الفصل 1
هذه البداية
في عام 2015، في السابع عشر من سبتمبر، يوم الخميس بتحديد، قبل (يوم من الكارثة)...
كنت أسمع صوت أمي من الغرفة وهو يتعالى شيئاً فشيئاً:
«إلى متى تريدنا أن نبقى في هذا المنزل المؤجر المتهالك! لقد اكتفيت منك اتركني فحسب، لقد اكتفيت من أفعالك اتركني فحسب!»
وجاء صوت والدي الغاضب:
«عجيب! هل تظنينني السبب في فقرنا؟ أليست أنتِ من أنجبتِ لي ثلاث بنات؟! لو أنكِ أنجبتِ لي غير ذلك الولد لما كانت حالتنا الآن هكذا!»
أنزلتُ رأسي تحت الوسادة وبدأت أحاول أن أغطي كل ما أسمعه ولكن دون جدوى...
في صباح اليوم التالي، ساد هدوء المنزل كالعادة وكأن شيئاً لم يكن ليلة البارحة، رغم أنني سمعتُ ومتأكدة أن شقيقاتي كذلك سمعنَ، وحتى الجيران على ما أعتقد، الجميع سمع ذلك عدا والداي؛ أظن أن طبلتي أذنيهما تمزقتا منذ وقت طويل، هما لا يملان من الصراخ والشجار.
استيقظتُ وتوجهتُ لأساعد أمي في إعداد الفطور، صوت البيض المقلي وهو يتفرقع مع الزيت على المقلاة يشعرني بالراحة حقاً.. مهلاً مهلاً، إنه صوت جلي الصحون، شقيقتي سلمى إنها تكسر أكثر مما تغسل! وآه صحيح، والماء كذلك مفتوح إلى آخر حد، لا بد أنها تأخذ حماماً مع الصحون!
قمت بتسخين الخبز في المايكرويف، يصل أبي متأخراً كالعادة رغم أنها عطلة نهاية الأسبوع، لكنه لا يقوم بشيء غير تناول الطعام. يصدر المايكرويف صوتاً قوياً أكرهه ليعلمنا أن الخبز صار جاهزاً وساخناً...
ذكرياتي مشوشة، هل كنت في المنزل أم السيارة؟! هل كان حقاً صوت المايكرويف أم سيارات الإسعاف؟
أتذكر الآن!.. لقد كنت راكبة مع أهلي في السيارة بعد ظهر ذلك اليوم..
آه رأسي، ما كان ذلك؟..
ما أراه الآن هو أن الأرض انقلبت رأساً على عقب، وكنت داخل السيارة المحطمة ولكن لم أستطع الحراك، شيء ساخن سال من جبيني، كان يتدفق بقوة عجيبة، كان أحمر داكناً، تُرى هل أنا أموت الآن؟!
أغمضت عيني لثوانٍ ثم سمعت صوت أمي تنادي: «حسن! حسن استيقظ، حسن أجبني.. رجلي مقطوعة، ساعد الأولاد سيموتون!»
لكن ما كنت أراه، أن شظية كبيرة من حطام السيارة اخترقت رأس أبي..
مهلاً، ماذا أرى هناك؟ جسد مشوه ملقى على الشارع، تبدو كأنها أختي سلمى!
دوي... دوي بداخل رأسي، هل أنا أحتضر؟ لمَ لم أعد أستطيع الرؤية؟
مهلاً.. لمَ الظلام شديد؟ هل يسمعني أحد؟! أبي؟ أمي؟ أين أنا؟! سلمى هل تسمعينني؟ أخي سالم أين أنت؟ يمامة! هل ما يزال أحد معي؟...
ضوء قوي ساطع يشع في عيني، وصوت آلة قياس نبض مزعجة.. فتحت عيني: "إنه المستشفى".
إذن أنا لم أمت بعد!
14 من أكتوبر...
قررت أن أغادر المستشفى فأنا أشعر أنني بحال أفضل، يجب أن أعود للبيت الآن.. لن أتحمل يوماً آخر هنا..
