الفصل 1
الفصل 1
استيقظ الشاب على سقف لم يره من قبل . حرك عينيه قليلًا ، يشعر بالثقل الشديد .
كذلك يشعر بالفراغ .
نظر نحو النافذه البعيدة في غرفته .
لاحظ انه الليل . إذ انه ليست هناك انوار كذلك بالغرفه . لكن و لسبب ما ، كانت عينيه تريان بالظلام بشكل واضح .
غرفة كبيرة مملؤة باللون الذهبي . تسائل الشاب في نفسه ما إذ كان ذلك الذهب حقيقيا ام لا .
السقف الفخم و تلك الستائر عالية الجوده .
إذ بدأ يتسأل من هذا المسرف الذي قد يصرف هذا الكم من المال في هذه الغرفة.
نهض الشاب بصعوبة شديده من على السرير . جالسًا بهدوء شديد . شعره كان فوضويا للغايه . ثم نظر إلى النافذه ، بعيون فارغة . لا مبالية ،يشعر بالكسل و الخمول .
"اه-من أنا ؟"
هذا كان اول ما قاله .
لا يتذكر شيئًا ، ليس لديه ذكريات عما من كان و ماذا يكون .
"اشعر بالنعاس … ربما غدًا سأكتشف ذلك"
ثم دفن وجهه في المخدة و أعاد البطانيه إلى فوق جسده.
تمتم بكسل شديد : "سأعتمد على نفسي المستقبليه في هذا"
هذا آخر ما قاله قبل ان يدخل في نوم عميق .
في الصباح الباكر، حيث أشرقت الغرفه بنور الشمس. الستائر كانت تمنع أشعه الشمس لدخول الغرفه .
فتح الشاب عيونه ببطئ شديد . متعبًا بشكل واضح .
ثم ، دخلت خادمة بهدوء. و اتت بقماش مع وعاء مليء بالمياه ، و كأنه روتين يومي لها.
خطت نحو السرير و وضعت الصينيه على الطاوله . لم تنظر إلى الشاب ، لم تعرف انه مستيقظ حتى .
بدأت تتذمر بصوت مسموع ، كافيا ليسمع من في الغرفة : "لماذا يجب علي ان اعتني به ؟ اعني أنا فقط الوحيده التي كنت اعتني به ، بدأت اشمئز من رؤية مظهره كل صباح…"
فكر الشاب في نفسه .
هل تقصدني ؟ هل أنا قبيح ؟ حقًا !؟
ليس لدي طاقة لقول شيء ، لذا سأنتظر حتى تراني فاتحًا لعيناي …
اخذت الفتاة القماش و أغرقته بالمياه ، ثم عندما نظرت نحو الشاب.
خطت بعيدًا بصدمة شديدة، يديها ترتجفان و نظرة الخوف ؟ هكذا ما يظهر عليها .
"اه سيدي الشاب …؟"
نهض الشاب بهدوء ، جالسًا بأريحية شديده على السرير ، ثم رتب شعره قليلًا . و نظر إلى الخادمة مباشرةً .
"المعذره … أين أنا ؟"
عم الصمت بالغرفه لعدة ثوان .
ثم الخادمه صرخت صرخة قد تجعل تفقد سمعك .
غطى الشاب أذنيه الطويلتين ، رغم استغرابه بملمس أذنه، إذ انه تحسس بطول أذنه و كذلك تبدو حساسة جدًا . لكن رغم ذلك قرر تجاهل ذلك الان .
"اهه ، توقفي ما الأمر و كأنكِ رأيتِ شبحًا"
الخادمة خطت للوراء ، توقفت عند حد معين ثم حاولت الهدوء .
قالت بصوت رسمي وخفضت رأسها : "المعذرة سيدي الشاب ، فقط … صُدمت باستيقاظك"
"اه أنا أرى ، اريد سؤالك عن-"
قطعت كلام الشاب فورًا ثم فتحت الباب لتصيح في الممر :
"السيد الشاب استيقظ ! فليأتي الطبيب و يكتب تقريرًا للسيد فورا !"
