الفصل 4
الشمس أصبحت السماء.
" "
قال نسيم ريح مار.
ورقة شجر كبيرة، تهتز بجنون ذهابًا وإيابًا.
أصبحت الرياح اليوم عاتية وهائجة، خارجة عن السيطرة تمامًا.
ولجعل الأمور أسوأ، أغضبت الرياح الهائجة الغيوم والسماء، مما جعل الأخيرة تصر على أسنانها.
اهتزت الأرض، ترابها صرخ من الرعب. فوق أن الرياح تتلاعب به بالفعل، عليه الآن تحمل حرارة البرق وبأسه الشديد، بالإضافة لأنصال المطر تلك الساقطة.
مفترس كان يركض نحو فريسته، التي استخدمت بدورها كل ذرة طاقة للهروب والنجاة بحياتها.
مشهد كهذا، في الغالب أن المفترس سينجح باصطياد الفريسة. إلا أن، هدير السماوات أفزع المفترس حتى الموت.
ذيله يلتف حول جسده، ركض سريعًا باتجاه آخر.
أما الفريسة، فتحولت الآن إلى فريسة للسماوات.
حاولت الهرب، لكن لا جدوى. كانت متعبة جدًا بالفعل واستنفدت كل طاقتها.
نظرت الفريسة نحو السماوات.
عينها المثقلة، لم تعد تستطيع الصمت.
برفسة على التراب، انطلق من ساقها، مرورا بجذعها، ثم رأسها وفمها، الاستياء، ومشاعر مكبوتة كانت تنخر بعظامها.
عواء مدوي، صرخة معاتبة السماوات.
ثم، تحول السواد الحالك بلمح البصر إلى نهار مشرق، جميل، أبيض.
لكنه لم يكن كذلك بالنسبة للفريسة، كان بمثابة جواب السماوات لها.
بالهلاك.
احترقت الغابة.
تحمّل التراب بما فيه الكفاية، ولم يعد قادرًا على تحمّل جسد مرمى.
قام بأمر النمل، وأغراهم بأنه طعام طويل الأمد.
ذهبت نملة للاستطلاع.
بالفعل، كأنها رأت جبلًا على الأرض، كان طعامًا سيبقى طويلًا جدًا.
سارعت بتنبيه المستعمرة، مما ساهم بجلبِ المزيد من النمل.
خلال بعض الوقت، كان النمل يعض في الجسد المرمى.
كانوا سعداء جدًا، سيكون لديهم من الطعام ما يكفيهم لسنين.
حاولوا القضم ونهش الجسد بأقصى سرعة.
رغم أن هذا، لم يستمر طويلًا.
الجسد، الذي كان قبل قليل مستلقٍ وكأنه ميت، كما قال التراب، الآن يتحرك!
اقشعرت أجساد النمل.
كما توقعوا، لم يأخذ الأمر سوى بضعة صفعات قوية لطردهم وقتلهم.
فرّ النمل في كل الاتجاهات، مذعورًا.
لقد كذب التراب عليهم.
" هذا مرعب! "
جلس فتىً على الأرض، وعينه ترتعش.
كان يتذكر ما حدث.
نظر إلى السماء، حين أدرك أنها عاصفة شديدة.
صوت طقطقة.
كل ما تطلبه الأمر مجرد صوت طقطقة، ليجعل جسد الفتى يتسمر في مكانه رعبًا.
كانت شجرة عملاقة تسقط، عليه مباشرة.
" ثم، لا أتذكر ما حدث بعدها... "
حريق. انكمش بؤبؤ الفتى لحجم دبوس.
تيبس وجهه.
أصبح الآن مذهولًا.
كفور.
" ساقي! "
شعور بحريق، ونيران تلتهم الخشب تصاعد من ساقه.
كانت عظامه تصرخ ألمًا.
كانت ساقه مهشمة.
هرع لتفقدها، لكن الألم أوقفه في مكانه، متسمرًا.
" ماذا سأفعل؟! "
" لا يوجد ولا حتى حيوان في هذا الجحيم! " عوت أفكار الفتى.
شريط قرمزي، تحت شعاع منير.
ذلك النور الأبيض في السماء.
قاد شعاعًا أبيض ليجعل خطًا أحمر يظهر.
مخطوط على تربة عطشة، شربت السائل القرمزي بلا روية.
في نهايته، كان فتى يزحف بيديه.
" أنا متعب. "
" لماذا يحدث هذا لي؟ "
" هذا مؤلم. "
" هل أنا في الجحيم؟ "
جسده ملطخ بالجروح، والحشرات تلسعه.
مغطى بالطين والتراب، وأثر دموي طويل.
عينه فقدت بريقها منذ زمن.
" منذ متى وأنا أفعل هذا؟ "
" أنا جائع. "
" أين أنا؟ "
" أنا متعب. "
صوت عجلة.
