الفصل 3
أيتها الشجرة، أحضرت لك الغداء.
" ضوء الشمس كثير... "
خيوط ذهبية مشعة غاضبة تحاول اختراق أصابع رجل، لكن الأصابع لطالما اعتادت الحرارة والغضب، لم يؤثر بها غضب نور ساطع.
صنعت الأصابع ليلًا حالك السواد حول لآلئٍ نصف مفتوحة.
فجأة، عندما وجدت الأصابع تحديًا، وكانت صامدة، أُنزلت رغمًا عنها، ورغم كفاحها.
لكن من يستطيع مقاومة أوامر العقل؟ ذلك الذي يتحكم بها؟ لا أحد.
أنزل الرجل يده عن عينيه، ثم خفض رأسه للأرض.
" لو أمكنني إمساك الشمس... فلا أحد سيمكنه اعتراضي. " ابتسم الرجل قليلًا.
" والدي، أولئك المنعوتين بإخوتي، يمكنني حتى انتزاع الحكم ولن ينبس أحد ببنت شفة. "
نفخة مشحونة بالغيض والحلم، انتفضت من رئة مثقلة.
مع صوت أزيز الخشب، تقدم رجل يرتدي رداء الخدم.
عند نقطة معينة، انحنى وقال " السيد الشاب الثالث، باو يانغ، الكبير سيد العائلة يستدعيك. "
دون إلقاء نظرة، مدّ باو يانغ يده وأشار للخادم بالانصراف.
" حدث هذا إذن... هاه. "
" ماذا يمكن لجهد وسعي رجل واحد أن يغير؟ وكم سيغير...؟ "
كلمات وحيدة، مع جفن ينخفض ويغلق عينه ببطء، لكنها لم تخرج أبدًا.
أقمشة تنزل من السماوات، حمراء وبيضاء وسوداء، من أعلى برج فوق قاعة تبتلع المشهد.
نظر باو يانغ إليهم، لم تتحرك عيناه، وما زال جفنه نصف مغلق.
تقدم نحو الأمام، على السجاد الملكي والطوب المزيّن.
لم يبدُ أنه مهتم بلفتات الأشخاص الذين يرتدون الحلي وأجمل الملابس وهمسهم عليه.
" تحملتم ضغطي كل هذه السنين، وكل هذا ينتهي اليوم، فلماذا تخبئون كلامكم خلف أقنعتكم؟ "
أمام مدخل القاعة، كان يستطيع تمييز عدة نظرات مختلفة التعبيرات مثبتة عليه.
في هذه اللحظة، رفع عينيه، وفتح جفنه.
هل كانت أنصالًا قرمزية؟
لا... هذا لا يبدو منطقيًا، تبدو أقرب لسهم أسود مشدود على وشك الانقضاض.
على أي حال، هذا ليس مهمًا.
ما هو أهم منه، ألقى باو يانغ لفتة فارغة نحو هذين البؤبؤين الشبيهين بالنصل، كان أم السهم.
" زعيم العائلة... لطالما رأيتك كوالدي. "
على ذلك الذهب القرمزي المسود، جلس رجل... لا، يبدو أقرب لتنين بشري.
هل كانت نظرته بشرية؟
عرش مرعب، ومن يعتليه يبدو أقرب لتجسيد الرعب، أو الهلاك الصامت.
جلس باو يانغ على كرسيه، كان على الجانب الأيسر.
أغمض عينيه.
" يبدأ الآن إعلان الكبير المفخم سيد العائلة، العاهل يانغ، لمن سيتولى الخلافة بعده! "
فتح باو يانغ عينيه.
صدره، أصبح ساحة معركة بالفعل.
قلبه، أو ربما الأصح قول الطبل، لم ينفك عن الضرب سريعًا فأسرع.
رغم أن الجو كان باردًا، إلا أن باو يانغ كاد يظن نفسه أنه داخل فرن.
لن يكون من المبالغة القول إن أنفاسه كانت تسحب باستمرار آثار معركة أعضائه الداخلية.