لم تعد للغرفة ، إذ انها غادرت و لم ترى خلفها . تُرك الشاب وحيدًا بالغرفه مشوشًا .
"على الاقل اسمحي لي بأن اسأل …"
ثم بعد عدة الدقائق دخل الطبيب على عجل ، حمل الكرسي معه و جلس امام الشاب ، متوترا و يبدو انه تعرق قليلًا .
قال بصوت متوتر : "سيدي الشاب … هل تسمح لي بفحص نبضات قلبك"
أومأ الشاب رغم تشوشه و عدم فهمه للموضوع حتى الان … مد الطبيب يده و كأنه يطلب ان يعطيه الشاب يده .
لكن الشاب لم يخيب ظنه و أعطاه يده .
جفل الطبيب ، لم يتوقع أبدا ان السيد الذي يعرفه سيطيعه بهذه السهوله.
بدأ يفحص نبضه ، ثم بعد مرور الوقت اخذ يفحص عينيه و ضغط الشاب و كذلك معدل ضربات القلب.
كان كل شيء طبيعيًا ، تنحنح الطبيب ثم نظر إلى الشاب :
"سيدي الشاب ، تبدو مشوشًا ، هل لديك اي اسئلة؟"
كان يود الشاب سؤال عن كل شيء حصل الان ، لماذا يبدون خائفين ، لماذا هم ينادونه بالسيد الشاب . و لكن ، لم يخرج في فمه سوى هذا السؤال الذي قد يختصر كل شيء
قال الشاب بصوت منخفض : "المعذرة ولكن…من أنا؟"
اختنق الطبيب من الماء الذي كان يشربه ، و الخادمه التي كانت تقف خلف الطبيب لا تصدق ما سمعته .
اجاب الطبيب بصوت مصدوم تماما : "هل لا تتذكر من انت ؟"
أومأ الشاب .
صفى الطبيب حلقه ، ثم بدأ يكتب شيئًا ما على دفتره الصغير : "إذًا … انت لا تتذكر اسمك على الإطلاق؟"
"نعم …"
أوما الطبيب برأسه ، و اخذ يكتب مجددا .
ثم رفع نظره إلى الشاب : "اسمك هو إيلانور سكارنسفيف، الابن الثاني لعائلة الدوق"
رفع إيلانور حاجبه ، إذ انه فكر بأن ما خطب هذا الاسم السخيف الذي يمتلكه.
توقف الطبيب عن الكلام و بدأ يحدق في إيلانور لعدة ثوان .
"هل انت حقًا … لا تتذكر شيئًا؟"
هز إيلانور رأسه . ليس لديه اي ذكريات ، او حتى معرفة صغيره عما يكون .
تنهد الطبيب بثقل ، إذ لا يدري كيف سيشرح الأمر للدوق.
ظل الطبيب يحدق فيه طويلًا، كأنه يبحث في عينيه عن أثرٍ للكذب. لكن ما رآه لم يكن خداعًا… بل فراغًا مطبقًا، كآبة متجذرة، ملامح تبدو لشخص أنهكته ليالٍ بلا نوم، رغم أنه استيقظ للتو من غيبوبة طويلة.
قال الطبيب بتوتر : "اخبرني بما تشعر به بالضبط ، من فضلك لا تتردد بقول ما تشعر به"
إليانور نظر بكآبة إلى يديه ، و نظر حوله قليلًا ، ثم أعاد نظره إلى الطبيب ، قائلًا بصوت هادئ: "اشعر بالفراغ … ، و جسدي يؤلمني كلما أتحرك"
وضع كف يده على صدره ، و غرز أصابعه في ملابسه.
"اشعر بغصة في قلبي، أشعر بالذنب الشديد ، و افكار غريبة تراودني"
ابتلع الطبيب ريقه ، و كتب كل شيء في ملاحظاته .
