الفصل 36
انكسار لا يعود
فتحتُ جفنيّ على عالمٍ نصفه نورٌ ونصفه ظلام. عيني اليسرى كانت غارقة في سوادٍ مطبق، يختبئ خلف ضمادٍ ناعم يضغط على وجعي كأنما يُذكّرني بما فُقد. لم يكن نومي نومًا، بل حفرة سحيقة من صراخٍ يتردد في رأسي، يوقظني مرارًا حتى وأنا غافٍ.
حاولت النهوض، فانطلقت في عظامي شرارة حارقة، كأن سكينًا من نار شقت طريقها عبر هيكلي. صرخت، لا إراديًا، والألم يمزق أوتار جسدي المرهق. وحين انقشعت غشاوة الوجع قليلًا، رأيت رجالًا يحيطون بي—عبيدًا يعملون حرسًا، وقد ارتسم القلق في أعينهم.
صاح أحدهم بانفعال
"نوح! لا تتحرك! جسدك مثخن بالجراح!"
كنت أتنفس بصعوبة، كأن صدري قد ضاق بالعالم كله. خرج صوتي متكسرًا، متعبًا
"أين… هي؟"
ساد ارتباك خفيف بينهم، ثم أجاب أحدهم بنبرة حذرة
"إنها مع السيد كريستوفر. الدوق أمره أن يحميها… إلى أن تعود إليه في القصر."
تجمدت أنفاسي. تمتمت، غير مصدّق
"تعود… إليه؟"
أكمل الرجل كلامه وكأنه يطعنني من حيث لا يدري
"سنذهب اليوم إلى معسكر العبيد. السادة سيعاينونها، ثم سيشتريها كريستوفر منهم."
دفعت الغطاء عن جسدي ووقفت رغم اعتراض عظامي كلها. صاح أحدهم ثانية
"ماذا تفعل؟ أنت بالكاد تقوى على التنفس!"
رفعت بصري إليه، وعيناي تلمعان بوجعٍ لا يخفى
"لا بد أن أجده… لا بد أن أرى كريستوفر."
مضيت أجرّ قدمي على الأرض جَرًّا، كأن الهواء أثقل من أن يُشق، وكأن الأرض تتشبث بي، تمنعني من المضيّ إلى قدري. وصلت إلى الباب، ولحق بي أحدهم قائلاً
"دعني أرافقك!"
التفتُ إليه، وارتسمت على وجهي ابتسامة منهكة لا تكاد تُرى
"لقد وقفتم معي حين خططتُ للهروب، وحين علمتكم الكتابة… وما زلتم تقفون الآن. غير أن هذا الأمر لا يخصّ إلا قلبي."
أغلقت الباب خلفي ورحلت.
كان الطريق إلى غرفة كريستوفر أطول من كل الطرق التي سلكتها في حياتي. كل خطوة تُنقص من روحي مقدارًا، وتزيد من اختناقي مقدارين. طرقت الباب بقوةٍ خرجت من آخر ما تبقى في صدري
"كريستوف! اخرج! أريد أن أحدثك!"
فتح الباب، وبدت ملامحه جامدة لا تشي بشيء من الرحمة
"نوح، أنت مصاب. عد إلى فراشك."
أملت رأسي قليلًا… فرأيتها.
سيرشا.
جالسة في زاوية الغرفة، وعيناها الواسعتان تلمعان حين وقع نظرهما عليّ، كأنها كانت تخشى ألا تراني حيًا مرة أخرى. رغبتُ في مناداتها، في الاقتراب منها، لكن كريستوفر سدّ الباب بجسده وقال بصرامة
"إن جئتَ من أجل سيرشا… فأنا لا أعارض أوامر الدوق."
خرجت الكلمات مني مثقّلة بالرجاء والذعر
"كريستوف… سيرشا كل ما أملك. لا تفعل هذا…"
انعقدت ملامحه لحظة، ثم قال بلا تردد
"آسف يا نوح."
