الفصل 5
استِبــصُارُ المنتَهى.
-فيكـــتور..من أنــت؟
في غُمرة الزِحامِ تجَمَد. تلاشى الزمانُ والمَكانُ، وحلَّت أطيافُ الماضي بثِقلِ رجلٍ حمَل أعباءَ الحياةِ على كفيهِ، شارِدًا، وحيدًا، يحيطُهُ الشَّجنُ والأَسى. مشى ومشى على صَيْهَدٍ لا يُشفِقُ ولا يَرأفُ بالأحياء الذينَ ناموا فوقَ أنقاضِ السنين.
وهوَ غارِقٌ في لُجَّةِ مُحيطٍ لا يرحم..
مُحيطٌ مِن كَلامٍ لا يُفقَه. غريبٌ عن هذا الكونِ خَطا، خَطا بتعثُّرِ طفلٍ. فتداخلتِ المسافاتُ، واشتبكت الأكوانُ؛ لتشكِّلَ ظلامًا يسَحبُه، يقبضُ على يديهِ بِبَئيسٍ ويشدُّهُ لجوفِ شساعتِه. وعِندئذٍ يَختَفي ويَتناثَرُ كعِهنٍ من على سفحِ جبلٍ ناءٍ.
خُزامًى وريحانٌ يُلقيانِ فوقَ ثَرًى يحتويه. يُذعِنُ للاستسلامِ مُغمِضًا، ويَسيرُ سيرَ الضَّنى مُثقَلاً بالكِلامِ، لا يَتوقَّف.دارت الدُّنيا ودارت بهِ فاختنَقَ غيرَ قادِرٍ على أخذِ شهيقٍ يدخُلُ رئتيهِ فيتنفَس، كان الزفيرُ يخرجُ متَحَشرِجًا والشهيقُ يمتَنِعُ عليه، فيزرقُّ أكثرَ فأكثر موشِكًا تجرُّعَ كأسِ الردى كَمُغصبٍ لا يَحُقُّ لهُ المُثولُ رَفضًا. امتلأَ رأسُهُ بِصَخَبٍ مُبهـمٍ لا يُدرِكُ مصدَرَه.
"فيكــتور فـــون ريـختــر استَفِــق!!"
اندفعَ الهواءُ قسرًا إلى خارِجِه، الضغطُ الذي كانَ سحيقًا أضحى لا يُحتمَل. تشنَّج بوطيسٍ حامٍ، الزفيرُ يطلُعُ من فمِه محاولاً تخفيفَ الوطأة التي استحلَّت قابِعةً على قفصِهِ الصدريّ.
خدَش وجهه بأصابِعهِ مُطلقًا صرخةً مُستغيثةً لتستثيِرَ يدًا تُمَدُّ لِمناجاتِه، غرَبت عيناهُ مدامِعُهما حتَّى عَبِئَتا وفاضَتا. فتحَ فاهُ أوسَعَ شاهِقًا، مُقتَنِصًا ذرَّة أُكسجيِنٍ تنتشِله، عدا عَن أنهُ فشِلَ فشلاً ذريعًا فغاصَت أصابِعُه في عُنِقه علَّ قصبتَه تستَنفِرُ راحِمةً إياهُ بنَفَس.
تفلّجت شِفاههُ بنحيبٍ يائِس، كانَ الأكسجيِنُ ينفَذ وعدادُ الحياةِ باتَ في أوجِ نهايتِه. حُمرَّةُ الدمِ الذي سرى في شريانهِ تلَطَّخَت بالأدكنِ مُختالةً بزُرقتِها، فتلون الثَّغرُ واصطبغَ الجِلدُ مُنهكًا بالشحوب. فقدَ القُدرةَ على الاستئناف؛ فأغلَقَ المحاجِرَ مُسلِمًا زِمامَهُ للِمنايـا.
"اســتَفِـــق!" تلا ذلكَ صفعةٌ حادةٌ حطَّت رِحالها على وجنَتِه مُزخرِفةً إيّاها.
صُبت الحياةُ في جسدِه فانفتحَ فمهُ بلهاثٍ يبتلِعُ الهواء، تصببَ عرقًا وهو يكشِفُ عينيهِ للضوءِ الباهِرِ المُسلَّطِ على مُحيّاه. أغلَقَهُما بغتةً لشدَّة السُّطوعِ الذي أجفلَه.
حاولَ استرجاعَ أنفاسِهِ المتهدِّجة، بيدَ أنَّ قعقعةَ الأغلالِ الحديديَّةِ في معصميهِ أعادتهُ إلى جحيمٍ آخَر. لم يكن الضوءُ الساطعُ كشَّافًا طبيًّا بل كانَ نورَ القاعةِ الباردِ الذي يسلطُ سوطَهُ على المتهمين.