صوت من بعيد:
«ريم.. ريييم! إلى أين تذهبين؟»
مزعج! لِمَ عليّ تحمل مراقبتها لي؟ تلك الممرضة.. ثم أين المخرج؟ لِمَ هذا المستشفى كبير هكذا؟! أين أتوجه؟
شعرت ببعض الدوار، ولكني كنت مصرة على المغادرة، وفجأة لم أعِ إلا ورأسي يرتطم بالأرض...
بعد نصف ساعة، انبعث صوت ما: «ريم، كيف تشعرين الآن؟»
فتحت عيني، إنها تلك الممرضة مجدداً، لم أجبها وأغمضت عيني مرة أخرى..
ثم حلمت بحلم غريب، شعرت كما لو أنه حدث بالأمس؛ صوت ضحكات سلمى.. ما هذا؟ وهذا صوت أخي سالم، ماذا كان يقول؟!
«أبي، من فضلك افتح الراديو، أشعر بالملل».
فيجيبه والدي:
«الراديو معطل، هذه السيارة الخردة لا تقوم سوى بتحريك عجلاتها، حتى التكييف لا يعمل جيداً، لذا تحمل!».
وتتدخل سلمى:
«أبي، لنتوقف عند المحطة، نحتاج لأن نأكل شيئاً، أشعر بالجوع».
فيرد أبي بغضب:
«اصمتوا جميعاً! أنا مشغول بالطريق الآن.. مزنة، لِمَ لا تقولي لهم أن يصمتوا؟!».
وأمي وهي تتنهد:
«والدكم مشغول بالقيادة، لِمَ لا تصمتون جميعاً؟».
آه.. كان ذلك قبل الحادث بلحظات، رغم أنني أكره شجار والدي وغضبه، لكني أحن لصوته الآن..
السابع عشر من أكتوبر، تم ترخيصي وخروجي من المستشفى..
كانت تلك الممرضة المزعجة واقفة فوق رأسي بينما أجمع أغراضي في حقيبتي:
«ريم، تعلمين أنكِ أكثر مريضة مرّت عليّ بعنادها؟».
تجاهلتها، لكنها تظاهرت بأنها لم تلاحظ وتابعت:
«ريم، إذا شعرتِ مجدداً بدوار أو ألم في رأسكِ، عودي للمراجعة فوراً، اتفقنا؟».
لم أستطع مواصلة تجاهلها، أومأت برأسي فقط، وغادرت من أمامها..."
... ها أنا ذا أخرج من بوابة المستشفى...
أخذتُ نفساً عميقاً وسرتُ أول خطواتي لبداية جديدة، بداية تُخيفني ولكنها تُفقدني مشاعري أكثر من خوفي...
أخذتُ سيارة أجرة، وبينما كنتُ في طريقي إلى المنزل شعرت بخمول، فأغمضتُ عيني لبرهة...
صوت أمي يعود من جديد: «ريم.. ريم! أفيقي يا ريم، هل أنتِ أيضاً مصابة؟»
وفجأة، هل سمعتُ تأوهات يمامة؟! «أمي، لا أستطيع التنفس.. أنا لا أستطيع أخذ نفسي!»
آه.. إنها أختي يمامة، لقد كانت أيضاً مصابة، إصابة في أسفل صدرها وأعلى بطنها، كان دمعها يسيل حتى غمر وجهها..
ثم ارتفع هذا الصوت الغريب: «يا فتاة.. هاي، أجيبي، لقد وصلتِ إلى وجهتكِ!».
آه صحيح، أنا في سيارة الأجرة. أعطيته النقود ونزلت مسرعة، حملت حقيبتي وأنا أجمع بعضي المتناثر في ذكرياتي المشوشة..
قال لي: وصلتِ إلى وجهتكِ!
حقاً هل هذه وجهتي؟ هل هنا المكان الذي كنت أعيش فيه؟
وقفتُ لعدة دقائق أتأمل المنزل من الخارج، لكنه لم يكن مألوفاً..
