الفصل 1
شكل مشوّه دائري
مشهد رتيب، مشهد رتيب، مشهد رتيب.
لِم السماء تقطر دمًا؟
لِم الشمس تسقط؟
لِم يحتلها الضياء؟
مرّ نسيم يهزّ الحشائش برقة، ينتقل بخفة بين أوراق الشجر وأغصانها، يصنع موسيقى الطبيعة ويحرّك اسراب الطيور المغازلة.
يرتفع تارة ويلمس السماء، ينخفض أخرى ويداعب مياه النهر المتدفقة.
في هدوء غريب، توجّه نحو جبل والتف حوله، حيث انبسطت الأرض خلفه ناسجةً سهلًا واسعًا ملونًا بزهور ونباتات. متفاوتة الألوان، كأنها تحاول تقليد قوس قزحٍ كانت قد رأته وأعجبت به.
انخفض النسيم، ليجعل حشائش الحقل تتقوس وتتمايل، ثم فجأة انتفض نحو الغيوم.
بحركته المفاجئة، كان قد جعل الحشائش تنقبض وتتسطح قليلًا. غير مدركٍ أن انتفاضته هذه هزّت حشرة متمسكة بصعوبة على إحدى أسطح عشب متقوس.
كانت خائفة، ترتجف. كانت قد هربت لتوها من قطيع من الحشرات المهاجمة، ورأت أملها يقبع في العشب العالي هذا.
في ذعرها، سمعت صوتًا ثقيلًا يقترب بسرعة. وقبل أن تدرك، كانت قد سحقت تمامًا. كانت أحشاؤها قد فرغت، ووعيها تسطح، تمامًا كالعشب الذي رأته كأملها.
فوقها، كان فتىً يركض وهو يلاحق النسيم اللطيف. غير مدركٍ، وربما غير مهتم بالعشب الذي سحقه، وما يحتمي به.
تعابيره، مسترخية عندما ضربه النسيم والتف حوله.
أغمض عينيه عندما قابله النسيم، تباعدت زوايا شفتيه تعبيرًا عن السعادة والحرية. اهتز أنفه قليلًا متحسسًا عبق الزهور بينما استشعر جلده برودة خفيفة منعشة.
" أختِ، اقتربي! الهواء هنا جميل جدًا! "
خلفه بمسافة، كانت فتاة صغيرة تركض وهي تبتسم بعفوية وترفع رداءها عن التراب.
خصل شعرها الحريرية، ترقص خلفها مشاركة سعادتها وتنسج معها صورة بريئة نقية مليئة بالحيوية.
" آتية! انتظرني، أخي! لا تجعل الهواء يذهب بعيدًا! "
فتحت شفتيها الحمراوين الصغيرتين بلطف، وأطلقت لحنًا وضع اللمسة الأخيرة على مشهد الطبيعة وتكامل مع عصافيرها.
عندما وصلت، كان النسيم قد حلّق معظمه بالفعل، مما أضفى طابع العبوس على وجهها الصغير. حاجباها الصافيان تقاربا من عينيها المتلألئتين.
" أخي... لماذا ذهب النسيم؟ لِم لَم تمسك به... " في نهاية الجملة، حمل صوتها الرقيق نبرة العتاب الخفيف.
أنزل الفتى رأسه نحو أخته ونظر بعين متأملة، انحرفت زوايا عينيه وحمل تعبيرًا مُحِبًّا ومليئًا بالعاطفة.
" لأن الريح حرّة، ولا شكل لها! أخوكِ لطالما أراد الإمساك بالرياح، لكنه فشل دومًا... وإلا، لكنتُ أهديتكِ رياح هذه الدنيا جميعها! " حملت نبرته في النهاية نوعًا من السخرية والحب.
ببطء، تعالت خيوط نور بيضاء نحو السماء. تنشر تناقضًا عتيقًا بين النور الأبيض الهادئ والأرض المظلمة.
تحت نورها، انعكس شكل دائري مشوّه على بركة صغيرة.
فجأة، تماوج الشكل وخفت بريقه قليلًا. كان هناك فتىً يحمل دلوًا صغيرًا عند حافة البركة.
" كان هذا اليوم منعشًا حقًا. عندما أتذكر الآن، كانت أختي لطيفة جدًا! من شدة لطافتها أود عضها هيهي " ابتسم الفتى بخفة وهو يفكر.
" من مساعدة والدي إلى اللعب في الحقل لساعات. أتمنى لو أن هذه اللحظات تبقى للأبد... " تنهد وهو ينظر للسماء.
على عينيه، ظهر شكل دائري مشوّه قليلًا، الذي اختفى عندما رمش ونظر بعيدًا.