" سيدي، سيدتي. هناك شخص هنا. يبدو أنه غير قادر على المشي. "
" إنه يصرخ باتجاهنا بجنون، يبدو أنه يطلب مساعدة. فما قراركما؟ "
" اتركه. لا يفترض بنا حمل القمامة أينما حلّت. " قال صوت ذكوري من داخل المقصورة.
" ادهسه. " قال صوت أنثوي.
" كما قالت إذن، افعلها. " قال صوت ذكوري.
" أمرك. "
بدا أن جهده وصل لنتيجة.
بدا أن عذابه سينتهي.
بدا أن حياته ستعود لما كانت.
لأول مرة منذ دخوله الغابة، كان وجهه يرسم ابتسامة عريضة.
كان سعيدًا.
مدّ يده، اقتربت العربة.
لم يستوعب أن العربة اقتربت أكثر من اللازم.
لم يستوعب أن لا أحد من في العربة خرج.
عرف هذا فقط، عندما سحقت حوافر الأحصنة يده الممدودة.
عندها، استيقظ عقله.
" ينوون دهسي! " فكرة مرعبة، ظهرت في رأسه.
لسوء الحظ، لم تكن مجرد فكرة مرعبة.
" إنهم يدهسونني فعلًا!! " أراد الفتى الصراخ حقًا، وإخراج كل هذا الظلم والاستياء الذي نخر عظامه منذ تلك اللحظة.
لكن، أبى الصوت الخروج.
مرّت حوافر الأحصنة وعجلة العربة فوق يده، ورأسه، وظهره.
ثم، على ساقه المهشمة.
لكن، لم يعد هذا مهمًا.
رأس الفتى قد سحق.
ذاب العالم.
" أبي، متى سنعود؟ "
" سنعود، سنعود. "
" سنعود حين تفهم. "
" أبي، كل مرة، تقول هذا. "
" هذه ليست مجرد أعذار، صحيح؟ " قال فتىً، متذمرًا.
" اطمئن، ما قلته هي الحقيقة. "
" أنت فقط من يستمر بالسؤال، ألم تحفظ الإجابة؟ " سخر الرجل.
" سنرى إذن... " نظر الفتىً للجانب الآخر.
" ... "
" يي مينغ، والدك لا ينوي إيذاءك. "
" أنا... أعلم. " قال الفتى، بصعوبة.
" أبي... متى سنعود؟ "
" سنعود، سنعود. "
" سنعود حين تفهم. "
" أبي، أنا منهك للغاية من المشي. "
" مضى اليوم بأكمله، ولم التقط أنفاسي. "
" ما هذا الفهم الذي تقصده؟ "
توقف الأب في منتصف الطريق.
أمامهم، جبال بعد جبال تظهر.
على طريق جبلي خاو، نظر رجل كبير إلى فتىً.
" ستفهم، بعد قليل. "
ورقة شجر كبيرة، تهتز بجنون ذهابًا وإيابًا.
أصبحت الرياح اليوم عاتية وهائجة، خارجة عن السيطرة تمامًا.
ولجعل الأمور أسوأ، أغضبت الرياح الهائجة الغيوم والسماء، مما جعل الأخيرة تصر على أسنانها.
اهتزت الأرض، ترابها صرخ من الرعب. فوق أن الرياح تتلاعب به بالفعل، عليه الآن تحمل حرارة البرق وبأسه الشديد، بالإضافة لأنصال المطر تلك الساقطة.
" أبي، هذه الغابة على يسارنا، عجيبة. " أشار الفتى بيده نحو غابة بعيدة.
" وما العجيب فيها؟ "
" أعني... الجو فيها غريب، لمحتها من بعيد وحتى الآن، لا تزال بنفس الجو. "
" إذا ذهبت فيها، فستفهم. "
" أفهم؟ " صمت الفتى.
" ألم تقل مرارًا وتكرارًا متى سنعود؟ "
" ... " رأس الفتى أصبح فارغًا.
كلمات والده، أشبه بمطرقة ثقيلة دكّت عقله.
تسارعت خطى دماؤه، وازدادت حرارتها.
" وماذا عنك؟ "
" وهل أنا غير فاهم؟ أنت من يحتاج للفهم. " هز الرجل رأسه.
" ... "
للحظة، صرخت كل ذرة في عقله بالذهاب.
كان جسده يشعر بالنشوة، لذة غريبة، تدفعه للذهاب.
أخفض الفتى رأسه.
لوهلة، اختفت كل النشوة تلك.
سقط الفتى.
ساقاه، ارتجفتا خوفًا.
لنصف وهلة، كان ميتًا.
كلما نظر، أو فكر بالغابة، يعود له شعرة من هذا الشعور.