تجرَّعَ غصَّتَهُ مُحاولاً لَملَمَةَ شتاتِهِ. الهمساتُ المبهمةُ التي طحنت عقلَهُ تبلورت الآنَ لتغدو لغطًا بشريًّا يملأُ رِحابَ قاعةٍ كبرى. سنواتٌ عجافٌ انطوت، وهذهِ الخصومةُ راكدةٌ في عتمةِ الأدراجِ، تُرجأُ الجلسةُ تلوَ الأخرى لعللٍ غامضةٍ، كأنَّما حِيلَ بينَ العدالةِ وفصلِ الخطاب.
والآنَ، في هذهِ البرهةِ الحرِجَةِ، سِيقَ العقيدُ فيكتور فون ريختر إلى مَعمعةِ المآلِ طوعًا أو كَرهًا. انقشعت غواشي غيبوبتِهِ لِيُبصرَ الوجوهَ ذاتَها التي حَاكَت لهُ تهمةَ الزُّورِ قبلَ أعوامٍ؛ تجلسُ بياقاتِها البيضاءِ المترفةِ، ترتقبُ مَصرَعَهُ القضائيّ.
التفتَ بوقارٍ مكسورٍ نَحوَ محاميهِ الذي كانَ يَهزُّ منكبيهِ بذعرٍ مشوبٍ بالرجاءِ إثرَ صفعتِهِ الأخيرةِ، فتماسَكَ مزدردًا ريقَهُ الجاف:
"ماء" حثَّ المُحامي خُطاه مُتناوِلاً كأسًا بلاستيكيًّـا مِلئًا بالماءِ، شرِبهُ مُستجديًا بقايا وعيهِ الآفل. ورغمَ الارتجافِ الخفيِّ الذي كانَ يخلعُ أوصالَهُ أثرًا للنوبةِ التي بعثرته انتفضَ قسرًا بيدَ أنَّ غريزةَ الصِّراعِ الكامنةَ في كبريائهِ العسكريّ تمرّدت فوقَ وهادِ العجزِ؛ فأطبقَ فكَّهُ الصَّلدَ مُكرِهًا حدقتيهِ الغائمتينِ أن تستحيلا نصلَينِ من جمرٍ سدَّدَهُما نَحوَ سُدَّةِ القضاءِ؛ لِيُعلنَ لجلاديهِ أنَّ الأسدَ الجريحَ، وإن أدمتهُ الخطوبُ، قدِ استيقظَ لخوضِ المعركةِ الأخيرة.
"العقيد فــيكــتور فــون ريخــتر" دَوَّى النِّداءُ الصَّارمُ في أرجاءِ القاعةِ فارتجَّت معهُ عُروقُ الكيانِ كما يرتجُّ الوَتَرُ الأوَّلُ تحتَ سَوطِ عاصفةٍ رعديَّةٍ هائِجة.
تيبَّسَ ظهرُهُ كرايةٍ عسكريَّةٍ تَأبى النَّكسَ رُغمَ الأغلال، وبجلبةٍ حديديَّةٍ طاحنةٍ تلتفُّ حولَ معصميه، أَجبرَ روحهُ المكلومةَ على الُمثولِ مُغترًا رافِعًا رأسه باعتدادٍ وعز؛ لتشُقَّ نظراتُهُ لغطَ الحاضرين وبحورَ شَماتتِهم. تفرَّست حدقتاهُ الدّاجيتانِ في سُدَّةِ القضاءِ، ثمَّ تهاوت لِتَكسَحَ وجوهَ كارتيلاتِ البارودِ والياقاتِ البيضاءِ الجالسينَ في الصَّدر؛ أولئكَ الذينَ حوَّلوا مَعامِعَ حربِ عامِ ألفٍ وثمانمائةٍ وسبعينَ في جبهةِ فرنسا إلى مسلخٍ تكنولوجيٍّ لِأرباحِهِم القذرة.
هُنا، في هذا العالمِ الموازي المحكومِ بآلاتِ الدَّمارِ، لم تكنِ الجبهةُ الألمانيةُ الفرنسيةُ المستعرةُ مجردَ خنادقَ وبارودٍ تقليديٍّ؛ بل كانت مَسلخًا كيميائيًّا شاسعًا، تقتاتُ على نيرانِهِ كارتيلاتُ السِّلاحِ وتُجَّارُ الحروبِ الأثرياء. صفقاتُ الكلورِ السّام والمتفجرات التي تدُرُّ ذهبًا ومالاً لا ينضب في جيوبِهم.