حاولتُ أن أدفع الباب، ألا أُفلتها من بين يديّ، لكن قبضته أحكمت على كتفي ودفعني بعنف. سقطت على ظهري، والهواء يُنتزع من صدري، والباب يُغلق في وجهي كأنه يردّ عني العالم بأسره.
كنت على حافة الانهيار… إلى أن ظهر ظلّ فوقي.
جوستاف وقف ينظر إليّ، وصوته هادئ على غير عادته
"تبدو كأنك تحتضر… هل أنت بخير؟"
عقدت حاجبيّ رغم الدوار، وتمتمت بمرارة
"وما شأنك أنت… يا قبيح الوجه؟"
تنفّس بعمق قبل أن يقول
"أريد أن أحدثك بشأن سيرشا."
مد يده إليّ.
لم يكن لدي خيار سوى أن أتشبث بها. أمسكته، ونهضت بصعوبة، بينما كل جزءٍ في جسدي يصرخ بي أن أتراجع… وكل جزء في قلبي يدفعني إلى الأمام.
اقتادني جوستاف إلى الحديقة الخلفيّة، تلك الرقعة التي كانت يومًا نابضةً بالحياة، ثم بهت لونها حتى صارت أشبه بظلّ لحديقة أخرى. الهواء هناك كان ساكنًا كقبرٍ مفتوح، والسماء الرماديّة تحني رأسها كأنها تشهد اعترافًا لن يُغفر.
نظر إليّ طويلًا؛ كانت عيناه تلمعان بحزنٍ ثقيل لا يُخفى، ثم قال بصوتٍ أوشك أن ينكسر
"نوح… لم أعد قادرًا على الكذب. كنت أعلم… بكل ما حدث. حاولت أن أُحذرها… لكنك منعتني."
شعرت بالغضب يصعد في صدري، يتسلل عبر أضلعي كدخانٍ خانق. قلت بحدّةٍ متقطعة
"ماذا… تقصد؟"
فتح ذراعيه يائسًا، كأن الحقيقة أثقل من أن يحملها وحده
"حين غادرتم، سمعتُ أندروميدا تحدّث خادماتها. كانت تخطط منذ البداية لجعل الدوق يلتفت لسيرشا! ولم تذهب إليه قط إلا برفقتها! قالت لهن إنها سئمت حياتها هنا، وتريد الهرب إلى والدها. كل شيء كان محسوبًا… كل خطوة."
تجمد الكلام على شفتيّ. شعرت بالرمل يملأ حلقي.
"أنت… كنت تعلم… كل هذا؟ ولم تنطق بكلمة؟"
تلألأت عيناه بخليطٍ من الخوف والندم، وأجاب بصوتٍ خافت
"أردتُ أن أخبرها أنا. وحدي. كانت تلك فرصتي الوحيدة لاستعادة ثقتها بي. لكنك منعتني… منعتني من الوصول إليها قبل أن يفوت الأوان!"
تقدمت نحوه ببطء، كأن خطواتي تُنحت على الأرض. همست
"لقد وعدتها…"
ارتفع حاجباه بدهشة
"ماذا—"
لم أتركه يُكمل. رفعت قبضتي في وجهه وقلت
"وعدتها أن أهشم وجهك."
وهويت عليه.
الضربة الأولى خرجت من مكانٍ لم أدرك أنه موجود في داخلي. ثم الثانية. ثم الثالثة. لم أعد أرى وجهه، بل وجهي أنا… الضعيف، العاجز، الذي ترك سيرشا تُساق بعيدًا كأنها غرض. جلست فوقه أضربه كمن يضرب القدر نفسه، وجوستاف يحاول رفع ذراعيه سدًا لما لا يُسد.
تدفقت الدماء على بشرته، وتحوّلت ملامحه إلى كدماتٍ وبقع زرقاء.
رفعت قبضتي—فوجدتها ترتجف.
لم أُدرك انهمار دموعي إلا حين خالطت دماءه على خده.
انهرت فوقه، أتنفس بصعوبة، أرتجف. تشهق روحي ولا تشهق صدري فقط.