" كفى تفكيرًا، يجب أن أعيد المياه الآن. "
تواجدت البركة بعد منعطف جبلي قصير بعض الشيء، لذا لم تكن العودة طويلة. بعد بعض الوقت، ظهر أمامه حقل كبير.
عند رؤيته، شعر الفتى بالاسترخاء قليلًا. لكن هذا لم يمنعه من مواصلة السير والعودة.
عندما انتهى الحقل، كان أمامه منزل بفناء واسع. كانت جدران الفناء متآكلة والباب نصف مفتوح.
دخل وأغلق الباب ثم أوصده.
لم يكن المنزل كبيرًا، بضع غرف نوم ومعيشة وغرفة لخزن المياه.
توجّه الفتى نحو المخزن وسكب الماء. الآن، شعر بالراحة.
" سأنام أخيرًا! "
على صوت زقزقة العصافير، وغناء الأشجار المتلاطمة، جلس رجل في منتصف العمر على طاولة وسط فناء متآكل.
كان يشرب الشاي، وأمامه وجبة من الرز.
عندما شرب قليلًا وأخفض الكوب، نظر الى الأمام.
جلس أمامه فتىً وفتاة، يتناولون وجبتهم. الفتى، كان يأكل ببطء نوعًا ما. بينما الفتاة أكلت بسرعة وكأنها الوجبة الأخيرة في حياتها.
كان منظرها لطيف للغاية، وساخر.
وأيضًا، كان هذا سبب بطؤ الفتى بالأكل. بدلًا من الأكل، ظلّ ينظر اليها ويبتسم وأحيانًا يطلق ضحكة مكتومة.
ظهر تعبير حنون على وجه الرجل، وضحك بخفة.
" أبي! لماذا تضحك؟ " قالت الفتاة وهي تنظر بعيني الرجل.
" وهل من يراكِ يستطيع أن يتمالك نفسه من ظرافتك؟ أنظري، أخوكِ يكاد يختنق بالأرز من شدة الضحك. " قال الرجل بسخرية بينما تحولت عيناه الى الفتى.
فور أن سمعت الفتاة قول أبيها، نظرت بصرامة ظريفة نحو أخيها، الذي تجمد وجهه للحظة قبل أن ينفجر ضاحكًا.
انتفخت وجنتا الفتاة، وشعرت بالإهانة قليلًا عندما هاجمت أخاها بالكلام.
بعد فترة من القتال اللفظي، قال الرجل بحزم " يكفي! إذا كانت لديكما هذه الطاقة للجدال، فهذا يعني أنكما قد أكلتما بما يكفي. الآن نظفا المكان واذهبا للاعتناء بالمحاصيل. "
توقف الفتى والفتاة فور سماعهما قول الرجل، ثم اعتذرا وقاما بالتنظيف.
خلف المنزل، تواجد جدول صناعي يغذي حقلًا زراعيًا متوسط أو صغير الحجم نوعًا ما.
ذهب الرجل هناك أولًا، ثم تبعه الصبيان للاعتناء بالحقل وتنظيم المحاصيل.
" أخي، متى سنذهب للمدينة؟ سمعت من باقي الأطفال أنها مذهلة جدًا وفيها أشياء جميلة وجديدة كليًا لم نرها من قبل! " بينما كانوا يعملون، اقتربت الفتاة من الفتى وسألت بترقب وحماس.
" ليس صعبًا أن نذهب حقًا... أود رؤية المدينة أنا أيضًا. سمعت أن فيها ما لذ وطاب من الأشياء! لكن أبي يصرّ على عدم الذهاب... لا أعلم ما السبب. كلما سألته تجاهلني ولم يرّد! هذا يغيظني أحيانًا. "
" إذن سنبقى هنا إلى متى... بقية الأطفال يسخرون مني همف! " صرخت الفتاة بغضب ظريف.
" قد يكون هناك فرصة، سأسأل والدي الليلة... علّ وعسى أن يوافق! " في نهاية الجملة، أصبحت نبرة الفتى متأملة.
أجابت بأنين منخفض، بعد قول الفتى " دعينا نكمل الآن العمل، لا زال هناك جهد كبير! "
تحت خيوط النور المضيئة مجددًا، انعكس شكل دائري مشوّه على ماء في كوب.
فجأة، تماوج الشكل واختفى. كان الرجل قد رفع الكوب للشرب.
" أبي، هل يمكننا زيارة المدينة؟ أختِ تتطلع بشدة وتتوق لرؤيتها، وأنا كذلك! أرجوك، دعنا نلقي نظرةً عليها لمرة واحدة على الأقل! " قال الفتى سائلًا.
كانا جالسين على الطاولة، الرجل يشرب الماء بينما الفتى يشتكي ويطلب.
حدّق الرجل بالفتى، واستمع لكل كلامه.
