الفصل 2
الوجود
ارتديتُ أي ثياب شعرتُ أنها ستكون مناسبة لي لكي أخرج وآكل معهم الفطور، رغم أن ثياب أخي كانت عريضة عليّ قليلاً؛ فقد هزلتُ كثيراً بعد أن كنتُ في العناية المركزة إثر العملية الجراحية، وأظن أنني سأحتاج لشراء ملابس تجعلني أكثر راحة..."
أسرعتُ وأنا أخرج من الغرفة، وبينما كنتُ أسير متجهة إلى غرفة الطعام، كنتُ أرى كم أن منزلهم يختلف بفارق شاسع عن منزلنا المستأجر؛ لا جدران تالفة، لا أسلاك منزوعة، وأرضيتهم من الرخام، بينما كنتُ أسير طوال تلك الفترة على أرضية من السيراميك التالف والمتكسر..
هل هناك فرق لأن زوجة عمي دارسة ولديها وظيفة؟ لكن أبي كان يعمل كضابط أمن مثل عمي! صحيح أن عمي أعلى رتبةً، ولكن لم أعلم بأن الفارق بهذا الحجم.
وصلتُ وجلستُ معهم بهدوء بعد أن ألقيتُ التحية، وبدأنا بأكل الفطور. كنا نجلس أنا وعمي بجوار بعضنا بحكم أننا الرجلان، أما زوجة عمي وبناتها فجلسن بالطرف الآخر من سفرة الطعام.
في الواقع، لا أعرف كيف أمثل أنني رجل! وكنتُ الأكثر حماقة في كذباتي دائماً؛ كانت أمي تكشفني بسرعة لو كذبت، بينما أختاي من المستحيل أن تُكشفا، ويسهل خداعي بتمثيلهما.. لكن لا بد أن الله سمع رجائي فلم أُكشف بعد، غير أنني أعلم أن ما أفعله مجرد قنبلة موقوتة، ما إن تنفجر حتى تدمر كل شيء.
بعد الفطور، رأيتُ زوجة عمي تحمل أطباق الطعام إلى المطبخ لتغسلها مع ابنتها الأكبر، وأظن أن اسمها "آية".
حملتُ ما تبقى من الصحون ولحقتُ بهما لأعيد الأطباق للمطبخ، فحين رأتني زوجة عمي تعجبت وقالت:
«لا عليك يا سالم، عد واجلس مع عمك.. هذا عمل النساء!».
ثم سألتني: «هل تجعلك أمك تساعدها في غسل الصحون؟».
آه! نسيتُ مرة أخرى.. لم يكن عليّ فعل ذلك فأنا "سالم" الآن، فكذبتُ مرة أخرى وقلت:
«آه.. أحياناً، ثم إنني شعرتُ أنني سأكون عبئاً إن لم أساعد.. هههه».
قلتها بتكلف، فقالت زوجة عمي مادحة:
«يا لك من ابن مهذب، ليتك كنت ابني!».
إممم.. لم أكن مسرورةً حقاً، هي وجهت ذلك المديح لكوني ذكراً، لِمَ لا تُثنى الأنثى بأفعالها؟!
عدتُ لأجلس مع عمي فنظر إليّ وقال: «أين كنت؟».
فأخبرته أنني حملتُ ما تبقى من الأطباق إلى المطبخ، رغم أنني لم أرد تكرار ذلك.
فقال بنبرة حازمة: «لا تقم بأعمال النساء، هذا يقلل من رجولتك.. دع النساء يتولين هذا الأمر!».
فلم أجب، وجلستُ فقط أحدق في سجادة المجلس.
تابع عمي متسائلاً: «ممم اسمع، لقد كنتُ مشغولاً كثيراً مؤخراً، ولم أجد وقتاً لذا ما رأيك لو تساعدني اليوم عصراً في حديقة المنزل؟ لقد أهملتها لفترة».
فأجبته: «لا مشكلة، لكن ليس لي خبرة».
فقال مبتسماً: «لا بأس، سأعلمك».
"... جلستُ قليلاً أبادل أطراف الحديث مع عمي، وبينما كنتُ أستمع إليه، أتت ابنته الصغرى "نسرين"؛ جاءته مسرعةً وقالت: «أبي، صحيح! أحتاج إلى علبة ألوان جديدة، معلمة الفنون طلبت أن نجلب أدواتنا لدرس الغد».
فقال عمي: «لا مشكلة، ولكن أين ألوانك القديمة؟ هل تريدين أن أشتري لك ألواناً كل عام؟!».
لتجثو أمام والدها وتحنّ عليه وهي تمسك يده وتمسحها: «آسفة أضعتها.. اشترِ لي أخرى».