حتى هو… حتى جوستاف… سالت دموعه، وقال بصوتٍ مرتجف
"نوح… أنا آسف… أقسم أنّ إيذاءها لم يكن يومًا قصدي…"
شهقتُ بقوة، وانفجر بكائي بحرقةٍ أكبر، كأن صوتي يُكسر في داخلي
"لقد خسرتُها… خسرتُها إلى الأبد…!"
ابتعدت عنه، أُمرّر كفي على وجهي، على الدموع المختلطة بدمه، كمن يحاول محو خطأ العالم كله.
لكنّه أمسك كتفي ونهض، يلهث من شدة الألم، وقال بحدة
"نوح! لم يفت الأوان! ما زال هناك شيء يمكن فعله!"
صرخت في وجهه، من شدة اليأس لا الغضب
"ماذا؟! ماذا بقي؟ كل ما أفعله يجعل كل شيء أسوأ!"
هز رأسه نفيًا، بعزمٍ غير متوقع
"يجب أن ننقذها! أما فكرتَ بالهرب؟!"
ارتجفت حدقتاي، كأن شرارة سقطت في ظلمة روحي.
"الهرب…"
نطقتها كأنها نسيم عاد بعد انقطاع.
تابع جوستاف، وعيناه تشعّان بالتصميم
"نعم! الهرب. يمكنني أن أرتّب كل شيء. سأمنحكما فرصة… لحظة واحدة… تكفي لتختفيا."
تراجعت خطوة، مذهولًا
"وأنت؟ ماذا سيحدث لك؟"
ابتسم ابتسامة موجوعة، وقال بصدقٍ لم أعهده فيه
"لا يهم. نوح، ينبغي أن تعيشا. أنت قدر سيرشا… وستكون سبب نجاتها. أيّ خطةٍ تضعها… سأنفذها. هذا أقل ما أستطيع أن أقدمه كي تغفر لي… يومًا ما."
عندها فقط أدركت…
أن اليأس لم يكن نهاية الطريق، بل بوابته.
حان موعد الرجوع، وكأن العالم أراد أن يعيدني إلى القفص الذي خرجتُ منه للحظة قصيرة. صعدنا العربة نفسها… أنا، سيرشا، وكريستوف الذي جلس بيننا كما لو كان جدارًا من حديد، حاجزًا حتى الهواء الذي يمكن أن يمرّ بيني وبينها.
اتخذ مكانه قربها، كتفه يلامس كتفها، بينما أنا أراقب الفراغ أمامي وكأنني أثقب الجدار بأمنية واحدة: أن تتحرر نظرتها من قبضته.
كانت تتسلل بنظراتها نحوي؛ نظرات سريعة، خاطفة، متوترة، كأنها سرّ صغير لا يحق لأحد أن يراه. وكل مرة تفعل ذلك، كان وجهي يتماسك بصعوبة، وأحاول ألا يفضحني قلبي وهو يرتجف في صدري مثل طائر ضربته الريح. أما أنا، فكنت غارقًا بها بالكامل؛ لم أرَ طريقًا، ولا سماءً، ولا الأشجار التي تمرّ حولنا… رأيتها هي فقط، وكأن العالم اختُصر في مساحة وجهها.
لا أعرف كم استغرق الطريق. ربما كان ساعات… أو أيامًا… أو سنواتٍ كاملة. الزمن فقد شكله، وصار يتقلص ويتسع بحسب رمشة عين منها. كل طرفة كانت تختصر عمرًا، وكل غمضة كانت تشعل صدري بنار لا سبيل لإطفائها.
الكلمات تجمّعت في حلقي مثل حجر. أردت أن أحدثها، أن أسألها، أن أطمئنها، أن أصرخ… لكن شيئًا ما كان يكمم صوتي كلما اقتربتُ من محاولة النطق. مجرد وجودها أمامي، ومعرفتي أنها هناك… وأنني لا أستطيع مدّ يدي إليها، كان أقسى من فكرة الغياب نفسه. البعد جرح… أما العجز بقربها فهو سكين أخرى تُدار ببطء.