وكانَ فيكتور -بعقيدتِهِ العسكريةِ الحازمةِ وأنَفَتِهِ البروسيَّةِ- حَجَرَ العثرةِ الوحيدَ أمامَ مَخططاتِ أرباحِهِم المليونيةِ؛ إذْ رفضَ مَشروعَ مَحوِ القرى الفرنسيَّةِ بالغازِ الطيَّارِ، وهدَّدَ بتمزيقِ غطاءِ مَفاسِدِهِم أمامَ القيادةِ العُليا.
ولأنَّ الرَّصاصةَ في صدرِ عقيدٍ مَهيبٍ قد تصنعُ منهُ شهيداً يُنبَشُ وراءَ مَقتَلِهِ، اختاروا لهُ ميتةً أبشعَ: اغتيالاً مَعنويًّا هاويًا. حاكوا لهُ تهمةَ الزُّورِ بليلٍ، وجعلوهُ يوقِّعُ أمرَ تَفجيرِ تلكَ الكنيسةِ الفرنسيَّةِ بزعمِ احتوائِها على ذخائرَ لِلعدوِّ، لِيَكتَشِفَ وسطَ لَهيبِ الـمتفجرات أنَّهُ صهرَ أجسادَ أبرياءَ عُزَّلٍ.
الصَّدمةُ شَطرت عقلَهُ لِيَقَعَ في أسرِ ذهانِهِ وسِجنٍ صُممُ لمصلحة غُرمائِه لسنواتٍ فخلا لهُمُ الدَّربُ لِجنيِ الأرباحِ. والآنَ، يَقِفُ لِيُواجهَهُم بعدَ أنِ استردَّ وعيَهُ الُجزئي بِمؤامرتِهِم، مُثبِتًا نَظراتِهِ الجمريةَ في عيونِ رئيسِ القضاةِ الذي سَوَّى أوراقَهُ ببرودٍ، ونطقَ من فوقِ منصتِهِ العاليةِ بهزوٍ ينضَح:
"مَحكمةُ الجيشِ العُليا تفتحُ مَلفَّ الخيانةِ العُظمى ومَجزرةِ المحرابِ الفرنسيِّ.. هَلِ المتهمُ في كامِلِ أهليَّتِهِ لِسمَاعِ لائحةِ الاتهامِ؟" انفلتَت ضحكةٌ من فاهِ الرقيبِ الأوَّلِ إدموند خوسينبرغ، فحدَّقَ بهِ فيكتور، فبادلَهُ الأوَّلُ التحديقَ سَاخِرًا، ناظِرًا إليهِ من فوقِ آنِفِهِ المُتعالي.
ضربَ رئيسُ القضاةِ مطرقتَهُ بعنفٍ، هادرًا بصوتٍ أجشَّ شقَّ همساتِ القاعة: "ليلتزمِ الجميعُ الصمت! الرقيبُ خوسينبرغ، تقدَّم إلَى مِنصَّةِ الشَّهادة".
خطا الرقيبُ بخُطىً واثقةٍ، عارضًا أمام هيئةِ المحلفينَ وثيقةً عسكريَّةً صفراء، وهتفَ مسرحيًّا: "سيدي الرئيس، حضراتِ المحلفين! هذا هو الأمرُ العملياتيُّ رقمُ أربعة وأربعون، الموقَّعُ ببنانِ العقيدِ فيكتور قبل مجزرةِ المحرابِ الفرنسيِّ. التهمةُ ليست مجردَ قصفٍ، بل هي هندسةُ إبادةٍ كيميائيَّةٍ متعمَّدة! لقد حصرَ الأبرياءَ داخلَ الكنيسةِ، وأغلقَ المَنافذَ، وضخَّ غازَ كلورٍ خامِصٍ لِلرئتين متبوعاً ببارودِ المُتفجِرات ليصهرَ أجسادَهُم بدمٍ باردٍ، مستغِلّاً سلطتَهُ العسكريَّةَ لتمريرِ ساديتِهِ !!".ا
نتفضَ محامي فيكتور من مكانه، والعَرَقُ الباردُ يصبغُ جبهتَهُ، وصرخَ مقاطعًا: "اعتراض سيدي القاضي! موكلي تلقَّى بلاغًا استخباراتيًا زائفًا خُدِعَ به لوجودِ ذخائرَ فرنسيةٍ، ولم يكن يعلمُ بوجودِ الأبرياءِ! والأهمُّ من ذلكَ، أنَّ التقريرَ الطبيَّ يثبتُ أنَّ العقيدَ انهارَ عقلُهُ تمامًا بذُهَانٍ فُصاميٍّ وصرعٍ حادٍّ في الفصِّ الصدغيِّ نتجَ عما رأى بعد الحادثةِ، ووفقًا للقانونِ العسكريِّ، تُعلَّقُ عقوبةُ الإعدامِ لانتفاءِ أهليَّتِهِ الحاليَّةِ، ويُنقَلُ للعلاجِ!"
