الفصل 3
حنين البيت
المنبه يرنّ مع أذان الفجر... استيقظتُ من نومي العميق لأول مرة بعد خروجي من المستشفى. لا أذكر أنني نمتُ بهذا الارتياح منذ مدة طويلة!
حدقتُ في ثياب أخي التي أرتديها، لتبدأ الأفكار بالتدافع إلى ذاكرتي مجدداً..
لم أكن خائفة من عقاب عمي لو عرف حقيقتي، بقدر ما كنتُ مرعوبة من أن أغوص أكثر في هذا الوحل.. لو اعترفتُ البارحة لكانت الصدمة أقل من أن أترك الكذبة تتضخم لتسحقنا جميعاً فيما بعد. انتهزتُ حنيّة عمي كفرصة أخيرة لأنقذ نفسي من هذا الذنب قبل أن يفوت الأوان، لكن تلك الفرصة ذهبت مني...
الآن، عليّ التراجع قليلاً حتى أجد فرصة مناسبة لأعترف مجدداً.
دخلتُ الحمام لأتوضأ، وما إن انتهيتُ حتى عدتُ لغرفتي، أغلقتُ الباب بالمفتاح، وارتديتُ ثياب الصلاة مع الحجاب. وما إن أنهيتُ صلاة الفجر، حتى عدتُ لأستلقي على الفراش لأن الشمس لم تشرق بعد.
وما هي إلا ساعتان، حتى طرقت زوجة عمي الباب قائلةً: «اخرج يا سالم، تعال لنتناول الفطور».
استيقظتُ، رتبتُ فراشي ثم خرجت، ولكني لم أرَ سوى عمي يجلس أمام سفرة الفطور. جلستُ أمامه وقلت بتوتر: «صباح الخير يا عمي».
فردّ مبتسماً: «صباح النور، هل نمتَ جيداً؟».
فأجبته: «نعم..».
يبدو أنه لاحظ استغرابي من خلو البيت، فقال: «زوجتي والبنات ذهبن للمدارس. طبعاً تعرف أن عمتك تعمل أمينة سر في المدرسة لذا وجب عليها المغادرة مبكراً، أما البنات فقد غادرن لأن الحافلة تأتي في وقت مبكر».
سكب لي عمي بعدها كوباً من شاي الحليب الدافئ، وجلسنا بهدوء نتناول الفطور..
بعد الفطور، جلسنا نتابع التلفاز قليلاً، ثم التفتَ إليّ وقال: «متى ستكون مستعداً لنذهب ونسجلك اليوم؟».
هنا بلعتُ ريقي وقلتُ له بتلعثم: «أظنني نسيتُ شهادة الميلاد والهوية في منزلنا القديم.. فماذا نفعل؟!».
ارتفع صوت عمي بدهشة واستغراب: «ولماذا تقول هذا الآن؟!».
ثم هدأ قليلاً وزفر بصبر: «أعلم أنك لست مستعداً وتشعر بالغربة يا بني، لكن كلما أجلتَ الأمر لن يزيدك ذلك إلا خوفاً..».
حسناً، هو لا يعلم أين يكمن خوفي الحقيقي!
وقف عمي وقال بقرار حاسم: «استعد واحمل معك حقيبة فارغة، سنخرج الآن إلى منزلك القديم لنستعيد الأشياء والأوراق التي نسيتها».
وبالفعل، لم تمضِ إلا دقائق حتى كان عمي يطلق بوق السيارة ليحثني على الخروج. صعدتُ بجانبه، وتحرك بنا مغادراً المنزل على عجل.
وفي الطريق، فتح عمي الحديث معي مجدداً بنبرة عتاب حازمة: «سالم.. أنا لا أريد أن أكون قاسياً عليك، لكنك تتهرب بكل الطرق من موضوع المدرسة، وإخفاؤك لأمر نسيان الأوراق هو تهربٌ من الواقع. توقف عن الانغلاق على أفكارك لوحدك وأخبرني الحقيقة: هل هناك أمر آخر يجعلك لا تود الذهاب للمدرسة؟!».
كانت نبرات صوته الممتلئة بالغضب والإحباط تزيد من توتري. هو لا يفهم ما أشعر به، ولا أنا أعرف كيف أصف له الحقيقة! فأخفضتُ رأسي وبقيتُ صامتة..