تمنيت لتلك الرحلة ألا تنتهي. تمنيت أن تبقى العربة تسير إلى آخر خرابة في الأرض، إلى آخر طريق، إلى نهاية العمر كله، ما دامت قربها.
لكن الطرق كلها، مهما طال بها المسير، تصل إلى محطة.
وكل رحلة… مهما حملت داخلها من لهفة، تمتلك لحظة تُجبرك على النزول.
الهواء كان أثقل من صدري حين وصلت إلى المعسكر. المكان نفسه يبدو كأنه يختنق، وكل خطوة داخله تُصادر شيئًا منك. تقدّم كريستوفر وسيرشا قبلنا، وما إن ظهرت ملامحهما بين الخيام حتى لمحتُ أثينا واقفة عند المدخل، وجهها مشتعل باللهفة، كأنها طفلة رأت أختها بعد غياب العمر كله.
ركضت نحو سيرشا، فُتحت ذراعاها بعفوية، صيحتها انطلقت كفرحٍ لا يعرف حدودًا
"سيرشا!! أخيرًا عدتم!"
لكن يد كريستوفر امتدت كجدار بارد، أمسك كتفها بقسوة، قطع اللحظة كمن يطفئ شعلة. قال ببرود، دون أن يرف له جفن
"لا يمكنني أن أدع سيرشا تختلط بأي عبد."
ارتسم الغضب في وجه أثينا مثل شرارة تضرب حجرًا جافًا. صاحت
"هاه؟! ومن تكون كي تمنعني؟! سيرشا تنتمي لهذا المعسكر!"
رفع رأسه كمن يعلن حكمًا لا نقاش فيه، وشد قبضته على كتفها أكثر
"ليس بعد الآن… فهي أحد ممتلكات الدوق."
لم تتردد أثينا
"ما الذي تتفوه به أيها العجوز الخرف؟!"
تنهد كريستوفر بلامبالاة متعجرفة وغمغم
"أخلاق العبيد…"
ثم جذب سيرشا من ذراعها، وابتعد بها. كانت تنظر خلفها، نحو أثينا…وكأن نظرتها الأخيرة تحاول التمسك بأي شيء قبل أن تُسحب منه إلى الأبد. الحزن في عينيها كان أعمق من أن يُوصف.
أثينا التفتت نحوي، رأتني واقفًا عند البوابة كتمثال مكسور. أشحت بنظري، لكنّها لم تُمهلني. ركضت تجاهي، قبضت على ياقة ثيابي وكأنها تحاول شد الحقيقة من صدري
"نوح؟!! ماذا يحدث؟! لماذا سيرشا مع هذا الرجل؟! ماذا فعلت؟! ولماذا أنت مصاب؟!"
التقطت أنفاسي بصعوبة، كمن يحاول أن يخفض عاصفة وهي تثور داخله. قلت بصوتٍ خفيض
"تعالي… سأخبرك بكل شيء."
قادتها خطوتي إلى خلف الإسطبل القديم، المكان الذي لطالما اقتسمنا فيه خبزنا الجاف وليلنا الطويل. هناك، حين صار العالم أقل صخبًا، قلت وأنا أسمع ارتعاشة صوتي
"سيرشا… اختارها الدوق لتكون محضيته."
ارتجفت. الكلمة كسرت شيئًا في وجهها. همست
"غير معقول… ماذا عن—"
قاطعتها كأن الجرح يحتاج أن يُفتح دفعة واحدة
"أندروميدا هربت إلى والدها… وادعت أنها عقيمة."
الدّموع صعدت إلى عينيها بسرعة، لمعتها كانت مثل زجاجٍ تحت النار. سألت وهي تحدّق بعيني المصابة
"وأنت؟ ماذا حدث لعينك؟"
لمست الضماد، كأنني ألمس بقايا حياة تركتها هناك. قلت بهدوء مُستسلم
"أظن أنني لن أستعيدها. اعترضت… فانهال حرس الدوق علي بالطعنات. هددوا سيرشا بقتلي… فأجبرها على القبول."
