الفصل 34
عبودية الذهب و الطين
مرت خمسةُ أيّام بدت كأنها فصلٌ جديد من حياتها، فصل يزدهر فيه وجه سيرشا كل صباحٍ أكثر من السابق. كانت بشرتها تتلألأ كما لو اغتسلت بالضوء لا بالماء، وشعرها يتدلّى بانسيابٍ مدروسٍ كأن يدًا خفية تهتم بكل خصلة. ثيابها تتبدل كل يوم، ألوانها تتناغم مع ابتسامتها التي لم تفارقها منذ أن بدأت تشعر بأنها تعيش، لا تنجو.
كنت أراقبها بصمتٍ غريب، حتى وقعت عيناي على جوستاف. يقف هناك، بعينين متطفلتين، يحدّق فيها كما لو كان يتذكر ما ضاع منه أو ما لم يكن له يومًا. غلَت الدماء في عروقي. تقدّمت نحوه بخطواتٍ حادّة، والهواء بيننا مشبع بما لم يُقال.
قلت بصوتٍ يقطر غضبًا
"لماذا تحدّق فيها؟"
ابتسم بسخريةٍ وملامحه تفيض بالوقاحة
"لأن العيون التي في وجهي… هي ملكي."
اقتربت أكثر، صوتي صار كالنصل
"ومن تحدّق فيها بعيونك القذرة هي ملكي. إن رأيتك تقترب منها مجددًا، سأقتلع تلك العيون بنفسي."
تغيّر وجهه، الغضب يمتزج فيه باليأس، وقال بنبرةٍ مبحوحة
"نوح… دعني أتحدث إليها. أرجوك. هناك شيء يجب أن تعرفه!"
صرخت فيه
"ما الذي يجب أن تعرفه سيرشا دون علمي؟ أخبرني أنت، وسأوصل الرسالة بنفسي!"
أدار وجهه بعنفٍ كأنه يرفض الهواء نفسه، ثم قال بصوتٍ خانق
"على جثتي."
نظرت إليه مطولًا قبل أن أقول ببرودٍ دامٍ
"لك ذلك."
كنت على وشك أن أهاجمه، قبضتاي مستعدتان، لولا أن يدًا قوية أمسكت بمعصمي. التفتُّ لأجد السيد كريستوفر.
صرخت به
"أفلتني! لدي حساب قديم معه!"
قال بصرامةٍ تفوق قوته
"كان عبدًا، لكنه الآن أعلى شأنًا منك. إن آذيته، سأزجك في السجن. تعلم أن تضبط نفسك، يا نوح."
تراجعت خطوة، أتنفس بحدةٍ تكاد تحرق صدري، والغضب يشتعل في ملامحي كجمرةٍ تحت الجلد.
اقترب كريستوفر بخطواتٍ محسوبة، ووقف إلى جواري، ثم قال بهدوءٍ متناقضٍ مع ملامحه القاسية
"نوح، أليس هذا اسمك؟"
أجبته ببرودٍ متعمد
"أجل."
قال بنبرةٍ مائلةٍ للتأمل
"هل سمعت يومًا بمدرسة المصارعين؟"
هززت كتفي بلا اهتمام
"ربما. ولماذا تسأل؟"
ابتسم ابتسامةً ضيقة وقال
"لأنني أرى فيك قوةً غير عادية. ما رأيك أن تنضم إليها؟"
نظرت إليه طويلًا قبل أن أقول
"وماذا سأجني؟ حريتي؟"
"إن قبلت، سأشتريك بنفسي من المعسكر… وأحررك."
سكتُّ لحظة، ثم سألت بهدوءٍ موجع
"وماذا عنها؟"
نظرتُ نحو سيرشا التي كانت تتبع السيدة أندروميدا بخطواتٍ خفيفة، تتجه إلى مالك القصر كما تفعل كل يوم.
قال كريستوفر بعد ترددٍ قصير
"أتريد مني أن أقبل لامرأةٍ أن تصارع بين الرجال؟"
هززت رأسي نافيًا، ونطقت ببطءٍ كأنني أقطع وعدًا أمام السماء
"لن أتركها. إن بقيت عبدة، فسأبقى عبدًا."
تأملني طويلاً، ثم قال بنعومةٍ مباغتة
"تلك الفتاة… سيرشا… أتحبها؟"
نظرت أمامي، وصوتي خرج خافتًا لكنه ثابت
"أكثر من نفسي. سأبيع نفسي ألف مرة لأراها حرة وسعيدة."
ابتسم وقال
"سأحررها إن سجلتك في مدرسة المصاـ"
قاطعته دون تفكير
"أرفض."
تنهد، صوته يحمل شيئًا بين الإعجاب والأسف
"أنت عنيد، يا نوح. الرجال تحلم بهذه الفرص، وأنت تدفعها عنك."
قلت بهدوءٍ يشبه الجمر حين يوشك أن يخمد
"لن أعد نفسي رجلًا حتى أفي بوعدي لها. فقط حين أحقق لها ما وعدت، سألتحق بمدرستك."