وبسرعة تحول وجه عمي وقال: «لا بأس، لا بأس.. سأفعل، فقط عودي وادرسي جيداً».
هاها! جلستُ أتخيل لو قمتُ بنفس تلك الحركة لوالدي أو إحدى أختاي.. لمسح بنا أبي الأرض!
لكن والدها استغرق عدة ثوانٍ ولبّى طلبها، بينما أنا أحتفظ بأقلام التلوين خاصتي منذ الصف الثاني..."
ثم فجأة التفتَ عمي نحوِي وقال: «صحيح! بدأت المدارس منذ أسبوعين، وعلينا أن نسجلك في إحدى المدارس هنا الآن لتستكمل دراستك!».
وأكمل متردداً: «كم عمرك يا بني؟ اعذرني، أنا أنسى كثيراً، وتعلم أننا لم نلتقِ منذ عدة سنوات!».
في تلك اللحظة، سقطت قطعة ثلج باردة على ظهري.. أدركتُ شيئاً مروعاً: سأبدأ الدراسة، وهذا يعني عليّ أن أدرس في مدرسة للذكور الآن.. يا للهول!"
"... فأجبته بتوتر: «سأكمل بعد خمسة أشهر اثني عشر عاماً، ومن المفترض أن أبدأ المرحلة الإعدادية الآن...».
نظر عمي بدهشة وقال: «أوه حقاً؟! ولكنك تبدو أصغر من عمرك، اعتقدتك في الصف الخامس! إذاً أنت بعمر ابنتي زينب!».
ثم واصل حديثه: «هل معك أوراق شهادة الميلاد والهوية الوطنية؟».
فأجبته وأنا ذهني مشوش: «آه.. لا أعلم، لستُ متأكداً.. سأذهب وأتفقد حقيبتي في الغرفة».
أسرعتُ وأنا أدخل غرفتي مسرعة، أغلقتُ الباب خلفي وبدأتُ أفتش في حقيبتي.. وما وجدته كان جوازي والهوية الوطنية التي تثبت أنني "ريم"!
أخذتها بسرعة وخبأتها تحت فراش سرير كي لا يجدها أحد.. لم أعلم كيف سأخبرهم بالأمر، هل أدّعي أنني نسيتها أم فقدتها؟! لا أعلم حقاً ما الذي عليّ فعله..
مرّ الوقت ببطءٍ شديد، وكأن الثواني صارت كدقائق، وحتى الدقائق تنجلي كساعات.. لقد تغيرت أمور كثيرة في حياتي، وأشعر أنني شخصٌ مختلف...
وها قد حان وقت الغداء؛ اجتمعت العائلة وأنا الفرد الوحيد الذي لا ينتمي لهذا المكان. هنا طعامٌ مُعدٌّ دون أن أطبخ أو أساعد فيه، أصنافٌ مميزة ودجاجٌ مشويٌّ في الفرن، وسلطةُ زيتون تضفي الحياة على الطعام.. لكني أشعر بالبعد، وكأن المكان والزمان قد توقفا.
ضحكات عمي لابنته، وحديثٌ عابر من إحدى الأخوات لوالدتها، وأشياء كثيرة تحدث حول الطاولة.. لكن هناك فراغٌ كبيرٌ داخل صدري، وحتى أبسط الأمور لا أجد شغفاً لها الآن.
وفجأة، قطع ذلك الصوت شرودي:
«سالم.. سالم! هل تسمعني يا سالم؟».
لأعود من شرودي وأجيب: «نعم يا عمتي».
«كنتُ أسألك، هل تملك أدواتك المدرسية وحقيبتك للعام الماضي أم أنها تالفة؟».
فأجبتها بطريقة هامشية: «في الواقع، لستُ متأكداً...».
فسألتني أكثر: «أليست في منزلك؟».
فأجبتها بنبرة مستاءة: «أنا لا أعلم.. ربما أظن أن ذاكرتي أصبحت سيئة بعد الحادث».
فأسكتها عمي وقال: «لا بأس، لا تسأليه أكثر ولا تضغطي عليه.. إن كان لا يملك واحدة سنشتري له أخرى».
فقالت عمتي وهي تتنهد: «وماذا عن التسجيل؟ هل اتفقت متى ستأخذه؟».
فرد عمي بتكلف: «لا عليكِ، سأتدبر الأمر»."
...
"... جاء وقتُ العصر سريعاً، خرجتُ من غرفتي أتبع عمي إلى حديقة المنزل، فقال لي: «قم بتقليم أوراق هذه النباتات برفق، هكذا..».