التفتَ المدعي العام نَحوَ المحامي، متبسِّمًا بوضاعة، وعقَّبَ بنبرةٍ ساخرةٍ وجّهها نَحوَ المحلفين: "الضرورة العسكرية لا تبرر الإبادة! ولم يجنِ العقيدُ جنونًا إلَّا حينَ طاردتهُ أرواحُ الضحايا!". ثم أشارَ بحدةٍ نَحوَ فيكتور: "إنَّ تفتُّتَ عقلِ المتهمِ وإصابتَهُ بصرعِ الفصِّ الصدغيِّ والذهانِ في السنواتِ الأخيرةِ ليسَ مبرراً للبراءة، بل هو اعترافٌ صارخٌ وعقوبةٌ ربانيةٌ نخرت وعيَهُ من فرطِ جرمِهِ الموثَّقِ في جبهةِ فرنسا! إنَّهُ يهربُ من حبلِ المشنقةِ بادِّعاءِ الخَبَل!" .
وعقَّبَ بنبرةٍ تقطرُ لؤمًا: "الادعاءُ لا يمانعُ التقريرَ الطبيَّ يا سيادةَ المحامي.. بل يستندُ إليه! نحنُ لا نطلبُ المشنقةَ، بل نطلبُ دفنَهُ حيًّا!" . ثم استدارَ نحو منصَّةِ القضاءِ بملامحَ منتصرةٍ: "بناءً على تصويتِ المحلَّفينَ الثابتِ بالإدانةِ، وتوافقًا مع آفتِهِ العقليَّةِ، نطالبُ بتجريدِهِ من شرفِهِ العسكريِّ وإيداعِهِ الأبديِّ بمصحِّ كلوستربيرغ الجنائيِّ، مع إخضاعِهِ الإلزاميِّ لجراحةِ استئصالِ الفصِّ الجبهيِّ تدميرًا لبقايا دماغِهِ العاصفِ!" كانت تلكَ هي الهندسةُ القضائيَّةُ الأكثرُ قذارةً؛ المحامي يظنُّ أنَّه يفرُّ به من الموتِ، بينما غُرماؤُهُ خطَّطوا لِيَمسَخُوا عقلَهُ ونُطقَهُ للأبدِ عبرَ المشرطِ الطبيِّ، لِيَضمنوا صمتَهُ وتخلو لهم عروشُ الصفقاتِ والملياراتِ.
هبَّ المحامي مستميتًا في دفوعِهِ أمام جلبةِ القاعةِ المتصاعدة: "أيها المحلفون! ليرحمكُمُ الله، موكلي أصيبَ بانهيارٍ عصبيٍّ حادٍّ وذُهانٍ كاملٍ إثرَ فاجعةٍ شخصيةٍ ألمَّت بهِ بعد الحرب، والتقاريرُ الطبيةُ تؤكدُ أنَّ قواهُ العقليةَ تلفت تمامًا، ولا يجوزُ قانونيًّا الاستمرارُ في محاكمةِ رجلٍ يعيشُ خلفَ أسوارِ العدم!".
"يكفي!!" دوَّت مطرقةُ رئيسِ القضاةِ مجددًا لتسحقَ الجدالَ النَّامِي.تلاقت نظراتُ رئيسِ القضاةِ وفيكتور في تلاحمٍ ملحمي، ونطقَ القاضي المُرتشي بنبرةٍ صهرت ما تبقَّى من أملٍ، فإن كنتَ مواجِهًا القاضي؛ فمن القاضي؟:
"المحكمةُ تُصادقُ بالإجماعِ بتاريخِ التاسع عشر تشرين الأول للعام ألفٍ وثمانمئة وخمسةٍ وسبعين على إدانةِ المتهمِ بالخيانةِ، وتقرِّرُ تجريدَهُ، وإيداعَهُ الأبديَّ بمصحِّ (كلوستربيرغ) لإنفاذِ التدابيرِ الطبيَّةِ القسريَّةِ".