ثم، عاد له شعوره. لم يكن قد سقط، ولم يحدث شيء. كأنه، انفصل عن العالم لنصف وهلة.
الغريب، أنه لا يتذكر أي شيء مما حدث.
فقط، خوف عميق من تلك الغابة.
" لا، لن أذهب. "
" فَهَمْتَ إذن. " قال الأب.
" هاه؟ ماذا تقصد؟ "
" تذمرك عن طول الطريق، وعدم وضوح النهاية، سيجعلك عرضة للهفوات أينما حلّت في طريقك. "
" إذا كنت قد ذهبت لتلك الغابة على سبيل المثال، سينتهي بك الأمر غالبًا ميتًا. "
" لم يُسمَع قط أن شخصًا دخلها وعاد حيًا. "
شعر يي مينغ أن ثقلًا كبيرًا سقط عليه.
لو أنه فقط، استسلم لرغباته، لمات.
" هذا مرعب! " فكر الفتى.
" الآن، لن تسألني مجددًا وتتذمر، صحيح؟ " سخر الرجل.
" نعم! نعم بالتأكيد! "
" أبي، مرّ شهر. إلى أين نحن ذاهبون؟ "
" ستعرف، ستعرف. "
" ستعرف عندما نصل. "
" أبي، أنت تكرر هذا منذ فترة. "
" تودّ أن تعرف؟ "
" نعم! "
" إذن اسبقني. "
" وماذا عنك؟ "
" سأكون خلفك. "
" هل تظنني أحمقًا؟ إذا تركتك، ألن أكونُ أسعى لموتي المحتم؟ " سخر الفتى.
" ... "
عشب على الأرض، لطالما تواجد في هذا المكان الجميل.
كل يوم، تجعله الريح راقصًا، وتجعله العصافير سعيدًا، وتجعله الشمس دافئًا وجميلًا.
كان منبهرًا بحياته للغاية ومعجب.
اليوم، اهتز على غير العادة.
لم يهتم، ظنّ أن الرياح هي تريده راقصًا.
لكن بعد قليل، أدرك أنها لم تكن الرياح.
أصبح الاهتزاز شديدًا.
عندما هرع وتفقّد الأمر، كان قد فات الأوان.
كان التراب، صديقه، مبتعدًا عنه.
بينهما، شرخ في الأرض يكبر.
" أبي! أبي! إنه زلزال عظيم!! " صرخ الفتى مرعوب.
كان يتمايل، ويحاول الركض مع الرجل.
لكنه تسمّر، حين سقط على الأرض.
التف، ودقة طبل صاخبة دقّت من قلبه.
ساقه، علقت في الشرخ.
" ألم أقل لك أن تسبقني؟ " صوت رجل انطلق.
لانَ جسد الفتى، توقف عقله للحظة.
" ماذا؟ "
" أنت... أيضًا ستموت... " قال الفتى.
" فلماذ- "
سقط الرجل والفتى في الشرخ.
ذاب العالم.
ورقة شجر كبيرة، تهتز بجنون ذهابًا وإيابًا.
أصبحت الرياح اليوم عاتية وهائجة، خارجة عن السيطرة تمامًا.
ولجعل الأمور أسوأ، أغضبت الرياح الهائجة الغيوم والسماء، مما جعل الأخيرة تصر على أسنانها.
اهتزت الأرض، ترابها صرخ من الرعب. فوق أن الرياح تتلاعب به بالفعل، عليه الآن تحمل حرارة البرق وبأسه الشديد، بالإضافة لأنصال المطر تلك الساقطة.
" أبي، هذه الغابة على يسارنا، عجيبة. " أشار الفتى بيده نحو غابة بعيدة.
" وما العجيب فيها؟ "
" أعني... الجو فيها غريب، لمحتها من بعيد وحتى الآن، لا تزال بنفس الجو. "
" إذا ذهبت فيها، فستفهم. "
" أفهم؟ " صمت الفتى.
" ألم تقل مرارًا وتكرارًا متى سنعود؟ "
" ... "
لم يقل الفتى شيئًا، بل كان وجهه خاليًا من التعبيرات.
" من أنت؟ " قال.
" ماذا تقصد؟ "
" أنت لست أبي. "
" من أنت؟ أكررها. " قال الفتى.
" ... "
الغيوم في السماء، ذابت ثم سقطت على الأرض.
الشمس أصبحت السماء.
زرقة السماء، إنها في المنتصف.
الأرض حيث وقف يي مينغ، تماوجت كماء البحر، واختلطت مع السماء في المنتصف والشمس في الأعلى.
الغابة، أصبحت حبرًا أسودًا يلون التموج.
" مبهر. " قال نسيم الريح.
تلوّى العالَمُ المتموج، ثم أمسك يي مينغ.
ذاب تدريجيًا وهو ممسك بيي مينغ.
انسكب العالَم المتموج على الأرض.