رمقني بنظرةٍ طويلة قبل أن يدير ظهره قائلًا وهو يبتعد
"لا بأس، عد إلي متى شئت… الأبواب لا تُغلق في وجه من يعرف قيمته."
ذهبت سيرشا برفقة أندروميدا إلى مالك القصر، الرجل الذي يجيد ارتداء الودّ كقناع يخبّئ تحته نوايا لا تُحمد. كان يستقبلهم بابتسامة رحبة، لكنها لم تصل إلى عينيه. تلك العينان المنهكتان ظلّتا عالقتين بأندروميدا كمن يتأمل كنزًا ضاع منه طويلًا. لم يكن يُصغي حقًا لما تقول، بل يلاحق حركة شفتيها، وانحناءة عنقها، وطريقتها في الكلام، وكأن كل تفصيلة منها تستفزه بقدر ما تفتنه.
وقفت سيرشا جانبًا تراقب المشهد بصمت، لم تكن تعرف إن كان ما تشعر به دفئًا أم خوفًا. رؤية ذلك الرجل يُظهر اهتمامًا بصديقتها بثّت في صدرها طمأنينة غريبة، لكنها سرعان ما تلاشت حين لمحت القلق المخبّأ في ملامح أندروميدا. ذلك القلق الذي لم تستطع إخفاءه مهما حاولت التماسك، كأن قلب سيرشا التقط صوته الخافت من بين الضحكات.
وحين نهضت أندروميدا استعدادًا للمغادرة، اخترق صوته الأجواء الثقيلة
"غدًا... سأختار محظيّتي من بينكِ ومن بين بضع نساء أخريات، وأظنّ أن قراري واضح في عينيّ."
تجمّدت للحظة، ثم أجابت بابتسامة مرتجفة تخفي اضطرابها
"سـ... سيدي، يشرفني ذلك."
كانت على وشك الانصراف، لكن صوته عاد، هذه المرة أكثر فضولًا
"وهذه؟ أهي خادمة جديدة؟"
أشار بيده نحو سيرشا. أجابت أندروميدا بنبرة هادئة، متعمّدة أن تخفف حدة النظرات
"نعم، سيدي... لكنها أكثر من خادمة. إنها صديقتي، بل أجرؤ على القول إنها كالأخت لي."
ارتسمت على وجه الرجل ابتسامة لينة، ومعها قال
"يسعدني سماع ذلك... لا أذكر أنني رأيتها من قبل."
تسارعت أنفاس سيرشا للحظة، فهي كانت ترافق سيدتها مرارًا. ربما كان مظهرها الجديد، شعرها المصفّف بعناية، وثوبها النظيف، ما جعله لا يتعرّف عليها. لكنها شعرت كأنها تُعاد إلى الحياة في عين غريب، وكأنها لم تكن مرئية من قبل.
انحنت أندروميدا مودّعة، ثم غادرت بخطوات متزنة تخفي رجفة في كعبيها. وما إن تجاوزتا البوابة حتى بادرت إحدى الخادمات بفرح طفولي
"سيدتي! لقد أحسنتِ التصرّف، غدًا سيختاركِ السيد بلا شك!"
ضحكت أندروميدا ضحكة خفيفة وهي ترد بثقة مصطنعة
"يمكن للمرأة أن تجذب أي رجلٍ تشاء، فقط إن عرفت كيف تتصرّف."
انفجرت الخادمات ضاحكات، إلا سيرشا. كانت صامتة، تنظر إلى صديقتها وهي ترى خلف تلك القهقهات وجهًا آخر... وجه امرأة تحاول أن تنجو بثوب من الغرور قبل أن تبتلعها النار.
حلّ المساء بلطفٍ كئيبٍ على القصر، والهواء يسحب في نسماته رائحة الورد المبلول، كأن الليل يغسل ما تبقى من النهار.
في الداخل، كانت سيرشا تنحني فوق فراش أندروميدا، ترتّب الأغطية بعناية مفرطة، حتى بدت كمن يرمم شيئًا مقدسًا. الحرير يتلوى بين أصابعها النحيلة فيخضع، وكل حركة منها تحمل أثر امرأةٍ اعتادت الطين والخشونة، لكنها وُلدت وفي داخلها حنينٌ للنظام والجمال… شيء يشبه ما كانت أمها تفعله ذات زمنٍ بعيد.
تجوّلت بنظراتها في الغرفة، تعدّل الستائر، تُنزل الوسادة قليلًا، ثم اتجهت إلى الخزانة وسحبت منها غطاءً ناعمًا كأنفاس الرضيع. خرجت نحو الشرفة المنخفضة، حيث جلست أندروميدا، بثيابها الخفيفة، تحدّق في الحديقة التي غمرها ضوء القمر، كأنها غارقة في حوارٍ صامتٍ مع الظلال.
