءه خوفٍ عارٍ
"لن أدع احد يراكِ بتلك الثياب الفاضحة"
أحطتها بذراعي، وحملتها بين يدي.
"يجب ان نهرب، يجب ان نهرب بسرعة قبل ان يصل الحرس لتلك الغرفة"
فتحت النافذة، قفزت، وسيرشا متشبثة بي كأن العالم يتهاوى. هبطت باتجاه شجرة سميكة، تمسكت بها، وهي تسندني، كأننا ننجو معًا من نهايةٍ كادت أن تبتلعنا.
أمسكتُ بكفّ سيرشا، وبدأنا نركض… لم أستطع العودة إلى حصاني؛ كان واقفًا عند جثمان جوستاف، محاطًا بالحرس الذين التفّوا حول جسده الساقط. لم يكن هناك وقتٌ للحزن، ولا وقتٌ للتوقف. كان عليّ فقط أن أتشبث بها… أن أحميها.
شدَّدتُ على يدها بكل ما تبقى في داخلي من قوة. كانت تركض بجانبي، تتنفس بعمق، وثيابها ترفرف خلفها كأجنحة تحاول اللحاق بحريتها.بين حقول القمح الواسعة… تلك الحقول التي امتدت بلا نهاية، كأنها بوابة انفتحت لنا وحدنا. الغروب كان ينسكب فوق الأرض بلونه البرتقالي المائل للذهب، يكسو وجهها بضوءٍ دافئ… ضوء جعل ملامح سيرشا أجمل من أي امرأة في العالم، وكأنها تنتمي إلى مكان لا يمسه الألم.
عيناها… يا لهذه العينين. كانتا تلمعان بطريقة أربكت قلبي. كأنها تنظر إلى الحياة للمرة الأولى، كأنها وُلدت الآن، قبل دقائق فقط، بلا ذكرياتٍ موجعة، بلا سلاسلٍ حكّت معصميها لسنوات، بلا صراخ، بلا ظلام. كانت تنظر إلى السماء، إلى الغيوم الوردية التي تلونت بحزن الغروب… وابتسمت. ابتسامة خرجت من أعماق روحها، ابتسامة لم أرها منها قط.
صرخت، وصوتها امتلأ بفرحٍ خام، فرحٍ بريء، كأنه لأول مرة يسمح لنفسه أن يوجد
"حين تكون حرًا.. ترى الأشياء أجمل مما سبق.... اظن بأنني اخيرًا يمكنني قولها..."
نظرت إليّ، إلى ظهري وهي تركض خلفي، ثم ابتسمت ابتسامة جعلت الأرض نفسها تخفّ تحت قدمي. وقالت بصوت فيه ارتجاف الفرح
"نوح... نحن أحرار اخيرًا!!!"
توقفت أنفاسي للحظة، ليس من التعب، بل من وقع كلماتها. ضحكت… ضحكت بصوت خرج من مكانٍ عميق، من جرحٍ كان يريد أن يشفى منذ زمن.
صرخت من بين لهثي
"اجل.... يا سيرشا.. انا و انتِ.. احرار"
وبين القمح الذهبي، والغروب الذي ينطفأ ببطء… شعرت للمرة الأولى في حياتي بأن الحرية ليست فكرة، بل يد دافئة أتشبّث بها، ووجهٌ يركض بجانبي دون خوف.
و حينها فقط… رأيتهم.
جنود الدوق كانوا قد انتشروا في الحقول، كخيوطٍ سوداء داخل بحرٍ من الذهب. كانوا يرفعون سهامهم، يشدّونها في أقواسهم بعيونٍ تتلجى غضبًا… غضبٌ على “الخونة الذين قتلوا دوقهم العزيز”. رأيت أحدهم يحدد هدفه… يلوّح بسهمه نحونا، نحوي أنا… ونحو سيرشا.
عند تلك اللحظة فقط، عرفت.
عرفت أن ما سأرويه الآن… قد يكون آخر ما يتبقى مني.