شعور أن حتى جسده، وأعضاءه الداخلية، وعقله، يسخرون منه... لم يكن شيئًا بسيطًا.
مظهره، سيقول بالتأكيد إنه غير مبال، أو ربما تقبّل مصيره.
رأى، كان يرى، يعلم، إنه يعرف.
" نظراتهم... لو أنني أصبحت الخليفة، لأقطعن رؤوسكم جميعًا!! "
" الابن الثاني، تقدم. " صوت خريفي، صوت مرعب، صوت كانتقال الطاعون في الهواء.
بخطوات ثابتة، تقدم رجل يرتدي الأخضر.
كان وجهه سامًا، لكن نظراته كشفت عن ترقب.
" الابن الثاني، ينحني للعظيم المنعِم علينا! " صرخ الابن الثاني.
" لُوْ يانغ، ينحني للوالد العظيم! "
" لُوْ يانغ، يتلقى أوامر الزعيم الجليل! "
رغم أن لو يانغ بدا وكأنه واثق، إلا أن قطرات العرق ونظراته المتبعثرة كشفت عن قلق وخوف دفين.
لم يجعل عينيه تلتقيان بعيني سيد العائلة يانغ، أو بالأحرى لم يستطع.
مع صمت مطبق رهيب... رفع سيد العائلة يانغ يده، ثم أرجعها على العرش.
إنها حركة عادية، أليس كذلك؟
هذا هو المفترض، على الأرجح.
لكن باو يانغ يستطيع أن يقول شيئًا آخر.
لأنه في هذه اللحظة، تغيرت ملامحه.
من الهدوء، إلى التعجب، إلى الرعب، إلى اليأس.
لحظات كانت كفيلة بقلبه رأسًا على عقب تمامًا.
اقشعرّ، وانفتح جفنه لأقصى حد.
أعضاؤه، وعقله، اللذان كانا يسخران منه قبل قليل، الآن هما يذبلان.
من الاعتلاء والسخرية... إلى الذبلان، في غضون لحظة.
باو يانغ، شعر أن هناك سكاكين حول رقبته، داخل رئته، تحت فمه.
لو يانغ، أو من الأجدر تسميته الآن بقذارة على الأرض.
المكان الذي كان ينحني فيه قبل لحظات، أصبح عبارة عن نافورة دماء.
في لحظة، انسحق جسده من الداخل.
رغم أن الحاضرين يرون أمامهم أشلاء وعظامًا ولحمًا مفرومًا، إلا أن لا أحد منهم تجرأ على إطلاق نفس واحد.
كلهم، في هذه اللحظة، تشاركوا فكرة واحدة.
" الخوف! "
النظرات التي كانت تحيك المخططات والاستراتيجيات، أصبحت خاضعة تمامًا.
" ماذا؟! ألم يكن قد رُتِّب للو يانغ أن يصبح هو الخليفة؟!! " في عقل باو يانغ، كان على وشك الجنون.
" الابن الرابع، تقدم. " قال سيد العائلة، بنفس النبرة السابقة.
هذه المرة، الابن الرابع، كان على وشك تقبّل مصيره للموت.
منذ سماعه اسمه، شعر أن روحه قد سقطت من جسده.
ذلك الشعور، وكأن جلدك يتم سلخه ببطء.
لكن من يستطيع مقاومة أوامر سيد العائلة؟ ذلك الذي يتحكم بها؟ لا أحد.
في نفس البقعة حيث الدماء والعظام، انحنى الابن الرابع.
" الابن الرابع، ينحني للعظيم المنعِم علينا! " صرخ الابن الرابع.
" جين يانغ، ينحني للوالد العظيم! "
" جين يانغ، يتلقى أوامر الزعيم الجليل! "
أقمشة جين يانغ، أصبحت قرمزية.
في هذه اللحظة، رفع سيد العائلة يده، ثم أنزلها.
أغمض جين يانغ عينيه، كان مستعدًا للـ...
