الفصل 2
على الأقل، تَجَنَبَ الموت.
مرّ نسيم يهزّ الحشائش برقة، ينتقل بخفة بين أوراق الشجر وأغصانها، يصنع موسيقى الطبيعة ويحرّك أسراب الطيور المغازلة.
يرتفع تارة ويلمس السماء، ينخفض أخرى ويداعب مياه النهر المتدفقة.
في هدوء غريب، توجّه نحو جبل والتف حوله، حيث انبسطت الأرض خلفه ناسجةً سهلًا واسعًا ملونًا بزهور ونباتات. متفاوتة الألوان، كأنها تحاول تقليد قوس قزحٍ كانت قد رأته وأعجبت به.
انخفض النسيم، ليجعل حشائش الحقل تتقوس وتتمايل، ثم فجأة انتفض نحو الغيوم.
بحركته المفاجئة، كان قد جعل الحشائش تنقبض وتتسطح قليلًا. غير مدركٍ أن انتفاضته هذه هزّت حشرة متمسكة بصعوبة على إحدى أسطح عشب متقوس.
كانت خائفة، ترتجف. كانت قد هربت لتوها من قطيع من الحشرات المهاجمة، ورأت أملها يقبع في العشب العالي هذا.
مدّت أذرعها وغرستهم في العشب، وتمايلت أكثر فأكثر مع الريح العاتي.
تمايل العشب حتى كاد يلامس الأرض حين ارتفع تدريجيًا، فصاحت الحشرة مرعوبةً وهي تسقط من العشب وتهرب.
حول بركة هادئة، يتماوج فيها شكل دائري غير واضح، انضغط تراب شاطئها وجلس فتىً ينظر نحو نهايتها.
" هذه المرة، لا بدّ لي من فعلها. " تحرك حاجبا الفتى واقتربا من بعضهما.
" بشأن تلك الصبية والرجل الخرف... "
" لا علاقة لي بهم. "
من نور ذهبي يتصل بالسماء، تنتقل خيوط رفيعة نحو جدول مائي داخل سهل جبلي.
على أحد جانبي الجدول، اندفعت المياه نحوه أكثر. كانت فتاة صغيرة تحفر مسارًا صغيرًا.
رفعت يدها ومسحت عرق جبينها، ثم نظرت بعين نصف مفتوحة نحو الشمس.
تحت نظرتها المتأملة، كان هناك قلق عميق.
لم تتكلم، لكن استأنفت العمل بمشقة أكبر.
داخل قلبها، كان شعور بالخوف يتزايد.
" أخي... مرعب... "
تحركت أوراق الأشجار بصعوبة، لم تكن هناك رياح قوية اليوم.
رغم أن هذا سَلَبَ متعة الأوراق وبهجة الأشجار، إلا أنه منح الهدوء والراحة للعصافير سكنة الأغصان.
في سكون الليل، سكتت العصفورة ورتّبت العش ثم جلست على بيضها. كانت تنتظر العصفور لجلب الطعام.
غير عارفة، أن العصفور كان قد امتلأ رعبًا وهو يطير بكامل طاقته.
قبل قليل، كان قد سمع صراخًا وهو يطير فوق سهل جبلي. صراخًا أعطاه شعورًا بالموت.
في فناء بسيط، كانت فتاة لطيفة المظهر والجسد تتلوى الآن بالألم النفسي وتصنع عينها شلالًا بينما تحدق بحقد وخوف عميق.
كانت جالسة على الأرض، يديها على الأرض ترفع جذعها وركبتيها مرفوعتين.
أمامها، استلقى رجل في منتصف العمر، يبدو مذعورًا، على الأرض.
عيناه مفتوحتان على مصراعيهما، بينما شعور بالبلل والبرودة كان يسير على طول جسده.
عقله، لأول مرة، رفض أوامره.
وكأنه في هذه اللحظة، وجد الحرية، ووجد فرصة للتحكم.
كأن، حتى جسده، كان يتوق لخيانته.