آخر ما أقدر أن أحكيه لكم عمّا شعرت به… وما أحببت… وما كرهت.
لم أرد لسيرشا أن ترى ما يحدث. لم أرد لها أن تنتبه. كنت أرجو أن يصيبني السهم أنا دون أن تشعر هي… دون أن تلتفت… كي تكمل هروبها قبلي. كنت مستعدًا أن أسقط، أن أُدفن تحت القمح، بشرط أن تنجو هي.
لكن السهام لا تعترف بالنوايا.
انهمر الرشق علينا… سهام كثيرة، متتابعة، حادّة.
لم يصبنا أي منها.
سوى سهمين.
سهمين فقط… لكنهما كانا كافيين لانتزاع جناحين من الحرية لحظة ولادتهما.
جناحين من الريش الأحمر… يتطايران في غروب الشمس كأنهما إعلان موتٍ مؤجل.
دمٌ تطاير فيهما،رسم وداعًا يوجع الصدور...
لكن… الجناحين لم يكونا في ظهري.
كانا في ظهر سيرشا.
في ظهرها هي فقط.
رأيتها، لحظة اختراق السهم لجسدها… كأنها ارتفعت قليلًا، كأنها طارت نحو السماء للحظة خاطفة، قبل أن يخونها الألم… وتتعثر… وتسقط.
سقطت بين القمح، وسقطت معها روحي.
تلطّخ جسدي بدمها، وضممتها بقوة، محاولًا منع العالم من أخذها من بين يدي.
خرج صوتي كأن أحدًا يخنقه من الداخل، متكسرًا، ضائعًا بين لهاثي وارتجاف صدري.
"س...سيرشا..لا يمكن..."
ردّت بصوتٍ لم يعد يشبه صوتها. مبحوح، محملٌ بطعم الدم.
"نوح...اكمل طريقك ارجوك.."
انفجرت الكلمات من فمي بجنون من لا يفهم، من لا يريد أن يفهم.
"ما الذي تتحدثين عنه؟!!! اي طريق؟!!!! يجب ان اعالجكِ!!!"
رفعتها على ظهري كما يرفع الإنسان قلبه عن الأرض كي لا يداس، وبدأت أزحف بها بين القمح الطويل. كل ساق قمح كانت تبدو كأنها سيف يخدش الهواء، وكل خطوة كانت تحفر في داخلي رعبًا جديدًا.
همست بأنفاس شاحبة، بالكاد صارت هواء.
"توقف عن ذلك.. سنموت كلينا..."
انفجرت عيناي بحرقة لم أعرف لها اسمًا.
"لا!!! لن نموت هنا!!"
رأيت أمامي غابة من أشجار ميتة، كأنها مقبرة معلّقة. اختبأت خلف جذع ضخم، ودمها… دمها كان ينزف خلفي كسجادة حمراء، طريق واضح المعالم، ممهور باسم الموت فقط.
لم أعد أشعر بنبضي، ولا أعرف إن كان قلبي توقف أم أنه يحاول الهرب من صدري.
"لالالا....سيرشا.... لا يمكنني العيش بدونكِ!! لا يمكنني!!"
ولأول مرة منذ بدأ كل هذا… شعرت بذراعيها تلتفان حولي. لم تحتضنني بقوة، بل بآخر ما تبقى لها من حياة.
همست في أذني همسًا يشبه ندبة جميلة.
"أ تعلم..؟ أضنني سعيدةٌ لأنني حققت حلمي بالجري بين حقول القمح..."
هززت رأسي بجنون.
"لالا!! هذا ليس حلمكِ فحسب!!! لقد خرجنا للتو!!! لا يمكنكِ الموت الآن!!! لم نشهد شيئًا من الحرية!! لم نتزوج بعد!! لم نعش بسعادة سويًا!!"
ارتجف جسدها، ليس خوفًا… بل ألمًا ينهش ما تبقى منها.
"السيد إلياس كان محقًا... جميعنا قد خلقنا من الطين و سنعود إليه... لكن...."