عم الصمت لعدة ثوان ، ثم تكلم إيلانور كاسرًا للصمت .
"هل كنتُ شخصًا سيئًا ام جيدًا؟"
جفل الطبيب ، إذ خاف من ان يجيب على هذا السؤال . كيف سيخبره بالحقيقة ؟
أومأ الطبيب برأسه ببطئ ، ثم قال بصوت مليء بالاسى : "اعتذر على ذلك لكن ، كنت اسوء من المتوقع . لذا اتمنى انك فقط تعيش هادئًا"
كان كلام الطبيب فيه معنى خفي وراء كلماته . لكن إيلانور لم يزعج نفسه بالتفكير بالأمر و فقط اكتفى بإيماءة.
الطبيب ظلّ يكتب بلا توقف، أنفاسه متسارعة، والخادمة تراقب بصمتٍ مشوبٍ بالارتباك.
كل منهما بدا وكأنه يخشى حتى تبادل النظرات أمامه، وكأن عودة السيد الشاب إلى وعيه أمر يثير الرعب أكثر من الفرح.
رفع إيلانور عينيه مجددًا، صوته منخفض، لكنه واضح:
"قل لي… هل الكل هنا يكرهني؟"
ارتبك الطبيب، توقف القلم بين أصابعه، وكأن الإجابة وحدها كفيلة بإشعال النار في القصر بأكمله.
ابتسم إيلانور بخفة ، بتعبير غير مبال : "لا يحتاج الأمر إلى الاجابه إذ ان أفعالكم كفيلة بمعرفة الحقيقة"
تنهد الطبيب ، التوتر النفسي الذي يمر به الان قد لا يمر على أحد آخر . السيد إيلانور ، عار عائلة الدوق ، وغد العائله ، حتى كلمة حثاله قليلة بحقه، اقوى احد الاشخاص بالإمبراطورية حتى اذا تعكر مزاجه فأن لا احد يجرؤ على التكلم معه.
لكونه احد الاشخاص الذي يصعب تعامل معهم بسبب حساسيته المفرطه للأصوات و الأضواء ، فأنه كان من الصعب التعامل معه.
لكن ان يصاب بفقدان ذاكره فهذا شيء آخر .
لا احد سيغفر له ، بل وهو سيعيش في دوامه من الالم لكونه لا يعرف ما فعل حتى ليستحق هذه المعامله .
تنهد الطبيب ، إذ لا يدري إذا يشفق عليه او ان يفرح كونه فقد الذاكره . أشار الطبيب للخادمه بأن تجلب ماء لإيلانور .
جلبت الخادمه كوبًا من الماء.
بدأ إيلانور يشرب ببطئ ، ثم تنهد .
استمر الطبيب في التحديق في إيلانور، وكأنه يحاول اختراق ذلك الفراغ في عينيه. كان يعرف جيدًا كم كان هذا الشاب مكروهًا، بل وخطيرًا. لكن النظر إليه الآن، ضعيفًا، مشوشًا، وحيدًا في تلك الغرفة الفخمة التي أشبه بقفص ذهبي، أثار في الطبيب شعورًا غريبًا بالشفقة لم يعهده من قبل تجاه هذا الشخص.
"سيدي الشاب ، أتمنى إلا تأخذ الأمر بشكل شخصي لكن -"
قطع إيلانور كلام الطبيب : "لا ، ايها الطبيب ، أنا لست مهتما بما فعلت في الماضي و لست انوي ان أعيد ذكرياتي على اي حال ، لكن إذا كان يلزم علي الاعتذار فسأفعله"
اخفض إيلانور رأسه و قال بنبرة غير آسفه على الإطلاق :
"أنا اعتذر منك ، و من الخدم الذين آذيتهم"
ماذا يُتوقع من شخص لا يتذكر حتى خطاياه؟ نبرة كانت اكثر من عادية ، لا تحمل فيه حتى الفهم ، لا يدري ما فعله حتى ليعتذر
شهقت الخادمه بخوف ، و الطبيب ارتجفت عيناه ، لم يصدقا ما سمعوه.
