الفصل 35
المرأة الحبيسة
اليوم الأخير يحلّ على القصر كغمامة ثقيلة، لا ظلّ فيها إلا رائحة الختام.
الجدران التي اعتدناها سورًا للحياة ستعود لتغلق علينا أبواب العبودية… هكذا يظنّ الجميع.
غير أنّني أحمل في صدري يقينًا يشبه شرارةً في ليلٍ كثيف
لن نبقى هنا.
سنهرب، أنا وسيرشا وأثينا، ونتخفّف من هذا المكان كما يتخفّف القلب من ذكرى معطوبة.
سنحمل معنا وصيّة مانسا، وضحكات ميراي الندية، وحكمة العجوز إلياس التي لا يطويها الزمن.
وُكِّل إليّ أن أقف اليوم بين الحرس الملتصقين بالدوق، مجرد ظلٍّ يحرس ظلًّا.
سيختار محظيته أمام أعين الجميع، كأن النساء معروضات في سوقٍ بلا اسم.
يا لخساسة عصرٍ يُهين المرأة، ولا يترك للرجل سوى قشور شرفٍ واهية.
ولسوء قدري، كان جوستاف يقف بجانبي، يلاحقني كذبابٍ مملٍّ لا ينقضي.
أما سيرشا فكانت ترافق سيدتها، تمضي معها نحو مجلسٍ تُشرَّف فيه المرأة في عين الدوق، وتُذَلّ في عين من يعرف حقيقتها.
القاعة التي أقيمت فيها المراسم كانت أكبر من أحلامنا، وأبعد من عالمنا.
حمراء مخملية، ينساب الذهب في زخارفها كخيطٍ من شمس.
بدت كصالة عرسٍ طاهرة، لا كموضعٍ لاختيار محظية.
وقفتُ في صفّ الحرس، بثيابي العسكرية، ظهري مستقيم، شعري مرفوع، ويديّ خلف ظهري.
للمرة الأولى رأيت الدوق عن قرب…
رجلاً كالح الوجه، كأن القبح انعقد في ملامحه.
لم أطق النظر إليه؛ أشحت بوجهي كما يشحّ المرء عن ضوءٍ يؤذيه.
عندها رأيت سيرشا تقترب.
وقفت أمامي، ونبرة القلق ترتجف في صوتها
"نوح… ماذا أفعل؟"
أملت رأسي نحوها، كمن يُنصت إلى سرٍّ صغير
"ما الأمر يا جميلة؟"
قالت وهي تحاول حبس ارتجاف عينيها
"إنها أندروميدا… تبكي منذ الأمس. الكحل لا يستقر في عينيها مهما حاولت."
قلت برفقٍ خافت
"مسكينة… ولا يد لكِ في ما يصيبها."
حدّقت بي طويلاً، ثم همست
"أسألك لأنك تضع كحلًا أيضًا… كيف تثبّته؟"
تنهدت بامتعاضٍ لطيف
"الكحل الذي أضعه طبي، لا يمتّ لزينة النساء بصلة."
قالت بنبرة صادقة
"لم أقل إنك تتشبّه بالنساء، لكنني رأيته ثابتًا."
أخفضت رأسي قليلًا
"وهو ليس معي الآن."
عقدت حاجبيها
"إذًا لن أجد حلًّا."
استدارت لترحل، فأمسكت كتفها برفق يسبق الكلمات.
"سيرشا… لا تحمّلي نفسكِ ذنبًا ليس لكِ فيه نصيب. دعيها تبكي؛ فالبكاء أحيانًا أشرف من الصمت."
تنهدت كمن وجد مساحة لالتقاط أنفاسه.
"ربما… أنت محق."
اقتربت أكثر، وخجلٌ دافئ يتوهّج في وجنتيّ، فقلت هامسًا
"وتبدين… فاتنة اليوم."
تورد وجهها كزهرةٍ باغتها الفجر.
همست بصوتٍ يكاد يختبئ
"وأنت تبدو… وسيمًا."
ابتسمت لها ابتسامة كأنها وداعٌ صغير، ثم مضت نحو أندروميدا من جديد
اختار ذلك الرجل خمس نساء، يقدّمهن كما تُقدَّم القرابين، كل واحدة يقف خلفها صمتُ خادمتين.
أندروميدا كانت بينهن… وجهها مرهق، ملطّخ بالكحل الأسود كأن الليل سال من عينيها.
وسيرشا إلى جانبها، جميلةٌ حدّ الخطر؛ فستانها أبيض يتوشّح بالذهب، وشَعرُها المموج مرصّع بجواهر ليست لها.
كانت تحاول أن تسرق من الحزن ضحكة، لتضعها في يد سيدتها.
اصطففن أمام الدوق.
رأيت جوستاف، وعيناه تحملان قلقًا لم أفهمه، كأن قلبه يعرف ما سيقع قبل أن يتكلم أحد.
كان الدوق يحدّق بأندروميدا… حدّ التهامٍ صامت.
لوّح بيده، بملل رجل اعتاد امتلاك المصائر، وقال
"تعرفن جيدًا من سأختار اليوم."
رفعت أندروميدا رأسها، ولمعان الحياة غادر عينيها. قالت بصوت سمعه الجميع
"سيدي… هناك شيء يجب أن تعرفه."
ارتجفت القاعة.
سيرشا أمسكتها من ذراعها، وهمست بحرقة تكاد تبكي
"أرجوكِ… لا تستسلمي الآن!"
أجابت أندروميدا بكسرةٍ ناعمة
"سامحيني…"
ثم واجهت الدوق
"أنا عقيم… لا أستطيع الإنجاب. لا أستطيع أن أكون محظيتك."
تعالت الهمسات من حولها،نظرات النساء تكاد تلتهمها..