ارتعشت عيناها، وتسلل من محجريها لمعان غريب، خليط من دموع وبكاء ونزف.
"لا اريد الموت....."
انفجرت صرختي كأنها خرجت من قعر روحي.
"لن تموتي!!! يا لغبائي!!! كان يجب ان اضعكِ في المقدمة!! كان يجب ان احمي ظهركِ!!! كل ذلك حدث بسببي!!! بسببي أنا!!"
رفعت يدها المرتجفة، يد ملطخة بالدم، ومسحت بها دموعي، كأنها تواسي طفلًا وليس رجلاً ينهار.
قالت بصوتٍ لم يعد يملك وقتًا.
"نوح... أشكرك على كل شيء بذلته لأجلي.... أحبك بحق..."
هززت رأسي بعنف، كمن يرفض حقيقة الكون نفسها.
"لا!! لا يمكنك شكري!! كل ما يحصل هو خطأي!!"
ثم… حدث ذلك المشهد الذي يجعل العالم يصمت للأبد.
سقطت يدها من على كتفي.
انزلقت ببطء… ببطءٍ قاتل…
كأنها كانت تحاول البقاء معي حتى اللحظة الأخيرة.
جسدها الذي كان كالنسيم صار فجأة ثقيلاً، قاسيًا، جامدًا… كالحجر.
لم يعد يرتجف.
لم يعد يبكي.
لم يعد يبتسم.
أما أنا… فليتني مت قبل أن أشهد تلك اللحظة، لأن شيئًا بداخلي توقف، انكسر، تبخر… لا أعرف.
سحبت جسدها إلى صدري، التصقت به بكل ما أملك من يأس، كأنني أحاول أن أنقل حياتي إلى روحها بالقوة.
صرخت… صرخة من لا يريد البقاء، صرخة تشق السماء ولا يسمعها أحد.
دموعي غطت وجهي، وعيني التي لم تعد ترى شيئًا بكت دمًا من جرح قديم ظننت أنني دفنته.
هذا كان يومي الأخير في هذا العالم… كنُوح الذي تعرفونه.
كنوح الذي يركض ويضحك ويحلم.
وفي النهاية… سقطت بجانبها.
عانقت جثمانها البارد…
وتركت نفسي أذوب في العدم.
كأن العالم توقف، أو فقَد ألوانه، أو أطفأ أحدهم الضوء فيه دون موعد.
انتهى كل شيء.
و حين تكلم الطين، لم يكن هناك من يسمعه…
..
لم أعد أعرف ما يحدث خارج هذا المكان… هذا المعسكر الذي يُسمّى مجازًا بالحياة، بينما هو أقرب ما يكون إلى قبر واسع يتنفس.
عشر سنوات؟ عشرون؟ ربما أكثر… الزمن هنا لا يُقاس بالأيام، بل بالآلام المتراكمة، بالليالي التي تتشابه حتى تبدو كأنها نسخة من نسخة من نسخة.
كل ما أعلمه هو أن زمنًا طويلًا مضى منذ آخر مرة رأيت فيها نوح، يمتطي حصانه كأنه يطارد الشمس، يعدني هو وسيرشا بأن يعودا… بأن ينقذاني من المصير الذي صنعتُه بيدي.
أنا، أثينا… بعد فعلتي، حُكم عليّ بأن أكون أقل من ظل.
قطعوا كفّي، وتركوني أعمل كعبدة، بلا يدين، بلا أمل، بلا شيء سوى جسد ينحني ورأس يتألم. كانت حياةً أطول من الجحيم، حياةٌ تجعل حتى النار تبدو كأنها عطلة.
لكن لا بأس…
ربما نسياني.
كما نسيَني الجميع.
الشيب استوطن شعري الأحمر، والتجاعيد حفرت وجهي كما تُحفر أسماء الموتى على الحجر. لم يبقَ الكثير لأبلغ الخمسين… وكنت أتساءل دائمًا
كيف يعيش نوح الآن؟
هل صارت سيرشا أمًا؟
هل نسوني حقًا؟
الحياة كانت تسير ككل الأيام… رتيبة، متعبة.