بعد ساعة ونصف تقريباً، وصلنا إلى حدود العاصمة، لكننا لم نتوجه إلى المنزل مباشرة؛ إذ توقف عمي عند إحدى المحطات ليملأ خزان السيارة بالوقود، ثم نزل ليشتري بعض الوجبات الخفيفة والعصائر من بقالة المحطة.
أعطاني بعضاً منها وجلسنا نأكل بينما كنا نكمل طريقنا. كان كل شيء يسير بهدوء، حتى وصلنا إلى دوّار رئيسي في الشارع..
وبينما كنا نخرج من المخرج الثالث، تفاجأنا بسيارة تتجه نحو المخرج بعكس اتجاه السير وبسرعة جنونية!
كادت أن تصطدم بنا مباشرة، لكن عمي انحرف بالسيارة بقوة وتفاداها في اللحظة الأخيرة لتتوقف السيارتان بفارق سنتيمترات!
نزل عمي من السيارة فوراً وهو يصرخ بغضب: «كيف تقود عكس الدوار؟! ما خطبك؟!».
أما أنا.. فقد تجمدتُ في مقعدي!
بدأت دقات قلبي تتصاعد بجنون، وأنفاسي تتلاحق في شهيق وزفير سريع جداً.. أمسكتُ صدري بيدي، وبدأت الرؤية تصبح ضبابية أمام عيني، وصوت عمي العالي ينخفض وينسحب بعيداً كأنني تحت الماء..
ثم.. لم أعد أذكر أي شيء، وسقطتُ مغشياً عليّ.
فتحتُ عينيّ الشاحبتين بهدوء.. هذه رائحة مألوفة، رائحة مطهرات؟!
رفعتُ نفسي وجلستُ التفتُ حولي بذهول: ما هذا؟! هل ما زلتُ في المستشفى؟! اعتقدتُ أنني خرجتُ منه!
عاد ذلك الصداع الشديد يهاجم رأسي بلا رحمة، فأمسكتُ برأسي بكلا يديّ بقوة وأغمضتُ عينيّ وأنا أنحني بنصف جسدي نحو ركبتيّ.. كم هذا مزعج! متى سينتهي هذا الصداع؟!
فجأة، سمعتُ صوتاً قريباً ناداني بلهفة: «سالم! سالم، هل أنت بخير؟!».
رفعتُ رأسي.. أوه، إنه عمي!
فقال بصوت حنون متأسف: «كيف تشعر الآن؟ هل أنت بحال أفضل؟».
فقلتُ بتوتر: «آه.. أنا بخير».
فقال عمي بقلة حيلة: «أسرعتُ بك إلى الطوارئ، لقد صدمتني عندما أغمي عليك فجأة! لكن الأطباء قالوا إنها مجرد نوبة هلع وخوف شديد بسبب ذكرى . أنا آسف جداً لأنني جعلتك تمر بهذا مجدداً..».
فقلتُ له أحاول التخفيف عنه: «لا تقلق يا عمي، أصبحتُ أشعر بتحسن الآن».
فردّ عمي: «أعطوك محلولاً وريدياً لتستعيد قواك. نحن في عيادة قريبة من منزلك القديم، وسنتوجه إلى البيت فوراً ما إن أنهي إجراءات الخروج، لذا استلقِ واسترح قليلاً إن أردت».
زفرتُ براحة.. حسناً، هذا يعني أنهم لم يكشفوني! يبدو أن صغر بنيتي وتأخر علامات البلوغ أنقذاني مجدداً، ولم يعلم أحدٌ أنني فتاة.
مضت نصف ساعة وغادرنا العيادة باتجاه السيارة..
سألتُ عمي باستغراب ونحن نركب: «من كان يقود تلك السيارة الأخرى؟».
فردّ عمي بغضب: «شاب في الثانوية متهور! لا أعلم كيف يسلمونه سيارة، ولماذا لا يهتم الأهالي بأبنائهم؟! كم من عائلاتٍ فُقدت و هلكت بسبب هذا التهور!».
بعد دقائق معدودة، وصلنا إلى منزلنا القديم.. نزلنا ودخلنا، وتوجهتُ فوراً إلى غرفة أخي لأبحث عن الأوراق الرسمية...