ساد الذعر، وامتقع وجه الدوق
"لِمَ لم تخبريني؟ أظننتِ أنني أريد امرأة لا تنجب لي ولدًا؟"
انخفض صوتها
"أعرف… انت لا تسعى خلفي يا سيدي."
رفعت يدها، كمن يكشف حقيقة مخبوءة منذ زمن.
"أنت تسعى خلف سيرشا."
انطلقت شهقات كالسكاكين.
صرخ كريستوفر غاضبًا
"كيف تجرؤين؟! أ تتهمين الدوق—"
قاطعه الدوق ببرود كسر الهواء
"هي محقّة. تلك الخادمة لفتت نظري منذ اللحظة الأولى… حتى أنها اليوم أكثر جمالًا منك."
شُلَّ جسدي.
رأيت حياة سيرشا تنطفئ من عينيها فجأة، كشمعة هبّت عليها ريحٌ قاسية.
همست، مذهولة
"أندروميدا… ماذا تفعلين؟"
أجابت دون أن تنظر إليها
"سامحيني…"
جوستاف أشاح بنظره… كأنه كان يعرف هذه الحقيقة منذ زمن، وانتظر سقوطها بصمت.
ذلك كان الحدّ الذي انفجر عنده شيءٌ في داخلي.
لم يعد الدم يغلي… بل اشتعل، وتحوّل إلى صرخة مزّقت صدري
"أيها الرجل اللعين! لن تأخذ سيرشا مني! سأقتلك!"
تعالت أصوات الحرس
"لا تخاطب الدوق هكذا!"
تقدّمت، صوتي أقسى من السيوف
"سأخاطبه كما أشاء! سكتُّ كثيرًا! سلبتم مني كل شيء… ولن تسلبوا سيرشا أيضًا!"
رأيت أحد الحرس يهجم عليّ بسيفه.
سحبت سيفي كغريزة قديمة، وصددت ضربته.
وسيرشا تصرخ بي، مذعورة
"نوح! ماذا تفعل؟!"
صرخت في وجهها وأنا أقاتل
"لن يأخذوكِ مني! على جثتي!"
قال الدوق ببرودٍ يشبه مقصلة
"لك ذلك."
ثم تساقطت عليّ السيوف كالمطر.
طعنة في كتفي…
وأخرى تضرب وجهي…
وثالثة تثبّتني إلى الأرض.
الكثرة دائمًا تغلب الشجاعة حين تكون الشجاعة وحدها.
رفع الدوق يده
"لا تقتلوه."
سمعت صوت سيرشا، مخنوقًا بالبكاء
"نوح! يا إلهي… ماذا فعلوا بك؟!"
نظر إليها الدوق، وإلى الفوضى التي صنعها.
وقال بصوت هادئ، كمن يفاوض مصيرًا
"لن أجبرك يا سيرشا. القرار لكِ… لكن إن رفضتِ، سأقتل شريكِ."
سحبني أحدهم من شعري، ووضع السيف على عنقي.
شحب وجه سيرشا… حتى شفتيها ارتجفتا.
"لا… أرجوكم… لا تقتلوه…"
صرخت، رغم الدم الذي يملأ فمي
"ارفُضي يا سيرشا! أتوسل إليكِ! حياتي كلّها فداء لكِ… لا تهتمي بي!"
نظرت إليّ كمن يُلقى من حافة العالم.
همست
"نوح… لا أستطيع تركك تموت—"
قاطعتها، وقلبي يتمزق لأشلاء
"سأموت إن رأيتكِ مع رجلٍ آخر! هذا موتي الحقيقي! أتوسل إليك!"
غرس أحد الحرس سيفه في كتفي مرة أخرى.
صرخت، شعرت بالحديد يخدش عظامي.
زمجر الحارس
"اصمت! القرار لها!"
وبين الذعر، والدم، والسيوف المحيطة، رأيت سيرشا تنكسر.
نظرت إلى الدوق… ثم إلى أندروميدا… ثم إليّ.
انطفأت روحها.
قالت بصوتٍ ليس صوتها، صوتٍ أشبه بآخر ما تبقى منها
"أقبل… أن أكون محظيتك يا سيدي… فقط دع نوح."
شهقت، وصرخت من الألم الذي لم يكن في جسدي بل في قلبي
"غير معقول… هذا غير معقول!"
وفي تلك اللحظة، شعرت أن العالم انقسم نصفين
نصفٌ تحمله هي على كتفيها…
ونصفٌ سقط فوق صدري، ودفنني حيًّا.
لمحْتُها… اندروُميدا تهرب كما لو أنّ الأرض اشتعلت تحت قدميها. نزعت حذاءها العالي بارتجاف، وتركتْه يسقط خلفها كقيدٍ انكسر. ركضت حافيةً وسط الممرات الطويلة، لا أحد يلتفت إليها، لا خادم، لا وصيفة، ولا حتى الدوق الذي كان يعدّها متاعًا. بالنسبة لهم، كانت فتاة فقيرة تهرب من قدرها… لكنها كانت تعرف الحقيقة.
كانت تجري لأنها تحرّرت.
انتصرت أخيرًا.
بلغت الشرفة، والريح اندفعت بين خصلات شعرها كأنها تُبارك هروبها. رفعت رأسها نحو السماء، وخرج صوتها مثل كتلة ضوء انفجرت في صدرها
"أخيرًا… لقد فعلتها!"
فتحت ذراعيها، وعلى شفتيها ضحكة مرتجفة تشبه بكاء طفلٍ نجى من العاصفة. دموعها انحدرت بلا خجل، دافئة، صافية، تعلن أنها لم تعد المرأة المحبوسة خلف الأبواب الثقيلة.
"لم أعدُ تلك المرأة الحبيسة… ليس بعد اليوم!"