فقلتُ له: «حاضر»، بينما كان هو يكنس الأرض من الأوراق المتساقطة.
بعد قليل، أخذني إلى شجرة الرمان الكبيرة وقال لي: «هل ترى تلك الثمار الصغيرة هناك في الأعلى؟».
فرفعتُ رأسي وقلت: «نعم، أراها!».
فقال لي: «مع نهاية شهر نوفمبر ستكون الثمارُ ناضجةً تماماً، كل ما أريده منك هو أن تسقيها كل يوم.. ما رأيك؟».
نظرتُ إليه بتردد وسألته: «لِمَ تكلفني بشيء كهذا؟ اعتقدتكَ سمعتني عندما أخبرتك أنني لا أعرف شيئاً في الزراعة!».
نظر إليّ عمي بحنية، وربتَ على فروة شعري وقال: «لا أريدك أن تشغل بالك بالتفكير بسبب الأحداث الأخيرة، وأيضاً رأيتك تبادر بالمساعدة صباحاً، لذا أعطيتك هذا العمل الذي سيناسبك».
هنا شعرتُ بتأنيب الضمير حقاً.. عمي ليس شخصاً سيئاً أبداً، لكنني أكذب عليه بكوني "سالم"! هل ستكون علاقتنا جيدة كما هي لو قلتُ له أنني "ريم" في الواقع؟!
أخذتُ نفساً عميقاً وقلت في نفسي: سأتشجع وأعترف، لا بأس إنها فرصتي الآن لأن عمي مهتمٌ بي...
رفعتُ رأسي وأنا أنظر إلى عمي بتوتر وقلت: «عمي.. أنا كذبتُ عليك، أنا آسفة!».
ثم أنكستُ برأسي وأنا أغمض عيني بشدة من الخوف..
ضحك عمي وقال: «أنا أعلم.. لا تقلق!».
فرفعتُ رأسي بصدمة.. هل كان يعلم بحقيقتي إذن؟! لِمَ تماشى مع كذبتي؟!
فقلتُ له بصوت مرتعش: «ماذا تعني؟!».
فقال عمي وهو يمسك وجهي بلطف: «أعلم أنك تكذب بشأن أنك لا تجيد الزراعة لتتهرب من الأمر! عندما كان والدك يسكن هنا قبل أن ينتقل للعاصمة وكنتَ ما تزال طفلاً، كان أخي يحكي لي أن ابنه شغوفٌ بالزراعة منذ طفولته، وكنتَ تساعد والدك عندما يزرع شيئاً و أنت متحمس».
عشتُ للحظة في صدمة.. أوه! لم يكن يتحدث عن كوني فتاة! مهلاً، هل كان شقيقي حقاً شغوفاً بالزراعة كما قال؟! لم أكن أعلم ذلك عنه..
أطلقتُ ضحكة متوترة: «هه هههه هه.. نعم، هذا صحيح! لا بأس يا عمي، سأهتم بالرُمانه.. أعدك».
ابتسم عمي وقال: «حسناً يا بني، سيؤذن المغرب عما قليل، استعد لنذهب معاً إلى مسجد المنطقة لتصلي الجماعة هناك.. يجب أن تعتاد الصلاة في المسجد بدل البيت».
هنا شعرتُ أن حياتي لا بُد أن تبدأ من منطلق جديد ومربك، لأنني لم و لن أتمكن من الاعتراف بكذبتي وعليّ الاستمرار على ما يبدو..
وبينما كنا نسير متجهين للداخل، كانت الأفكار تعصف في مخيلتي كالعواصف: ماذا أفعل؟! أشعر برهبة شديدة.. هل سأصلي في الجماعة مع الرجال؟!
قطعت نبرة عمي أفكاري قائلاً: «صحيح، هل عثرت على جوازك؟ سنذهب غداً لتسجيلك في المدرسة».
هنا أمسكتُ ثوب عمي من الخلف بعجز، وقلتُ له بتوتر: «لستُ مستعداً بعد لأبدأ المدرسة...»."
"... هنا التفتَ عمي إليّ، وأمسك بكلا يدَيّ على كتفي وقال: «إن لم ترد الذهاب لن أمنعك، لا تبدو مستعداً.. ولكن لا يمكننا تأجيل تسجيلك أكثر من ذلك، على الأقل دعنا نطمئن إلى أنك تم تسجيلك في المدرسة، اتفقنا؟».
قمتُ بهز رأسي بنعم، لكن جميع جوارحي ومشاعري كانت ترفض الفكرة من الأساس..
هل من الممكن حقاً تسجيلي؟! سألتُ نفسي مراراً وتكراراً، هل سأنجو بفعلتي؟! هل سيتغير مستقبلي؟! وإلى متى ستستمر كذبتي؟!