ارتجف جسدها كله. تقدمت نحوي، قبضت على ذراعي بقوة، رأسها يهتز بالنفي كمن يرفض قدرًا كُتب فوق صدره
"لا… لا يمكنني أن أخسرها… كانت صديقتي الوحيدة… لماذا من بين كل نساء العالم…"
تنفستُ بعمق. شعرتُ بمرارة الدم والرماد في حلقي. لكنني قلت، بصوت يعرف أنه مكسور لكنه يقف
"لن أخسرها بتلك البساطة."
كانت كلماتها تتدحرج فوق صخرتي، تنهال كصفعات توقظ شيئًا ميّتًا في داخلي. صاحت بي، صوتها يختلط بيأسها
"ماذا تعني؟!! ما الذي تنوي فعله الآن؟!!"
تكتفتُ بذراعي، أحاول أن أثبّت ما تبقّى من ثباتي، وقلت
"خُطّتان… وكلتاهما تحتاج الهروب قبل أن يُغلق كل باب."
اتسعت عيناها، كأنها تلقت ضوءًا مفاجئًا في ليلة معتمة. سألت
"ما هي الخطة؟!"
أخذت نفسًا، كأنني أرتّب فوضى في صدري
"سأتبع كريستوفر. سيتفاوض مع السادة، وحين ينتهي ربما يسمح لسيرشا أن تودّعنا… حينها سأخبرها أن ترافقني. نهرب فورًا… أنا وهي وأنتِ. لكن—"
نظرت نحو بوابة المعسكر الهائلة، الخشب السميك فيها يشبه صدور الرجال الذين يحرسونها
"المشكلة… كيف سنفتح هذا الوحش؟ وكيف سننجو من الحرس؟"
أثينا عقدت حاجبيها، عيناها تتحركان كأنها تبحث في الليل عن مخرج لم يُصنع بعد. ثم رفعت رأسها نحوي، وقالت بدون تردد ولا خوف
"نحتاج شخصًا يفتح لنا الباب… يستدرج الحرس نحوه. سيمسكونه، سيعذبونه… وسينسون الهاربين."
كلماتها سقطت عليّ كحجر. صرختُ بغضب لا أعرف أين أخفيته كل تلك المدة
"من المجنون الذي سيقبل بهذا؟!"
خفضت رأسها، صوتها خرج كأنه اعتراف لا يريد أن يجد طريقه إلى الهواء
"أنا… سأكون ذلك الشخص."
شعرت أن الأرض انسحبت من تحت قدمي. تمتمت
"لا… لا يمكننا ترككِ."
رفعت رأسها، وفي عينيها شيء يشبه النار، شيء لا يتراجع ولا يخضع
"نوح!! لن نخسر سيرشا! يجب أن نفعل شيئًا. ماذا لو غضب الدوق؟ ماذا لو قتلها؟! أنت تعرف جيدًا كيف يعامل الرجال المحضيات!"
أطبقت أسناني على بعضها، ذلك النوع من القهر الذي يجعل صدرك ضيقًا كعنق زجاجة. حاولت أن أعترض
"يمكنني أنا أن أفتح البا—"
قاطعَتني بإشارة حادة
"كلا! يجب أن يكون معها رجل يحميها… يعرف العالم خارج هذه الجدران، يعرف معنى الحرية."
ثم، رغم كل شيء، ضربت ذراعي بخفة ساخرة، وقالت بابتسامة منكسرة
"حتى لو كان بعين واحدة…"
تنهدت. ثم ابتسمت ابتسامة باهتة، خجولة من الألم وهي تخرج
"لا أعلم كيف يمكنني أن أشكركِ…"
استدارت، وولّتني ظهرها، وكأن الاعترافات أسهل حين لا نرى وجوه الناس. قالت بصوت فيه قسوة جميلة، صادقة
"أنا لا أفعل هذا من أجلك… بل من أجل سيرشا فقط."
ومع ذلك، كانت الحقيقة ترتجف بين السطور
أثينا كانت مستعدة لتُسحق… فقط كي نرحل سالمين.
وذلك وحده جعل الغروب يبدو أكثر ضيقًا مما هو عليه.