إلى أن اقتحم معسكرنا جنود ضخام، رجال بحجم الغضب نفسه. قالوا إنهم يحررون العبيد، ينهون عهد السلاسل، يقتلون السادة.
وقد فعلوا. ذبحوا السادة كما لو كانوا ظلًّا من الماضي، وفتحوا لنا بوابة الحرية التي لم نتخيلها يومًا.
كنت أتجوّل بينهم، بين الوجوه التي تبكي فرحًا، العائلات التي تستعيد أسماءها وأولادها وأحلامها.
لكن داخلي… لم يحتفل.
كأن شيئًا في قلبي مات منذ زمن، ولم يعد ينهض حتى أمام الحرية. كل ما شعرت به هو… راحة صغيرة. مجرد راحة.
سمعت بعض الجنود يتحدثون بالقرب مني.
"أ رأيت القائد؟ بدى منزعجًا حين دخلنا هذه… شنقيط أو كما يسمونها."
ردّ الآخر
"يقال إن زوجته عاشت هنا."
زوجته؟ في هذا المكان؟
تقدمت بخطوات خفيفة، خطوات ترتجف قبل أن تلامس الأرض، كأن الهواء نفسه يراقب قلقي. وقفت بين الجنديين، وارتفعت كلماتي مترددة، محمّلة بثقلٍ حاولت إخفاءه.
"هل...يمكنني ان اسأل عن اسم قائدكم؟"
ابتسم الجندي بعفوية، ابتسامة رجل لم يعتد أن يرى عينين ترتجفان بهذا الشكل، وقال ببساطة تجعل قلقي يبدو أضخم مما هو عليه.
"قائدنا؟ يلقب نفسه بالمحارب احيانًا، او ربما سبارتاكوس كما تشير بعض الكتب التي قرأها و تأثر بها."
اختنق صوتي للحظة قبل أن يكسر حاجز الشك.
"سبارتاكوس هذا...؟هل هو شاب بشعر طويل اسود حنطي البشرة يمتلك شامة في خده و عينان زرقاوتان؟"
فرك الحارس ذقنه، كمن يحرك ذكرى عالقة في غبار رأسه.
"حسنا...نصف تلك الصفات ليست فيه في الواقع، لكن اجل اضنني رأيت شامة في وجهه، و عينه زرقاء،واحدة لا غير! اما الاخرى فلا نعرف ما حدث لها..و بشرته حنطية.."
تدخّل الجندي الآخر، كأن المعلومة لم تكن بحاجة لكل هذا الالتفاف.
"ها هو يقف هناك."
اتجهت عيناي إلى حيث أشار.
رجل ضخم… رجل بُني من التعب ومن معارك لا تنتهي، في منتصف العمر، شعره الأسود القصير قد خذله وأعلن الشيبُ انتصاره عليه. لحيته الكثيفة تحيط بوجهٍ يحمل خطوطًا كُتبت بأظافر الزمن، خطوط رجل نجا كثيرًا ولسببٍ ما لا يزال واقفًا.
اقتربتُ… وكل خطوة تسحب شيئًا من روحي معها.
صرخت باسمه
"نوح!!!"
التفت.
لمعت عيناه لحظة… لكن اللمعان لم يكن لي، لم يكن لذكرى، كان لمعان غريب، لمعان رجل يسمع اسمه الأول مرة.
نظر إليّ… بعينٍ واحدة… وتلك العين كانت الدليل الوحيد أنه هو.
ضيق عينه، وكأنه يقيسني، ثم قال بهدوء لا يشبه نوح الذي مات معي آلاف المرات
"سيدتي...هل تبحثين عن احدهم؟"
تصلبت كما لو أن الأرض شدت قدمي كي لا أهرب من الحقيقة.
"نوح!! أنت حي!!! لا اصدق!!!"