عيناه، غير مصدقتين، تنظران إلى الفتى أمامهما.
" فهمت الآن؟ إياك، وألف ألف إياك، أن تظن أنّك قادر على سجني هنا، والتحكم بي، وفرض أوامرك. منذ هذه اللحظة، أنا لست ابنك، وأنت لست أبي. "
" منذ هذه اللحظة، لا علاقة لي بكم. "
في نفس الوقت، الفتاة، أقشعر جسدها وشعرت بانتفاضة تنتشر من أخمص قدميها حتى رأسها.
شعرت، لأول مرة، أن جسدها ليس ملكها.
شعرت، أن روحها سُحبت منها.
كانت عينا الفتى، قد نظرت نحوها. التقت عيناهما.
سقطت على الأرض بشكل كامل، والأنفاس تهرب منها.
حول بركة هادئة، يتماوج فيها شكل دائري غير واضح، انضغط تراب شاطئها بفعل مشي فتى.
كان يحمل حقيبة مهترئة، نظرته حادة كالنصل، وتحركاته تعبر عن حذر شديد.
فجأة، رُميت الحقيبة في الهواء.
تحركت أقدام بسرعة.
مع صوت صراخ جحيمي مكتوم جزئيًا، تحطمت صخرة ضخمة.
قفز سائل أحمر لوجه وجسد الفتى.
التصقت قطع لحم مفروم بساقه.
سُحقت قدم الفتى تمامًا.
لكن، على الأقل، تجنب الموت.
عينا الفتى؟ صُبغت بالقرمزي منذ زمن.
شعر بجسده وكأنه قلب كبير، ينبض.
كل نبضة، تأتي مع موجة تشبه طعن وقطع شفرات في اللحم ونخر العظم.
أسنانه؟ كانت ملطخة بالدم.
كان قد ثقب لسانه قبل قليل بالخطأ، من شدة وبأس النبضات.
لكنه، على الأقل، تجنب الموت.
" نعم، لقد تجنب الموت بالفعل، أليس كذلك؟ "
قال نسيم ريح مار، ثم انتفض نحو السماء.
أمسك الفتى ساقه، كانت حياته تمر أمام عينيه.
من ولادته، إلى مشاكل والده ووالدته، ثم إلى طرد والده لوالدته، حيث بدأ شرخ يتزايد بينه وبين أخته ووالده.
كان يريد الالتحاق بوالدته، كان يريد أن يشعر بحضنها مجددًا.
كان... يريد فقط الحب.
والعاطفة العائلية.
لم يعرف الفتى كم نام، لكنه لم يستيقظ مجددًا.
من استيقظ، كان حيوان شبع للتو من وجبة مجانية.
نزل نسيم الريح، توقف للحظة، ثم أكمل مسيره.
مجددًا، ذاب العالم.
في مدينة قليلة الصخب، انتقل رجل بالغ بين الأزقة.
داخل زقاق سهل الضياع فيه، مدّ يده " هذه هي المعلومات عن سيد عائلة يانغ، وقمت بالفعل بنشر ما طلبت. أين المال؟ " قال الرجل البالغ.
من الظلال، خرج رجل آخر، ممتلئ الجسم قليلًا " هذا أجرك " رمى كيسًا بعيدًا.
أسقط الرجل البالغ الورق الذي يحمله، ثم أسرع راكضًا نحو الكيس.
عندما انحنى لالتقاط الكيس، شعر أن غيمة استولت على رأسه، ثم سقط أرضًا.
" حتى الحثالة تطالب بالمال؟ هههه " فكر الرجل ممتلئ الجسم، ثم أخذ كيس المال.
" المال!! "
" ذلك اللعين!!! "
تذكّر الرجل البالغ ما حدث.
جلس متقاطع الأرجل، وهو يفكر.
كان داخل زقاق مهجور، حوله كومة خرابات وقمامة.