"لا سيدي … لا تعتذر-"
رفع إيلانور رأسه ، عيون خاملة دون اي بريق ، عينين ضبابيتين دون تركيز . يحدق بالطبيب بعيون حادة.
توقف الطبيب عن الحركه ، لم يفكر سوى بأن هذا الشخص رغم كونه ضائع … إلا انه قد يحتاج إلى طبيب نفسي ؟ ربما .
نهض الطبيب و اخذ نظره على الدفتر الصغير الذي في يده ، ذهب إلى الخادمه :
"قولي للطباخ ان يحضر له حساء خفيف ، و لا تعطونه اي طعام قد يكون ثقيلًا عليه فهو للتو استيقظ"
غادرت الخادمة فورًا ، و الطبيب كذلك نظر إلى إيلانور قبل ان يغادر ، و ابتسم بخفة .
و غادر الغرفة كذلك .
و هكذا تُرك إيلانور وحيدًا في غرفته .
"هذا غريب ، لم يعطوني اي تفاصيل …"
انسدح إيلانور على السرير و حضن غطاء السرير ، قائلًا بنبرة كسوله : "لم يخبروني الوقت الذي كنت فيه في الغيبوبة ، او حتى كيف حصل الأمر … لماذا لم اسأل مباشرةً…"
تثاءب إيلانور ، و بدأ يحك رأسه ، لم يكن مهتما حقا ، فقط كل الذي أراد هو كيف وضعه مع أناس هذا القصر.
"ليست لدي طاقة حتى للتفكير"
هكذا مرت عشرون دقيقه يستريح على السرير.
حتى دخلت الخادمه مخربة على إيلانور هدوئه ،معها وعاء من الحساء ، انتشرت رائحته فورًا في الغرفه .
دخلت الخادمة بخطوات مترددة، تحاول ألا تُصدر أي صوت إضافي.
وضعت الوعاء برفقٍ على الطاولة الصغيرة قرب السرير، ثم انحنت قليلًا وقالت بصوت خافت:
"سيدي الشاب، أُحضِر الحساء كما أمر الطبيب"
رفع إيلانور رأسه، نظر إليها بعيون نصف مغلقة، وكأنه لم يفهم بعد ما يجري.
قال بصوتٍ هادئ: "ضعيه هناك فقط"
"ن-نعم، سيدي الشاب."
كادت أن تنسحب، لكنه أوقفها قبل أن تصل إلى الباب.
"انتظري."
تجمدت الخادمة في مكانها، وأجابت دون أن تلتفت: "أجل… سيدي؟"
"هل تعرفين كم من الوقت كنت في الغيبوبة؟"
ترددت الفتاة، لم تعرف إن كان مسموحًا لها بالكلام عن ذلك، ثم قالت بخفوت:
"لقد مرت أكثر من ثلاث سنوات"
أومأ إيلانور برأسه بتفهم ، ثم نهض و جلس مجددًا على السرير ، قائلًا بنبرة فضولية : "إذًا ، كيف حدث ذلك ؟ أعني لماذا دخلتُ الغيبوبه؟"
تنهدت الخادمه ، مترددة بقول ما حدث قبل ثلاث سنوات ، لكن الأمر ، لا يزال أمرًا.
"فقط كل ما نعرفه ان احدًا ما دفعك من اعلى شرفة غرفتك"
توقف إيلانور للحظة ، رفع حاجبًا : "و غرفتي في أي طابق …؟"
"الطابق الثالث يا سيدي"
استغرب إيلانور اكثر ، إذ كيف لم يمت من هذا الارتفاع العالي؟
"م-مهلًا … كيف لم أمت ؟ اعني هذا الارتفاع عالٍ جدًا "
توقفت الخادمه و بدأت تحدق بإيلانور.