جدرانه الرمادية القديمة، نوافذه الحديدية الصدئة، والحديقة الخارجية الصغيرة التي تكاد تذبل وتموت، الأوراق الجافة المتناثرة في جميع أرجاء الباحة الخارجية.. كلها تخبرني أن هذا هو منزلي.
حقاً هل وصلت؟ لم أعد أرغب بالدخول، لكن ساقيّ جرّتاني رغم أنفي. فتحتُ الباب الأمامي، كان كل شيء متسخاً يملؤه الغبار.. توجهتُ إلى صالة المعيشة، وهناك كان سالم يجلس يشاهد التلفاز: «ريم، هاتي لي كأس ماء من المطبخ من فضلك».
توجهتُ إلى المطبخ بسرعة لأحضر له كأس الماء، وكانت هناك أمي تعد الغداء في المطبخ: «ريم، تعالي وذوقي الأرز، هل تشعرين أنه مالح أم هل هو جيد؟».
ثم نظرتُ إلى روزنامة الأيام (التقويم)، ما تزال على صفحة الثامن عشر من سبتمبر..
وفجأة، انقلب المكان ظلاماً في لحظات!
نظرتُ إلى أمي، إنها ليست هنا! صرتُ أناديها بأعلى صوتي: "أمي! أمي لقد عدت، أجيبيني !"
وتوجهتُ إلى صالة المعيشة، لِمَ الظلام هنا حالكٌ أكثر؟ "سالم! أين أنت؟ هل تلعب الغميضة؟ اظهر من فضلك!".
توجهتُ لأفتح المصابيح لكنها لم تعمل! حاولتُ مراراً وتكراراً، وحتى عندما ذهبتُ إلى غرفتي، كل المصابيح لا تعمل.. مهلاً، هل هذا بسبب أننا لم ندفع فاتورة الكهرباء؟!
أسقطتُ نفسي على سريري البارد وإنطويتُ على ذاتي، يبدو أنهم جميعاً رحلوا وتركوني وحدي..
حلّ الليل دون أن أشعر، لكن فجأة، سمعتُ صوت ضجيج غريب من الصالة:
«أخبرتكِ عدة مرات، أعتقد أنها عادت إلى هنا».
وثم جاء صوت رجل أعتقد أنني سمعته من قبل:
«أخبرتكِ، ولماذا علينا نحن أن نكفلها؟ تعلمين أن حالتي المادية ليست أفضل من أخي بكثير».
«ولكن كما تعلم، ليس بيدنا حيلة، المحكمة طلبت ذلك منا».
«لِمَ ريم هي من بقيت حية أساساً؟ كان الحادث قوياً والنجاة كانت معدومة!».
هل يتحدثان عني الآن؟!
«فقط لتصمت قد تسمعك، لدينا ثلاث بنات، واحدة أخرى لن تُحدث فرقاً».
«حسناً حسناً، فقط ابحثي عنها الآن».
تنهدتُ وقلت في نفسي: لا داعي للبحث عني، سأخرج بنفسي.
فتحتُ الباب بهدوء فأصدر صوتاً مثل الأزيز.. فالتفت عمي وزوجته إليّ..."
زوجة عمي بدهشة: «مهلاً، أهذه أنتِ ريم؟».
عمي متسائلاً: «اقتربِ، فالظلام حالك هنا ونحن لا نراكِ جيداً».
مشيتُ بضع خطوات وأنا في واقع لم أرغب برؤيتهما .
زوجة عمي وهي تشهق: «مهلاً! أهذا سالم؟!».
عمي بعدم تصديق: «مستحيل! سمعتهم يقولون أن ريم هي الناجية الوحيدة!».
آه.. تذكرتُ الآن! بسبب إصابتي البليغة في رأسي، اضطر الأطباء إلى حلاقة شعري بالكامل قبل شهر من أجل العملية الجراحية.. ولم أضع حجابي قبل أن أخرج من الغرفة، لقد نسيت تماماً.