سمعتُ عمي يخرج من غرفته متجهاً إلى المسجد بعد أن غيّر ثوبه، وناداني بصوت مرتفع: «سأخرج لأصلي الآن، ألن تأتي يا سالم؟ سيبدؤون الصلاة».
خرجتُ من غرفتي في آخر لحظة، وصادفني عمي عند بوابة المنزل وهو يخرج، فدفَعني بلطف من ظهري لأسايره في خطواته وقال: «علينا الإسراع فلقد تأخرنا قليلاً..».
وها نحن نصل أمام المدخل؛ إنها أول مرة سأصلي فيها مع جماعة.. آه صحيح، جماعة من الرجال!
كنت أرى الرجال يتوافدون جميعاً أمامنا إلى داخل المسجد. كنا آخر من دخل أنا وعمي، لنسمع الإمام ينادي: «استووا واعتدلوا..».
وما هي إلا لحظات حتى وقفنا في الصف جميعاً بخط واحد، كبّر الإمام وبدأنا الصلاة.
بعد أقل من نصف ساعة، أنهينا الصلاة، وبدأت حشود الرجال بالتسليم والقيام من جلوسهم ليسلم كل واحد على الذي بجانبه...
بينما كنتُ أقف مع عمي بتوتر، وأحاول ألا أبتعد عنه وأنا أشعر بشعور مريب، جاء صوتٌ من مكان ليس ببعيد عنا: «أبو همام! يا أبا همام!».
التفتَ عمي وقال: «نعم، أهلاً يا أبا محمد!».
فقال أبو محمد: «أهلاً بالجار! واللهِ لم نرك منذ فترة».
عمي: «نعم أهلاً بك، لقد سمعتُ أنك كنت مسافراً مع عائلتك منذ عامين للخارج بسبب ظروف العمل».
أبو محمد بابتسامته المتواضعة: «نعم هذا صحيح، لكني عدتُ منذ أسبوعين تقريباً، ألم يخبرك أحد؟».
فقال عمي: «لا للأسف، وإلا كنتُ قد زرتُك».
ضحك أبو محمد وقال: «لا داعي، أعرفك منذ وقت طويل ولا أريد أن أثقل عليك». ثم بنظرة سريعة نظر إليّ وقال: «مهلاً يا أبا همام.. من هو الشاب اللطيف بجانبك، محلوق الرأس هذا؟».
وبنبرة متفائلة قال عمي: «هذا ابن أخي، يسكن عندي الآن لظروف خاصة».
أبو محمد: «وأنا حسبتُ أنك رُزقت بابنٍ أخيراً!».
فيفاجئني عمي برده: «ولِمَ لا يكون ابن أخي ابني أيضاً؟! من الآن سيكون كابني تماماً».
ضحك أبو محمد وانحنى باتجاهي وهو يمد كفه: «مرحباً، ما اسمك؟».
فأجبته بتوتر: «سالم...».
"... الساعة العاشرة والنصف مساءً...
هذا أطول يومٍ مرّ بي! أنهينا تناول العشاء منذ ساعة تقريباً وما زالت الساعة العاشرة، متى سينتهي هذا اليوم؟!
قمتُ بضبط الساعة على الفجر، ثم جلستُ أفكر فيما حصل اليوم.. لِمَ كان ذلك الرجل ينادي عمي بـ "أبي همام"؟ هل هو لقبٌ له لا أعلمه؟! ثم إن كان يعلم أن لا أبناء ذكور له، لِمَ ادعى أنه ظنني ابنه؟! إنه رجل غريب، لكنه لا يبدو إنساناً سيئاً..
ومما سمعته من عمي، فقد كان مسافراً في الخارج لعامين، لا بد أنه منفتح، لكنه بدا لي كإنسان ملتزم.. تعجبني الشخصيات التي لا تغيرها ظروف بيئتها.
لكن أروع ما مرّ بي اليوم هو الصلاة؛ لم أكن لأعرف ذلك الشعور الروحاني مع الجماعة لولا أني وافقتُ عمي على الذهاب اليوم..
ومع ذلك، فإن تأنيب ضميري لا يفارقني: هل صلاتي صحيحة؟! لقد صليتُ في الخلف، أظن أنني بخير من هذه الناحية على الأقل، لكن لن أعاود الصلاة هناك مجدداً.. عليّ أن أصلي في المنزل من الآن فصاعداً كي لا يحدث خطأٌ ما ويكشف أمري.
بدأت عيناي تثقلان بينما كانت هذه الأفكار تشتعل داخل رأسي، حتى غفوتُ دون أن أشعر..."