" ماذا؟ "
" أنا لست ميتًا؟ "
في نفس اللحظة، استعاد جين يانغ حواسه.
" تهانينا! تهانينا أيها الخليفة! "
شعر جين يانغ، أنه في عالم آخر.
كان يسمع أصواتًا مبتهجة، ولكنها بدت من عالم آخر... بعيدة جدًا للاهتمام بها.
كان مفصولًا عن الواقع.
فجأة، شعر بصفعة أعادته للمشهد.
مذهولًا، كفورًا، مرهوبًا، كان وجه جين يانغ.
" أ- أنا... هو ولي العهد؟ " ما زال جين يانغ غير مصدق.
لكن، لا مجال للشك بعد الآن.
" تهانينا أيها الابن الرابع، أنت هو ولي العهد. "
" تعال لقمة شيانغوان بعد أن تنتهي المراسيم. " قال سيد العائلة، بنفس النبرة السابقة.
" انتظر لحظة، ماذا بشأن باو يانغ؟ "
نظر جين يانغ نحو مقعد باو يانغ.
كان هيكل عظمي يجلس هناك.
ذاب العالم.
في وادٍ مخضر غريب، كانت هناك شجرة جميلة.
" أيتها الشجرة، أحضرت لك الغداء. "
بجانب الشجرة، كان رجل.
يحمل بيده حيوانات ميتة.
" ماذا؟ لن تأكلي اليوم؟ "
" لا بأس إذن، سأدفنها بجانبك. "
" مثل كل مرة. " ابتسم الرجل.
" هههههه انظروا، إنه المجنون باو! "
مجموعة من الأطفال، عند رؤية الرجل المسمى بالمجنون باو، انتشلوا حجارة من الأرض ورموه بها.
" كل يوم يصطاد حيوانات ميتة ليدفنها بجانب شجرة هههههه إنه مجنون حقًا ههههه! " صرخ طفل بمتعة وهو يرمي الحجارة الصلبة على رأس المجنون باو.
اصطدمت الحجارة برأس المجنون باو.
نزف.
" أيتها الشمس! هيا انزلي وعاقبي رعاتك! " صرخ المجنون باو.
" أيتها الشمس! هيا لنلعب! "
" مثل كل مرة، سألعب مع رعاتك! "
ثم، أمسك حجارة وقصف بها طفلًا.
" آآآه! "
دماء طازجة انتشرت.
صرخات خوف وغضب تعالت.
مع ذلك، كان صوت ضحك المجنون باو أعلى منهم.
" هل أنت حقًا مجنون؟ "
" مجنون؟ أنت؟ أنا؟ أم تقصد الشجرة؟ " قال المجنون باو.
داخل فناء تعلوه أشجار الكرز الحمراء، والجو الأدبي الجميل، جلس رجل حول طاولة.
أمامه كوب من الشاي.
ببطء، تساقطت ورقة شجر.
تماوج الماء، سقطت الورقة على الشاي.
من البداية للنهاية، لم تفارق نظرة المجنون باو الورقة.
" ما الذي أثار اهتمامك بهذه الورقة؟ "
" أليست مجرد ورقة ميتة ساقطة؟ " تزايدت حيرة الرجل.
" إنها ورقة ميتة، ميتة بالفعل. "
" لكن، من قال إنها ساقطة؟ " قال المجنون باو.
" ليست ساقطة؟ ماذا تعني؟ "
" بكل وضوح، هي تهوي من أصلها حتى تسقط على الأرض. "
" إذا لم يكن هذا سقوطًا، فما الذي حدث للورقة؟ "
" قد يكون عمر الورقة قد انتهى، لكن لماذا لم تحتفظ الشجرة بها؟ "
" بكل بساطة، الشجرة رأت أن عمر الورقة انتهى، وقد تخلصت منها. "
" هل اهتمت بمدى إخلاصها؟ "
" هل نظرت أصلًا إلى الأيام الصعبة التي واجهتها الورقة؟ "
" كل ما يهم الشجرة هي النتيجة. كذلك هذا العالم. "
" بدون نتيجة، عملك بلا قيمة! "
هاوية، وعالم ذابل حولها، ورجل.