" لا يمكنني فعل شيء فوق هذا... أنا لا أعرفه حتى! "
" لم يكن مبلغًا كبيرًا أصلًا! ماذا تعني لهم بضعة أحجار؟ "
" أوه، شياو يوي، لقد أتيت. ماذا هناك؟ "
وسط حيرته، سمع الرجل البالغ صوت خطوات يقترب.
" أخي الكبير باو... ليس هناك طعام اليوم؟ " كان شياو يوي المزعوم، مجرد شاب مشرد.
تجعد وجه الأخ الكبير باو، تأخر قبل أن يجيب بتنهد " كان يفترض أن تحصلوا على وجبة جيدة اليوم، لكن... "
" لكن؟ "
" حسنًا... لقد تمت سرقتي. " بمواجهة نظرة شياو يوي المتطلعة، لم ينوِ الكذب.
" سرقتك...؟ مجددًا؟ "
" نعم، الأمر هكذا. " لم يبدُ الأخ الكبير باو خجلًا كثيرًا.
" أمم... أظن أن الخبز لدينا سيكفينا ليوم آخر، إذا لم نستطع كسب شيئًا ما غدًا، ربما سنتضور جوعًا لباقي الأيام. " قال شياو يوي بخجل وإحباط بينما يخفض رأسه.
" لا تقلق، لقد وجدت طريقة لكسب وجبة جيدة، إنها سر، فلا تخبر إخوتك وأخواتك الصغار عنها، هذا وعد، حسنًا؟ "
رفع شياو يوي رأسه، كان ينظر إلى الأخ الكبير باو بعدم تصديق " مهلًا، أأنت جاد؟ "
" بطبيعة الحال! اترك الأمر لأخيك الأكبر يا طفل! " قال باو وهو يضرب صدره.
" رغم أنني قلت هذا لشياو يوي... إلا أنه ربما أدرك بالفعل ما سأفعله... " تنهد باو.
محدقًا بكشك يبيع المعجنات، ارتدى باو أردية مهترئة تخفي جسده ثم تمشى حوله.
بينما كان البائع منشغلًا بترتيب أغراضه، مر باو كالشبح وأخذ كمية كبيرة من الأغراض على الأرض.
عندما انتبه البائع، كان باو قد اختفى داخل الأزقة بالفعل.
" ابن ال... أعد الأغراض!! يا داعر!! "
" كنت أتوقع هذا! ستندم! "
صرخ البائع بغضب واحتقان.
في إحدى زوايا المدينة، بين الأنقاض والأكواخ المهجورة، كانت غرف وحجرات متماسكة بالكاد.
اقترب باو من هذه الغرف، عندما لمح من بعيد شياو يوي يلوح له.
" لقد سرقتها، صحيح؟ " قال شياو يوي بسخرية.
" إذا كنت تعرف، لِمَ تسأل؟ "
تبادل الاثنان الضحكات، قبل أن ينادوا على الأطفال في الحجرات.
خرج من كل غرفة وحجرة أعداد متفاوتة من الأطفال، مختلفين بالأعمار والشكل.
بعضهم خرج وحده، بعضهم خرج مع طفل آخر، والبعض الآخر خرجوا ثلاثة، وكان هذا العدد الأقصى.
أعمارهم متفاوتة، غالبًا ما حصل ذوو العمر الأكبر على حجرة وغرفة منفردة، كلما صغر العمر كثر العدد في الحجرة أو الغرفة.
كانوا مستميتين، ينظرون بعاطفة نحو شياو يوي وباو، صرخوا بامتنان " الأخ الكبير باو، الأخ الكبير شياو يوي! مرحبًا بعودتكم! "
ركض نحوهم الأطفال الأصغر سنًا بلهفة، فاستقبلاهم بالأحضان والمديح.
صعد الأطفال على ظهر باو، لكونه كبيرًا، بينما تقافز الآخرون حول شياو يوي.
كان منظرًا جميلًا ودافئًا.
أخذ باو الأغراض ثم فتحها فانتشرت رائحة عطرة.