"... حاولتُ ألا أنجرف في أفكاري أو أدقق في أرجاء المنزل؛ فهو يشعرني بمرارة الفراق.
كان الغبار قد تراكم في الأرجاء، وأضحت الأرفف بيوتاً للعناكب. جلستُ أبحث في غرفة أخي عن الأوراق والإثباتات وشهادة الميلاد، ولكني لم أجد شيئاً.
قررتُ أن أتجه إلى غرفة والديّ.. فتحتُ الباب بهدوء ودخلتُ خطوةً تلو الأخرى. كانت الغرفة معتمة والستائر مغلقة، فتقدمتُ لأزيح الستائر، وفجأةً.. غمر النور أرجاء الغرفة!
وسمعتُ صوتاً دافئاً يناديني: «ريم.. ماذا تفعلين؟».
التفتُ بسرعة خلفي، وكانت أمي تجلس على السرير وهي تنظر إليّ بابتسامتها الهادئة! وقفتُ متجمدةً في مكاني، فقالت بصوتٍ حنون: «كيف تسير أموركِ الآن؟ هل تحسنت حالتكِ؟».
فأجبتها وعيناي إغرورقتا بالدموع: «ماذا تعنين؟!».
وما إن رأت الدموع في عينيّ حتى بسطت ذراعيها وقالت: «تعالي إليّ.. لقد اشتقتُ لكِ!».
فهرعتُ مسرعةً إلى حضانها، وصرتُ أذرف الدموع بغزارة دون أي صوت.
ضمتني إلى صدرها، ورفعت إحدى يديها تمسح على رأسي بهدوء: «أوه عزيزتي.. لقد حلقوا شعركِ الجميل، لا بد أنه كان صعباً عليكِ تحمل ذلك..».
هنا بلغتُ حدي من التحمل، وقلتُ لها وأنا أشهق بالبكاء: «لماذا تركتِني وحدي؟! لماذا ذهبتم جميعاً وتركتموني؟! هل تسألين عن حالي؟! أنا لستُ بخير أبداً.. خذيني معكِ أرجوكِ ،خذيني معكِ!».
صمتت أمي للحظات، ثم قالت بأسى: «اعتقدتُ أنني أرحتكِ من صراخنا أنا ووالدكِ.. لقد كنا نتشاجر كثيراً».
صرختُ ووجهي مدفونٌ في صدرها: «أنا أريد إزعاجكما، فقدانكما مخيفٌ أكثر من شجاركما بكثير.. خذيني معكِ!».
زفرتُ كل ما أملك من نفس، ثم رفعتُ رأسي وأنا أتوسل: «أمي أرجوكِ..».
لكن.. لم تكن أمي هناك!
كنتُ أحتضن ثوبها المتروك على السرير..
شعرتُ ببرودة غريبة تسري في أرجاء الغرفة، وكأن ضوء الشمس الذي دخل من النافذة، لم يزد المكان إلا تجلداً وبرودةً فوق الصدع الذي في داخلي..
أخذتُ نفساً عميقاً، وفي دولاب أبي وجدتُ جميع الأوراق الرسمية لعائلتنا، ومن ضمنها شهادة ميلاد أخي سالم.
حاولتُ جمع شتات نفسي، وبدأتُ أمسح بقايا الدموع من وجهي. وفجأة، سمعتُ طرقاً على الباب، ثم دخل عمي مباشرةً والتفت إليّ قائلاً: «هل أنت بخير؟ لقد تأخرت!».
فأجبتُ أحاول تماسك بصوتي: «نعم أنا بخير.. عثرتُ على الأوراق التي نحتاجها للتسجيل، لنغادر».
تركنا المنزل خلفنا وأوشكنا على المغادرة، وبينما نركب السيارة، ظهر رجلٌ غريب فجأة وطرق على نافذة عمي!
فتح عمي النافذة متعجباً: «مرحباً.. كيف أساعدك؟».
فقال الرجل: «أنا المالك».
ردّ عمي: «مالك ماذا؟».
فأجابه: «مالك هذا المنزل الذي خرجتما منه للتو..».
صُدمتُ في مكاني! صحيح.. طالما أن المنزل بالإيجار، فلا بد أن مالكه سيطالب باستعادته بعد أن تُرك فارغاً..."