" أيها المجنون باو! ماذا تنوي أن تفعل! "
من بعيد، لاحظته مجموعة رجال.
" هل تنوي استدعاء الشيطان! "
" علمت هذا، أنت لست مجنونًا فقط، بل مشعوذ ودجّال! " صرخ الرجال.
مع استمرار سبهم وشتمهم له، اقتربوا منه.
المجنون باو، المواجه للهاوية، ظل ساكنًا.
عندما أصبحوا على بُعد أذرع منه، تنهد.
" أنا المجنون، أم أنتم؟ "
توقفت مجموعة الرجال.
" قل لي، لِمَ تناديني بالمجنون؟ " قال المجنون باو.
" أنت...! "
تقدم رجل منهم، ثم صرخ " لأنك تستمر بفعل ما يحلو لك وتقوم بنشر الهراء والكلام غير الصحيح! "
" هل لأنني أتبع حريتي، فأكون مجنونًا؟ "
" قل لي، هل أنت غيور مني؟ "
" هل أنت غيور لأنني أفعل ما يحلو لي؟ "
تلكّك الرجل الذي تقدم، بعد تفكير قليل، صمت.
عندها، قال رجل آخر " ثم تظن أنك، بوجودك بمدينتنا، ستفعل ما يحلو لك؟ "
" بوجودك داخل نطاق معين، عليك اتباع قوانينه! "
استدار المجنون باو، ونظر إلى هذا الرجل.
" أحسنت. هذا صحيح. لكن، ما القانون الذي اخترقته؟ "
" هذا... "
" أنت تقول هذا لأنك تظن أنني اخترق القوانين، لكن في النهاية، أنا اخترق تقاليدك أنت ومحدودية عقلك المتوقفة عند أعراف عائلتك، وليس قانون المكان. "
صرّ الرجل على أسنانه، ثم صرخوا جميعًا " أيها الزنديق! انتظر يومك! سيقوم القانون بتفنيدك! "
" أيها الزنديق المجنون باو! هذا يوم محاكمتك! "
محكمة مفتوحة في الطريق، وقضاة ومواطنون.
و... المجنون باو، معلّق على عمود خشبي تحته قش وجلادون مستعدون للحرق.
صرخ أحد القضاة " صمت! "
" يا باو، هل تدرك خطاياك؟ "
" خطاياي؟ على أي أساس اعتبرتها خطايا؟ "
" على أساس نشرك للزندقة والعنف والتجاوز على القوانين السامية لمدينتنا! "
" ما هي الزندقة؟ ما هو العنف وما التجاوز؟ "
" بدل أن تكافئني لأنني كنت العقل الذي يفكر ويدعو للتفكير، تود حرقي؟ "
" أيها الزنديق! هل ضربك للأطفال هو التفكير الذي تدعو إليه؟!! "
" قانونك المزعوم، ألا ينص على أن يحاكم كل بفعلته؟ "
" لقد رجموني بالحجارة، وجسدي خير شاهد على النزيف والألم والعظام التي كسروها. ألا يحق لي الدفاع عن نفسي؟ " قال المجنون باو بهدوء.
" أحرقوه! " صرخ القاضي.
عندها، أطلق باو المجنون ضحكة ابتدأت، ولم تنتهِ أبدًا.
هذا بالنسبة له.
في تلك اللحظة، شعر أن كل شيء توقف في العالم.
المكان، الفراغ، العدم، الكون، القوانين، الحرية، الأنسان، الوجود.
" مفاجئ " تكلم نسيم هواء مار.
من الفراغ، ظهرت يد أمسكت بالمجنون باو.
عذابه أبدي، حتى تشظى عالمه وانكسر.
داخل مجاله، زُرعت بذرة.
فجأة، تشقق.
ظهرت شمس في مجاله، بدت أنها ترقص فرحًا.
قبل أن يذبل شعاعها ثم تنفجر.
ذاب العالم.