عندما انتهى، أعطاه نظرة غير مبالية.
" لا. " قال.
شد الفتى على أسنانه، وأصبحت نظرته أحد قليلًا.
" لِم؟! إذا كنا لن نذهب، فاخبرني بالسبب على الأقل! ألا تعتبرني ابنك؟! " صرخ الفتى بصوت منخفض.
" لهذا السبب بالذات لا أود أن أجعلكم تذهبون للمدينة... " تنهد الرجل ووضع الكوب على الطاولة.
مجددًا، انعكس الشكل الدائري المشوّه على ماء الكوب.
شدّ الفتى انتباهه، وشعر بالقلق، كانت هذه اول مرة يقول فيها أبوه شيئًا بخصوص المدينة.
" ستخدعون بالمظاهر الموجودة هناك، ثم ستتمردون على حياتكم هنا وعلى الزراعة. ثم ستصفونني بالفلاح الفقير وتتركونني هنا وحدي. "
" مثلما فعلت والدتكم... " هذه الجملة لم تخرج أبدًا، بقيت عالقة في ذهنه فقط.
" أنتَ كبير بالفعل، ويجب أن تفهم الآن. "
" إذا أردتَ الذهاب، إذهب. لكن فلتعلم أنني لم ولن أقبل. " قال الرجل بصرامة جادة.
غارقًا في حيرة، أنزل الفتى رأسه.
كان قد توقع أن هناك سببًا قويًا يمنع والده من اصطحابهم للمدينة، لكن لم يظن أبدًا أنه سيقول هذا.
حتى أنه قد فكّر أن هناك أعداء او لصوص ينتظرونه في المدينة.
ليظن أنه كان قلقًا عليهم فقط... " أشعر بالعار... "
" أمم... أبي... أنا آسف... " بقي رأس الفتى منخفضًا.
لم يرد الرجل، استدار وغادر.
بقي الفتى وحده، يفكر.
وانعكاس الشكل الدائري المشوّه على ماء الكوب لا يزال موجودًا.
لا تزال الخيوط المنيرة في السماء متواجدة.
تحت نورها، انعكس شكل دائري مشوّه على بركة صغيرة.
فجأة، تماوج الشكل وخفت بريقه قليلًا. كان هناك فتىً وفتاة يخطون على حافتها.
" أختِ، سنذهب الآن للمدينة! لقد وافق أبي، قال أنه سيصل قبلنا، يجب أن نذهب الآن. "
هذا ما قاله الفتى للفتاة قبل أن يصلوا للبركة.
كان الطريق إلى المدينة يقع خلف البركة، لذا كان عليهما الآن الالتفاف حولها.
كانت الفتاة متحمسة للغاية، فارتدت أجمل ثيابها، وغنّت طوال الطريق وهي تمشي بسعادة غامرة.
كانت تعابير الفتى سعيدة أيضًا لرؤيته الفتاة سعيدة للغاية.
" لا أظن أن مجرد زيارة ستجعلنا نهجر أبانا. " فكّر الشاب، ثم نظر نحو الفتاة " سعادتها، مجرد سعادتها هي سعادتي، لا يمكنني أن أمنعها، ولو كلفني ذلك غضب والدي عليّ! "
نظر نحو السماء، فانعكس شكل دائري مشوّه على عينيه. اختفى عندما رمش، ونظر بعيدًا.
فجأة، سمع شيئًا، النظر له جعله يتجمد في مكانه.
كانت الفتاة على بعد خطوات منه.
لم يلحق أن يفكر، بدون استيعاب، بدون شعور، بدون أي شيء. فقط هوس واحد، " أختي! "
قفز نحوها، دفعها.
ثم، انتشرت الأشلاء مع صوت تحطم ضخم.
المكان الذي كانت الفتاة تقف فيه، أصبح عبارة عن صخرة عملاقة متحطمة مع سائل قرمزي عليها وعلى الأرض.
حول الصخرة، اختلطت العظام مع الطين والدم.
كانت الأحشاء منتشرة حول المكان، ودماغ الفتى قد انفجر من رأسه وبقاياه قد رميت في البركة.
ارتدت الفتاة تعبيرًا مرعبًا، لم تلحق أن تستوعب قبل ان يرمى عليها جزء من الدماغ واللحم والدم وشظايا العظام.
سرعان ما أغمي عليها وغرقت في البركة.
تسرّب الدم للبركة، وظهر انعكاس الشكل الدائري المشوّه بشكل أحمر دموي.
" مثل الحشرة، مثله. " قال نسيم ريح لطيف متدفق فوق الصخرة، منتفضًا نحو الغيوم.
قبل أن تتلاشى الكلمات، كان العالم قد ذاب.