اقتربت سيرشا بخفة، وضعت الغطاء على كتفيها برفقٍ فيه أمومةٌ غامضة، ثم انحنت قليلًا وقالت بصوتٍ خافت
"سيدتي… هل ستبقين في الخارج؟ رتّبت كل شيء."
رفعت أندروميدا وجهها، وبدت عيناها كشمعتين ذابلتين. همست
"يمكنكِ الرحيل إن أردتِ…"
كادت سيرشا أن تنسحب، لكن شيئًا في صمت الليل استوقفها، شيء في الهواء يشبه نداء الخوف. التفتت وقالت بهدوءٍ حذر
"أندروميدا… أظن أنكِ منزعجة."
رفعت الأخرى رأسها بتعجبٍ طفولي،
"كيف عرفتِ؟"
ابتسمت سيرشا وهي تشيح ببصرها
"ربما أقرأ الوجوه أفضل من الكتب."
نهضت أندروميدا ببطء، كمن تُرغمه الذكريات على الوقوف. كانت عيناها محمرتين من أثر البكاء، والارتجاف الخفيف في أنفاسها فضح ما لم تقله بعد. قالت بصوتٍ مبحوحٍ يشبه الهمس
"لا أعلم ما الذي دهاني يا سيرشا… أظن أنني فقدت عقلي تمامًا."
اقتربت سيرشا منها دون تردد، كأنها تخاف أن تتركها تسقط في صمتها. مدت يدها وأمسكت بكفها الباردة، وقالت بلطفٍ حذر
"يمكنكِ أن تخبريني. ما الأمر؟ أ تهابين فكرة أن تصبحي محظيةً لمالك هذا القصر؟"
تنفّست أندروميدا بعمقٍ متعب، ورفعت رأسها نحو السماء. النسيم تلاعب بخصلاتها الشقراء فبدت كوميضٍ ذهبي تحت ضوء القمر. قالت بصوتٍ خافت، لكنه مشحون بالاشمئزاز
"ليس الأمر أنني أهاب أن أُستخدم لصالحه… بل أهاب فكرة السجن في أحضانه القذرة."
أمالت رأسها قليلًا، نظرت إلى سيرشا بعينين تائهتين بين الغضب والاستسلام، وقالت
"والدي سمّاني بهذا الاسم لأنه كان يعلم مصيري منذ البداية."
استدارت مبتعدة، كأنها تهرب من عينيها، وأكملت بنبرةٍ أكثر ثقلًا
"وُلدت في قريةٍ فقيرة. لستُ ابنة رجلٍ غني ولا دوقٍ رفيع. والدي فلاح بسيط، يتقاضى أجر يومه بالكاد. كل أهل القرية كانوا يرون فيّ جمالًا نادرًا… لكن والدي وحده رآه لعنةً ستجلب الخراب."
سارت خطواتٍ بطيئة في الشرفة، وانحنت تلامس بأناملها أزهار النرجس البيضاء، كأنها تستمد منها بعض الطمأنينة. أكملت بصوتٍ مختنق
"ذلك الرجل رآني أعمل بجانب والدي. قال له إن طفلته فائقة الجمال، وإنه يريد أن يعلّمني آداب القصر لأصبح محظيةً له. أبي رفض بعنادٍ، فهدده بالقتل… ثم أخذوني منه قسرًا."
ارتعشت أنفاس سيرشا للحظة، ثم سألتها بقلقٍ أمومي
"وماذا عن والدتكِ؟"
ضحكت أندروميدا بمرارةٍ هادئة، وقالت وهي تشيح بوجهها
"ما أدراي؟ يقولون إنها هربت بعد أن أنجبتني، لأنها كانت تريد صبيًا."
ساد صمتٌ قصير قبل أن تسأل سيرشا، بصوتٍ أكثر حذرًا هذه المرة
"وهل… ما زلتِ تعرفين أين والدكِ الآن؟"
ابتسمت أندروميدا بحنانٍ يختلط بالحسرة
"أراه أحيانًا حين نمر بجانب مزرعته. يبدو حزينًا، وحيدًا… أشتاق إليه كثيرًا."
اقتربت منها أكثر، حتى التقت نظراتهما عن قرب، وقالت بابتسامةٍ حزينة تنزف من بين كلماتها
"أنا وأنتِ واحد يا سيرشا. كلتانا عبدة، لكن عبوديتي ملوّثة بالذهب، وعبوديتكِ ملوّثة بالطين."
تنهّدت بعمق، ثم أضافت بصوتٍ متعبٍ كأنها تلفظ حقيقةً تعرفها منذ زمن
"لا أريد أن أكون عبدةً بين يدي هذا الرجل."
خطت ببطء نحو باب الشرفة، وقبل أن تدخل الغرفة، التفتت نحو سيرشا وضحكت ضحكةً قصيرة، كأنها تحاول كسر ثقل اللحظة، وقالت
"لكن… ما بيدي حيلة."
ثم مضت تاركةً وراءها نرجسًا يرتجف في الريح، وامرأةً أخرى تفكر في كمّ الحيل التي لا يملكها العبيد حين يُولدون في القيد.