انه حقًا فاقد للذاكره ، هل هذا ممكن ان ينسى اصله و عرقه ؟
"سيدي … انت إلف ، و لست بشريًا"
عم الصمت لعدة ثواني، قال إيلانور بصوت مرتجف : "اه هذا … مهلًا أريد رؤية نفسي بالمرآة، هل يمكنك إحضارها الي ؟"
جفلت الخادمة و خافت ، عادت خطوات قليلة إلى الخلف : "سيدي … انت لا تحب رؤية نفسك بالمرآة"
تنهد إيلانور ، و نظر إلى عينيها مباشرة: "هل أبدو و كأنني اتذكر مظهري حتى اتذكر انني اكره رؤية نفسي؟"
الخادمه شعرت بقشعريرة ، رغم فقدانه لذاكرته فأنه لا يزال يمتلك نفس الرهبة التي كان يمتلكها .
أومأت برأسها ، و ذهبت مسرعة لتجلب مرآة صغيرة .
عادت بعد عدة دقائق و معها مرآة صغيرة : "خذ يا سيدي …"
كان صوتًا مرتجفًا يخاف من ردة فعل إيلانور .
ما ان حمل إيلانور المرآة .
شعر اشقر فاتح جدا ، عيون حمراء كالجواهر كانت قد تغرق اي احد في حبها بسرعة . لكن ما لفت انتباهه هو أذانه الطويله.
إذًا في النهايه انه ليس بشريا .
بينما كان إيلانور مصدوما بمظهره ، نظر نحو الخادمة : "هل … عائلة الدوق كلها مثلي؟"
هزت الخادمه برأسها نافية توقع إيلانور : "لا يا سيدي ، ان الدوق ليس إلفًا ، و الدوقة نصف إلف، لكنك يا سيدي ورثت دماء الإلف كلها ، لذا انت إلف نقي الدم"
أومأ إيلانور برأسه وهو يستوعب المعلومات الجديده ،إذ كان لا يزال يحدق بملامح وجهه ، يحاول حفظ كل تفصيلة فيه .
شامة على الخد الأيسر ، عيون حادة ، انف رفيع ، و اذان طويلة . و كذلك اكثر ما جذبه في وجهه هو صفاء بشرته رغم انه كان في غيبوبة لثلاث سنوات ، هل لهذا اي معنى ؟ فكر إيلانور في انه ربما يجب عليه ان يعرف المزيد عن عرقه .
تنهد إيلانور ، و وضع المرآة على الطاوله الصغيره ، و بدأ بأكل الحساء ببطء.
الخادمة كانت واقفه ، لم تجرؤ على الخروج ، لكن لم تعجبها عتمة الغرفة ، لذا قررت ان تسمح لأشعة الشمس بالدخول .
لذا ابعدت القليل عن الستائر مما سمح لأشعة الشمس بالدخول .
ما أن انفتحت الستائر ، و انعكست أشعة الشمس على أعين إيلانور .
توقف إيلانور فورًا و بسرعة وضع الحساء على الطاوله كي لا يوقعه ، بدأ يشعر بألم فظيع في عينيه ، و لم يعد قادرًا على الرؤية ، و بدأ يشعر بأن عينيه تنبضان .
صرخ إيلانور دون اي وعي منه : "آههـ… عيناي …عيناي!!"
أسرعت الخادمة نحوه بخوفٍ شديد، وأغلقت الستائر مجددًا بكل قوتها حتى عادت الغرفة إلى عتمتها السابقة.
اقتربت منه بخطواتٍ مرتجفة، صوتها مبحوح من الفزع:
"سيدي الشاب! سامحني، لم اعلم ان حساسيتك تجاه الضوء اصبحت اقوى!"
كان إيلانور يضغط بيديه على عينيه بقوة، أنفاسه متقطعة، يلهث كما لو كان يحاول إخماد نارٍ اشتعلت داخله.