ولكن، هل عليّ أن أخبرهم بالحقيقة؟
أعتقد أنهم سيكونون راضين عني ومرحبين بي أكثر لو كنتُ سالم... إنه أخي التوأم بعد كل شيء ، ويبدو أنهم أخطأوا بيني وبينه بسبب شدة تشابهنا.
فأجبتهما بصوت حاولتُ أن أجعله ثابتاً: «نعم.. أنا سالم».
زوجة عمي تضطرب: «أوه حقاً؟! اعذرنا يا بني، لقد حصل التباس، ظننا أن التي نجت هي ريم».
عمي مبرراً: «اعذرنا لم نزرك في المستشفى، فقد كنتُ مشغولاً جداً، كما أن العاصمة بعيدة ولم نستطع المجيء...»."
"...رفعتُ يدي لألمس شعري الذي كان شائكاً لأنه بدأ بالنمو منذ فترة قصيرة، ونظرتُ إلى ثياب المستشفى الفضفاضة التي لم أنزعها بعد، فقلتُ في نفسي: يبدو أنني حقاً لا أبدو كأنثى الآن!.."
... في اليوم التالي...
استيقظتُ وأنا أسمع صوت ضحكات شقيقتي سلمى:
«يمامة، توقفي! هههه توقفي هههه لا تدغدغيني، دعيني.. توقفي أرجوكِ سوف أبكي!».
نهضتُ من فراشي بسرعة لأنظر حولي، لكنني لم أجد أحداً.. هناك ألم فظيع بداخلي، ألمٌ لا أعرف كيف أصفه؛ لم أبكِ أبداً، ولم أحزن حتى بعدما علمتُ بفقدان عائلتي! هل أنا مجنونة؟ هل سأكون حقاً بخير؟ وهل أستطيع أن أواصل العيش بدونهم؟!
أسئلة عميقة تجتاحني، وأسطرٌ فارغة داخل ذاكرتي لا أجد أي إجابات لها.. أمسكتُ رأسي بقوة وبدأتُ أضغط عليه بشدة، أريده أن ينفجر فحسب!..
طُرق باب الغرفة فتوجهتُ لفتحه، وإذا هي "نسرين" ابنة عمي الصغرى، قالت بخجل وبشكل غير اعتيادي:
«يقول لك أبي أن تأتي لتتناول الفطور، فهو جاهز ولا تتأخر».
ثم أغلقت الباب مسرعة.. جلستُ لعدة ثوانٍ أستوعب ما حصل، آه صحيح! لقد أخبرتهم أنني أخي سالم.. كدتُ أنسى!
(ليلة البارحة)
زوجة عمي: «حسناً يا سالم، علينا ألا نتأخر في العودة إلى البيت فطريقنا طويل، اجمع حاجياتك الأساسية في أي حقيبة مناسبة وضعها في السيارة، علينا أن نصل اليوم».
عمي: «إذا احتجتَ أي مساعدة أعلمني، سننتظرك في الصالة».
هنا هرعتُ إلى غرفة أخي وأخذتُ أغراضه، كنتُ متوترة ومنهكة، لذا جمعتُ أي شيء اعتقدتُ أنه جيد.. لم أعلم بأنهم سيبقون حتى هذا الوقت معتقدين بأنني هو!
هل أواصل حقاً خداعهم؟!
نفضتُ تلك الأفكار من رأسي وعُدتُ لواقعي الراهن.. وقفتُ أمام الخزانة أبحث عن شيء أرتديه قبل أن يطرقوا الباب مجدداً.
ارتديتُ أي ثياب شعرتُ أنها ستكون مناسبة لي لكي أخرج وآكل معهم الفطور، رغم أن ثياب أخي كانت عريضة عليّ قليلاً؛ فقد هزلتُ كثيراً بعد أن كنتُ في العناية المركزة إثر العملية الجراحية، وأظن أنني سأحتاج لشراء ملابس تجعلني أكثر راحة..."