رائحة الخبز والكعك والمعجنات باللحم، كانت كلها رائعة جدًا.
سرعان ما ترك الأطفال باو وشياو يوي وتوجهوا نحو المعجنات للتسابق عليها.
صرخ باو " انتظروا انتظروا! كل سيحصل على حصته، لا تتدافعوا! هاي، ماذا تفعل؟؟ اترك ملابس أخيك! إنها ليست الخبز! "
ضحك شياو يوي بحرارة، ثم رتبا الأطفال وأعطوهم مؤنهم للأيام القادمة.
" هذا المكان، رغم أنه منبوذ ولا يوجد أحد يهتم به، إلا أنه بالنسبة لي، أهم من أي منزل أو قصر أو عائلة مزيفة... " قال باو، وهو ينظر لغروب الشمس.
" أوافقك الرأي، كلانا تربينا هنا. أتذكر كم اعتنيت بي، وكم سرقت أدوية وطعامًا لتطعمني... عائلتك لا زالوا لا يعترفون بك صحيح؟ " سأل شياو يوي، كان هناك لمعان ذهبي على عينه.
تجعدت ملامح باو وأصبح صوته غير مبالٍ " حسنًا... عائلتي؟ هم يظنونني ميتًا. على أي حال، لا أحد منهم مهتم بي. لقد أقاموا حفلًا عندما غادرت العائلة. "
" وماذا عن والدك؟ والدتك؟ " تعجب شياو يوي، كان هناك نبرة غضب في صوته.
" والدي ووالدتي؟ ههههه، هم أول من طالبوا بطردي! " حملت نبرته أثرًا من الحزن.
" ماذا؟ كيف...؟ كيف حدث هذ..- " قبل أن يكمل سؤاله، سمع صراخًا قادمًا نحوهم.
" تطبيقًا لقانون المدينة، وبطلب من السيد الفخور رئيس عائلة يانغ، أطبق حكم الإعدام على اللصوص! "
انتفض باو وشياو يوي بسرعة، شعرا بحرارة تتصاعد في رؤوسهم، وكأن فرنًا اشتعل.
" ماذا تفعل! " صرخ باو بغضب، ثم ركض نحو مصدر الصوت.
لكن عندما رأى ما يواجهه، توقف.
توقف، وتوقفت معه أيضًا نظرته، على فرقة من الجيش أمامه.
" هل كان ضروريًا إرسال الجيش للقضاء على اللصوص؟!! " صرخت أفكار باو.
ليس الأمر أن عدد الجنود كبير، فهو عشرات على الأكثر.
إنما أن فرقة الجيش مسلحة ومدججة بالدروع والأنصال.
وماذا لديه؟ هو، وشياو يوي، ومجموعة أطفال.
هل سيدافع عن نفسه بأطفال؟
" هذا غير منطقي! لماذا يرسلون فرقة من الجيش! " فكر شياو يوي.
" تبدأ الآن عملية القضاء على اللصوص، انتشروا! "
بغمضة عين، كان الجنود انتشروا بالفعل وقبضوا على شياو يوي وباو.
لقد دافعا، وقاوموا الجنود. لكن ما قيمة الكفاح البشري المجرد، ضد جنود مسلحين مدرعين مدربين؟
" بلا قيمة! " قال نسيم مار.
أمام أعينهم، كان الأطفال يتم تطهيرهم.
ذلك الذي انسلخ جلده، وذاك مقطوع الرأس وهذا الذي أصبح مفرومًا تحت أقدام الجنود...
لم يتحمل شياو يوي، فضرب رأسه بقوة بالأرض حتى نزف. لكن الجندي أوقفه.
متحديًا، ضرب شياو يوي رأسه بدرع الجندي، فما كان من الأخير إلا أن سحق دماغ شياو يوي.
مما جعل درع الجندي مليئًا بالأنسجة النابضة واللحوم الطازجة.
أما باو، فتم قطع رأسه قبل أن يشهد موت شياو يوي.
مجددًا، ذاب العالم.