دموع شفافة انزلقت من بين أصابعه، مختلطة برعشة يديه.
لكن ما أن خف الم العينين ، بدأت مشكلة أخرى بالظهور ، وهو حساسيته تجاه الأصوات كذلك .
"ما-لماذا … إذني تؤلمني"
قالها بصوت مرتجف ، يحاول استيعاب ما يحدث ، لماذا الان بدأ يشعر بالانزعاج من الأصوات وهو كان بخير قبل عدة ثوانٍ؟
الخادمة لم تستطع الإجابة، ركعت قربه مرتبكة، تمد يدها نحوه ثم تتراجع كل مرة، خائفة من رد فعله.
"سيدي، أنت دائمًا كنت هكذا… منذ ولادتك. كانت عيناك دائمًا حساسة للضوء ، و كذلك اذنيك . لكن ان لم تستطع حتى تحمل هذا القدر من الضوء ، فهذا يعني ان حساسيتك زادت"
بدأت أنفاسه تهدأ تدريجيًا، رفع رأسه ببطء، يفتح عينيه بقوة، وصوته خرج خافتًا:
"و كيف … كنت أتحمل ذلك؟"
الخادمة نظرت بعيدًا و قالت بصوت خافت خائفة من انزعاجه من صوتها : "كانت هناك جرعات سحرية من برج ليونيل السحري تخفض من حواسك"
كان يود سؤالها عن ما هو برج ليونيل ، لكن ما هو اهم انه كل ما أراده هي جرعة سحرية: "إذًا هل لدينا ؟"
هزت الخادمة برأسها : "لا يا سيدي ، لقد انتهت كل العبوة"
اخفض إيلانور رأسه و قال بصوت مرتجف ، لا يزال يتألم من ما حدث قبل قليل : "إذًا لنطلب جرعات إضافيه …؟"
توقفت الخادمه ، إذ لا تدري كيف تصارحه ، قالت بصوت خائف : "سيدي … ان برج ليونيل أوقف نشاطاته قبل سنتين ، لم نعد نقدر على التواصل معهم حتى"
"اوه …"
اخفض إيلانور رأسه بخيبة أمل شديدة .
تنهد ببطء، يحاول السيطرة على نفسه، ثم قال بصوتٍ واهنٍ:
"حسنًا… يبدو أنني أعيش في جسدٍ مليء بالمشكلات"
ملامحه لم تتحرك إلا بالكاد، وكأن وجهه نسي كيف يعبر.
نظر إلى يديه النحيلتين ، ثم قال:
“اخرجي من فضلك … اريد النوم"
توترت الخادمه و نهضت فورًا : "لكن سيدي انت للتو استيقظت من الغيبوبة-!"
غطى إيلانور اذنيه ، كانت تؤلمانه جدًا ، ربما حتى صوت التنفس اصبح يزعجه .
"من فضلك… فقط اريد النوم ، هذا الجسد يتعبني"
زفرت الخادمه ، و خذت نحو الباب : "حسنًا … سيدي الشاب"
و هكذا خرجت من الغرفة تاركة إيلانور وحده في الغرفة.
تمدد إيلانور على السرير بكسل شديد ، اغلق عينيه ، لكن لا يزال يشعر بالنبض فيها .
"هذا كان مؤلمًا"
تثاءب إيلانور و قال بصوت خافت : "لا اريد ان امر بهذا مجددًا…"
و هكذا دخل إيلانور في نوم عميق دون اي جهد يذكر .
كان الدوق في مكتبه يعمل ، شعر فضي اللون مع عيون خضراء ، ينتمي إلى عشيرة الغيلان في إمبراطورية إيشهارت .
كان شابا يبدو بالعشرينيات في عمره ، لكن في الحقيقه ان عمره قد بلغ اكثر من مئة عام .
طُرق على باب ضخم اسود .