"... وقال المالك بعدها بجمود: «عليكم تفريغ المنزل ودفع إيجار الأشهر التي لم تُدفع، ومن حسن حظكم سأعفو عن هذا الشهر فقط».
فردّ عليه عمي بنبرة حادة ونظرة مستنكرة: «كيف تقول ذلك وبهذا الأسلوب؟! أظنك تعلم أن أصحاب المنزل قد توفوا في حادث أليم!».
فردّ المالك ببجاحة وقسوة: «نعم، ولذلك لم أزعجكم من قبل ولم أتصل، لكن لا أعتقد أنني يجب أن أموت أنا وعائلتي جوعاً لأن أصحاب البيت قد ماتوا! هذا حقي وعليّ أن أكسب لقمة عيش عائلتي».
حبس عمي غضبه محاولاً التماسك: «فهمت.. فهمت، لكن لن نستطيع تفريغ المنزل الآن، فنحن مشغولون للغاية».
أردف المالك بشكل حاسم لا يقبل النقاش: «إذاً سأبيع الأثاث وكل شيء فيه، وسأرمي الباقي بنفسي؛ لأن هناك عائلة أخرى تطالب بالسكن فيه قريباً!».
زفر عمي بغضب وقال: «حسناً حسناً هذا يكفي! خفف من حدة حديثك قليلاً، لا يزال ابنهم حياً وتحدث بأسلوب راقٍ من فضلك.. لِمَ لا نسأله أولاً ونرى رأيه؟!».
هنا التفت المالك إليّ وفحصني بعينيه بنظرة غريبة، ثم قال لعمي: «أتقصد أن هذا الولد هو ابن حسن؟! هل هذا هو سالم؟!».
فردّ عمي متعجباً: «لماذا أنت مستغرب؟! نعم هو، وما يزال حياً ولله الحمد..».
تملّكني الخوف في تلك اللحظة، وشعرتُ بشعور غريب يداهمني حتى بدأتُ أتصبب عرقاً..
قال المالك وهو ما يزال مطوقاً السيارة بنظراته: «غريب! لقد قابلتُ سالماً عدة مرات، حتى أنني رأيته مع والده وتحدثتُ معه من قبل.. لكنه لم يكن يبدو هكذا أبداً!».
ضحك عمي بسخرية: «ما الذي تهذي به؟! أنا أخوه وأعلم بأبنائه أكثر منك، وهو قال بنفسه إنه سالم، فلماذا قد يكذب؟!».
لم أنطق بكلمة واحدة.. كان خوفي قد وصل إلى ذروته، والعرق يسيل على جبيني برعشة واضحة كالشمس، لكن المالك واصل شكوكه: «غريب.. كان سالم أمتن من هذا الولد، وكان وجهه أكثر حدة وشعره أكثف بقليل!».
قاطعه عمي بغضب وحزم: «توقف عن مضايقته، فهو لا يبدو مرتاحاً! ثم إنه كان في العناية المركزة لفترة طويلة وفقد الكثير من وزنه، أما شعره فقد حُلق لعملية جراحية طارئة في رأسه!».
همهم المالك بقلة حيلة: «هذا منطقي.. ولكن، لماذا يبدو مستغرباً لرؤيتي وكأنه لا يعرفني أصلاً؟!».
ثم نظر إليّ مجدداً وهو يضع ذراعه على نافذة السيارة متكئاً عليها، وقال بنبرة متفحصة: «هيا يا سالم.. أخبرني ما هو اسمي؟ أنت تعرفني جيداً!».
هنا قشعر شعر جسدي بالكامل، وتجمد لساني في فمي فلم أعرف ما أقول: «أنا.. أنا.. نسـ...».
قاطعه عمي فوراً وقال: «ذاكرته ليست في أفضل حالتها بسبب الحادث، دعنا نعد لموضوعنا الآن ولا داعي للإزعاج!».
ثم التفتَ إليّ عمي بنبرة هادئة وهو يخفض صوته: «ماذا تقول يا بني؟ هل تريدنا أن نخرج الأغراض اليوم أم نؤجلها؟».