رفع حاجبيه باستغراب بدا حقيقيًا حد الوحشية.
"لا اعلم احدًا في هذا المعسكر بإسم نوح، هل يعقل انه ابنكِ؟"
شيء ما تكسّر في صدري. شيء لا يُسمع لكنه يُرى.
تجمعت الدموع في عيني قبل أن تستأذن.
"لا!! نوح!! انت هو نوح!! ما خطبك؟!! أ لا تذكر اسمك!؟؟ انا أثينا!! صديقتك!!لقد وعدتني بأنك ستنقذني.. و ها انت تقود حملات لتحرير العبيد! لقد فعلتها! انقذتني بالفعل!"
هبت نسمة باردة، لامست شعره القصير، كأنها تحاول أن تذكّره بدلًا عني.
لكن صوته خرج من رجل غريب تمامًا.
"لا اعلم...عمّا تتحدثين يا سيدة..."
لوّحت بيدي بعجز… بعنف… بجنون امرأة تصارع النسيان الذي لم تختره.
"كيف تنسى؟!! ماذا حدث لك؟!! هل فقدت ذاكرتك؟!!"
أجاب ببرود كمن يسرد معلومة طبية عن نفسه، لا مشكلة وجودية.
"هذا ما اخبرتني إياه العائلة التي وجدتني... انني فاقد لذاكرتي، هل إسمي نوح بالفعل؟"
أومأت… بعنف أكثر مما يستدعي الوضع… بعنف يشبه استغاثة.
"لا يعقل... ما الذي حدث لك حتى تنسى نفسك؟!! اين هي سيرشا؟!!"
توسعت عيناه.
لم تكن توسع دهشة… كانت طعنة.
كأن اسمها خنجر يعرف مكانه جيدًا.
ارتجف صوتي.
"لا...ارجوك..لا تخبرني... انك لا تتذكرها ايضًا.... هل..اضعتها.....؟"
شيء بداخله انهار… رجل ضخم لا يبكي إلا حين لا يبقى فيه شيء ليحارب من أجله. رأيت دموعه تهرب من عينه الوحيدة.
رفع رأسه للسماء، وانكسر صوته كما ينكسر لوح زجاج تحت قدم طفل.
"سيرشا.... هي كل ما اذكر......"
شهقت، لا بإرادتي… بل لأن العالم نفسه اختنق.
"ماذا.... أين هي سيرشا....؟"
أجاب بصوتٍ أنهكه الزمن وأكل أطرافه.
"انها ترافقني طوال الوقت... انها ظلي... اراها في المرايا... في وجوه الناس.. حتى في وجهكِ... لا اذكر من حياتي شيئًا او اسمي حتى... لا اذكر شيئًا سواها..... و وجعي.... يقتلني يومًا بعد آخر... سيرشا لم تمت... سيرشا لا تزال تسكن رأسي..."
حينها فقط… فهمت.
فهمت معنى السقوط الحقيقي. ليس أن تنكسر، ولا أن تنزف، ولا أن تخسر الطريق. السقوط الحقيقي هو أن ينحسر كل ما كنت تعرفه عن نفسك… حتى لا يبقى منك إلا اسمٌ واحد، وجهٌ واحد، ذكرى واحدة تتمسّك بك كي لا تتلاشى تمامًا.خسر نفسه في النهاية. لم ينسَ ماضيه صدفة، ولم تتركه الذاكرة هباءً؛ هي اختارت ما تبقّيه منه. اختصرت حياته كلها في اسمٍ واحد
سيرشا.
وهنا تنتهي القصة… لأن الرجل الذي بدأها لم يعد موجودًا...
و لأن الطينُ الذي ظلّ صامتًا دهورًا،قد نطق، وسمعه كلُ جائرٍ ظنّ أن الصمت قدرٌ أبدي. اخيرا.. انتهى كل شيء… بموت رجلٍ واحد، رجلٍ حفر معنى الحرية في ذلك الطين حتى صار أثره أعمق من الموت نفسه.
النهاية..