توقفت يد الدوق عن ما كان يكتب ، و قال بصوت عميق واضح : "تستطيع الدخول"
دخل الطبيب بتوتر ، و وقف عند مكتب الدوق .
رفع الدوق حاجبًا مستغربا عن سبب وجود الطبيب : "ما الأمر ايها الطبيب … لماذا انت هنا؟"
صفى الطبيب حلقه قبل ان يتكلم : "سيدي الدوق ، سيد إيلانور قد استيقظ من الغيبوبة بالفعل"
توقف الدوق ، محدقًا بالطبيب بحدة ، لم يصدق ما سمعه ، تنهد الدوق بثقل و بدأ يدلك رأسه : "كنا مرتاحين منه لثلاث سنوات ، و الان ؟ لماذا استيقظ حتى"
كان هذا الكلام نابعا من أب، أب كره ابنه الثاني كره شديد ، لم يكن بسبب اختلاف إيلانور او بسبب كونه إلف كامل ذو دماء نبيلة نقيه ، بل بسبب شخصيته ، و ما اتت به من افعال شنيعه لن ينساها احد .
لن يصدق احد ان أبا لن يعجبه بعودة ابنه من الغيبوبة …
تنهد الطبيب و فتح الدفتر الصغير ، و قال بنبرة محترمه و حازمه : "سمو الدوق ، السيد إيلانور مصاب بفقدان الذاكره الدائم"
توقف الدوق ، و نظر إلى الطبيب بتعبير شرس ، اظلمت عيناه بشدة ، قال بنبرة غاضبه : "لم أتوقعها منك ايها الطبيب ، هل اتفقت مع إيلانور لهذه المسرحية الرخيصة"
تنهد الطبيب إذ انه تعود على مزاج الدوق ، قال بنبرة اكثر حزامه : "ليس كذلك ، انه حقًا فاقد للذاكره ، إذ انه من الممكن مصاب بإكتئاب شديد، عينيه خاليتين من اي نشاط او حيوية ، و كذلك انه خامل جدًا ، كنت مثلك ايها الدوق ، لم اصدقه ، لكن الان … انها الحقيقة"
بدأ الدوق يطرق على الطاوله بأصبعه ، يستمع إلى كل كلمة يقولها الطبيب ، و من ثم تنهد الدوق و عاد إلى أعماله : "لست مهتما بصدق ، لكن إذ حدث شيء ما و كان متورطا فلن ينجو من عقابي"
"و كذلك سمو الدوق -"
اتى طرق من الباب ، و دخلت الخادمة التي كانت عند إيلانور باحثة عن الطبيب ، نظر الطبيب اليها بتعجب : " ماذا ؟"
انحنت الخادمة تحيي الدوق ، ثم خطت نحو الطبيب قائلة بتردد : "أيها الطبيب ، ان السيد الشاب … زادت حساسيته تجاه الضوء و الأصوات "
توقف الطبيب في مكانه إذ دخل في تفكير عميق ، و الدوق كان صامتا منذ البدايه ، إذ ادرك ما يعنيه هذا ، ثم قال الدوق بنبرة غير مهتمه : "لقد زادت قوته السحرية كما ارى، هذا خطير …"
نظر الطبيب نحو الدوق : "سمو الدوق ان هذا الشيء غير معقول ، كيف يعقل ان تزداد-"
قاطعه الدوق فورًا .
"بل هذا ممكن ، الوقت عند الإلف يمر ببطء ، و بالطبع الإلف بنفس عمر إيلانور يعتبرون أطفالاً للتو تعلمو المشي ، ربما حتى إذا بلغ الف عامًا فستزداد قوته السحرية دون توقف"
عم الصمت في الغرفة ، لم يجرؤ احد عن التكلم ، حتى غير الطبيب الموضوع : "إذًا مالذي يفعله سيد إيلانور ؟"
أجابت الخادمة بتوتر : "انه نائم حاليًا…"
"…"
عم الصمت مجددًا ، لكن هذه المره كان محرجًا.
———————————————————