"... هنا حسمتُ أمري فوراً؛ أردتُ فقط أن نتحرك ونبتعد عن هذا الرجل قبل أن يحصل ما هو أسوأ، فقلتُ بجفاف ونبرة قاطعة: «فليفعل المالك بها ما يشاء.. لقد أخذتُ الضروريات، وليس وكأننا سنعرف أين نضع باقي الأثاث، كما أن أصحابها لن يعودوا أبداً.. لنرحل فقط».
أدرتُ وجهي للجهة الأخرى ونظرتُ عبر النافذة دون أن أبدي أي تعبير آخر...
نظر إليّ عمي بنبرة متشككة وقال: «حقاً؟ هل أنت واثق يا بني؟».
لم أجب، وأبقيتُ وجهي نحو النافذة أحاول كبح دموعي.
زفر عمي بقلة حيلة وقال: «حسناً.. كما تشاء، لن أضغط عليك أكثر».
أدار عمي المحرك، وتحركت بنا بالسيارة مبتعدين عن المنزل، تاركين خلفنا أثاث عائلتي.. بعد أن قال للمالك الواقف يتابعنا بنظراته من بعيد :
《إفعل ما شئت ولا تقلق بشأن المال سنحوله لك قريباً 》"
"... ها نحن عائدون إلى البلدة.. كان الطريق طويلاً، لكنه الآن أصبح أطول بكثير بعدما أدركتُ أنها قد تكون مرتي الأخيرة لزيارة العاصمة، ولن تكون موطني بعد الآن؛ بل سيكون موطني هو هذه البلدة التي نشأتُ فيها في طفولتي البريئة.
آه صحيح.. لم أخبركم، لقد ولدتُ هنا وكنا نعيش مع عائلتي، لكن شاءت الظروف أن ننتقل بحجة القرب من عمل والدي في العاصمة، وأظننا انتقلنا حين بلغتُ السابعة من عمري.. لكن ذكرياتي ليست قوية لتلك الدرجة، لذا نسيتُ أغلب رفيقاتي وجيراننا، ورغم أنني درستُ حتى الصف الثاني الابتدائي، إلا أننا انتقلنا مع بداية الفصل الدراسي الثاني.
بعدها شعرتُ بنعاس شديد، فغفوتُ في السيارة من جديد..
استيقظتُ على صوت وصولنا، وكانت زوجة عمي وبناتها قد أنهين الدوام الرسمي للليوم ووصلن إلى المنزل في الوقت نفسه. ألقينا التحية ودخلنا، فالتفتت زوجة عمي وهي تنظر إليه باستغراب: «هل أخذ تسجيل الولد الصباح بطوله؟».
فردّ عمي: «في الواقع لم نذهب للمدرسة، بل كنا في العاصمة؛ إذ أخبرني فجأة أنه نسي أوراق الإثباتات في منزله، وكان عليّ جلبها حالاً».
فقالت: «إذاً ستأخذه غداً لتسجيله؟».
أجابها عمي: «نعم، هذه هي الخطة بإذن الله».
أعدت زوجة عمي الغداء بمساعدة إحدى بناتها، ثم تناولناه في وقت متأخر نحو الساعة الثالثة عصراً. أخذ كل منا قيلولة قصيرة، واستيقظنا مع صلاة العصر لتجتمع العائلة في صالة المعيشة.
كنتُ آخر من استيقظ، وعندما خرجتُ كان الجميع مشغولاً بأموره؛ نسرين تحل واجباتها المدرسية بمساعدة أختها آية التي تعينها عند صعوبة المسائل، وزينب منغمرة في المذاكرة في زاوية منفردة بالصالة، بينما كانت زوجة عمي تتحدث مع عمي عن أحداث يومها في المدرسة..
شعرتُ أنني الشخص الخاطئ في هذا المكان! لذا، ودون أن ألفظ بكلمة، تسللتُ خارجاً إلى باحة المنزل واتجهتُ لشجرة الرمان لأسقيها.
أخذتُ أسرح في تفكيري قليلاً.. هل ما يحدث معي حلمٌ أم واقع؟! بتُّ لا اعرف كيف أصف ما أشعر به. رغم أن كذبتي لإخفاء حقيقة كوني فتاة غير واقعية بالمرة، إلا أن الأمور تجري بشكل جيد ولم أُكشف بعد..
هل سألتحق بمدرسة للبنين وأواصل التظاهر بكوني صبياً؟! ألن يدرك أحدٌ حقاً أنني مجرد فتاة؟!
آه.. رأسي لا يتحمل هذا! ستكون الكارثة أكبر لو كُشفتُ وأنا في مدرسة للذكور، ولكن مهما حدث، عليّ أن أواصل كذبتي لفترة من الوقت حتى أجد فرصة مناسبة. ولربما يريد الله أن يختبر صبري ،هل سأتحمل ما سأتلقاه بكوني صبياً؟ لأن هذا ما كنتُ أتمنى أن أولد عليه في بعض الأحيان، وكأن كوني فتاة كان نقمة! وما شعوري هذا إلا بسبب نظرة من حولي بأن الصبي أفضل من الفتاة..
تنهدتُ بأسى، وفجأةً سمعتُ خطوات خفيفة خلفي!
التفتُّ فإذا هي "نسرين".. ألقيتُ التحية بتعجب: «مرحباً نسرين.. هل أردتِ شيئاً مني؟».
أجابتني بضحكة خفيفة: «لا، أنا بخير.. أتيتُ لأطل عليك فقط. كنا جميعاً نجلس في الصالة لكنك خرجتَ بهدوء، فجاءني فضول لمعرفة ما تفعله هنا لوحدك، والظاهرٌ أنك تسقي رمانة أبي المفضلة!».
قلتُ لها بتعجب: «أوه.. أهذه شجرة والدكِ المفضلة؟! لم أكن أعلم!».
فقالت نسرين مغيرية الموضوع بشكل مفاجئ: «أخبرني عن نفسك.. فأنا فقط أعلم أنك في سن أختي زينب، هذا كل شيء!».
قلتُ بتوتر محاولاً التملص: «حسناً.. ما الذي يثير فضولكِ بشأني؟ لا أعلم ما أقول عن نفسي بصراحة!».
فردت نسرين بذكاء طفولي: «مثلاً.. أخبرني ما هي أكلتك المفضلة؟ أو لعبتك المفضلة؟ أو.. من هو أكثر شخص في عائلتي أحببته منذ وصولك للعيش معنا؟».
توترتُ بشدة؛ فلم يسألني أحدٌ هكذا من قبل! كان الأمر وكأنها تحقق معي! فأجبتها بشكل مبهم: «حسناً دعيني أرى.. لستُ انتقائياً في الطعام، أحب كل شيء صالح للأكل. ولا توجد لعبة مفضلة بالنسبة لي، ولكني أكره الرياضة! كما أنني أُعجبتُ بكل عائلتكِ».
قلتُ في نفسي إنها مجرد طفلة، فلا يجب أن أعطيها كلاماً عميقاً سيكون ضدي لو فلت لسانها، لكنها ردت بتساءل ذكي: «عجيب! إجاباتك كأنها إجابات آلي أو غير واقعية.. ألا تريد مصارحتي بما تشعر به حقاً؟».
قاطعتها متفادياً الحديث: «ألست أنتِ في الصف الثالث؟».
فقالت: «نعم.. ولكن لماذا؟».
لم أجبها، فهي تبدو واعية أكثر بكثير ممن هم في سنها! ضحكتُ ضحكة جافة لأتجنب الإجابة، حتى ظهر عمي فجأة: «أنت هنا يا سالم؟! واه رائع، لم تنسَ أن تسقي الرمانة! وماذا تفعلين هنا يا نسرين؟ اعتقدتكِ تحلين واجباتكِ!».
ردت نسرين بسرعة: «فقط أردتُ أن أتحدث قليلاً مع سالم، كما أنني أنهيتُ واجباتي بالكامل!».
"بعد المغيب، تناولنا العشاء، ثم اجتمعت العائلة في الصالة ودعوني لأجلس معهم هذه المرة. بتنا نتناقل أطراف الحديث حتى بدأ النعاس يتسلل إلينا. وكان الغد يوماً دراسياً رسمياً، لذا قالت عمتي لبناتها: «من الأفضل أن تنمنَ بكراً..».
حلّ الليل وأسدل الظلام ستاره، فعدتُ إلى غرفتي واستلقيتُ على سريري، أتساءل وقلبي يخفق خوفاً وحيرة: ما الذي سيحدث معي غداً..؟"
..
..