اقترب الحراس الفظّون منه وانتشلوهُ من مِقعدِه بخشونةٍ شديدة الوطيء، فحازَت للحارِسِ مِنهُ نظرة. نظرة تعكس داجَ مآقيهِ الأسحَم. تراجَعَ الحارسُ عائِدًا خطوة. تفلَّجَ فاهُ بابتسامةِ مجونٍ مُختلةٍ تُرهِبُ بالقَتل: "على رِسلِك".
هذا كانَ وحدهُ كافٍ لإرجاعِ الحارسِ لمكانتِه.صحيحٌ أنَّ العقيدَ جُرِّد مِن رُتبتِهِ زورًا وبُهتانًا! لكن هالتَهُ تفي بِواجِبها وتفرِضُ وجودَها على الكلابِ الثائِرة. استقامَ بِعزٍ وإباء، ناهِضًا باعتزازِ عقيدٍ لا يُحني رأسه. العقيد فيكــتور فــون ريـــختــر، عقيدٌ بورسيٌّ دانَ سِنَّ الأربعين فخورٌ مُعتَّدٌ بِذاته، مُثقلٌ بجراحٍ وسِلامٍ كَشطّت روحَهُ وعقلَه ألا إنّهُ أبى أن يستسلِم لجورِ فاشٍ.
خطّت خُطاه المكبَّلة جَمعَ الحاضرين ونظرات الياقات البيضاء التي تقطرُ تشفّيًا. كان يمرُّ بينهم كطيفٍ مَهيب لا يطالهُ عارُهم، يجرُّ خلفه قعقعة الأغلال التي دوت في رِحاب القاعة كمرثيةٍ لشرفٍ عسكريٍّ ذُبِح في كُنْسِّ المليارات. لم يمنحهُم قطُّ مُتعةَ رؤية انكساره. ولم ينظُر وراءَه.
وعند عتبة الخروج، صاحَ وراءه صوتُ المحامي المقهور على الذي اقتيدَ باكيًا الأدمُعا، مُلتهِبًا بغبنٍ أجم :"هــذا ظُلمٌ وجورٌ بيِّــــن!!هـــذا ظُــلمُ جُناةٍ تواروا خلفَ الورى خشيّةَ إظهارِ قُبحِ أفعالِهم الشــائِنة!".
لم يلتفت فيكتور، بل رفعَ ذقنهُ الشعثاء بزغبٍ خفيف، وتابع مسيره وهو يعلم أن صرخة نصيره كانت نفثة الشرف الأخيرة في هذا العالم الموبوء.
دُفعَ الطّودُ الجريحُ إلى جوفِ عربةِ النّقلِ العسكريّة، وهي تابوتٌ حديديٌّ مصموتٌ كصقيعِ النّوائب، تفوحُ من منابِتِه رائحةُ الصّدأ وأنفاسُ الخائبينَ ممّن سِيقوا نحو المَحْتدِ الزّاهق. انطبقتِ الأبوابُ الخشبيّةُ الغليظة، فحلَّ ديجورٌ دامسٌ لم يشقَّ سُدفتَهُ سوى وميضٍ شاحبٍ تسلَّلَ من خصاصِ كوّةٍ صغيرةٍ مشبّكةٍ بالحديد. تَحَركت العربة تَتَهادى فوقَ دروبٍ وعِرة، وكانَ وقعُ سنابِكِ الخيلِ وعَجلاتِ الحَديدِ فوقَ الحَصى يحَكي دقات ساعةٍ منونيَّةٍ تنفدُّّ ذرِّاتها سراعًا. اتكأ فيكتور برأسه المثقِل بالصخبِ على الجدارِ المعدنيَّ البارِد؛ ورغم أنَّ النوبة العاصِفة قد تركت في أوصالِهِ خدرًا وفي ريقهِ مرارةِ المرّ، إلا أنَّ ذهنه الذي انقشعت عنهُ غواشي الذهان كان يغلي كالمرجَل.
ذِكر جبهِة فرنسا، ومزجِ الدماءِ بالعقاقيِر، وأشلاء الأبرياء التي صُهِرت في قلبِ الفظاعة، وَوُجوهِ الخونة الذين صاغوا مقصَلته الرسمية. لمَ يكن يَخشى ردى الحمام، فقد جالسَه في الخنادق مِرارًا، بيدِّ أنَّ نفسه الأبية كانت تَغُصُ بـخِتر الصَحَب ووضاعة المُنقلَب. غاصت العربة في ضبابٍ بروسيٍّ كثيف، كأنمّّا السماءُ تواطَأت مع الكارتيلاتِ لِتُسدِلَ سِترَ الجريمِة وتَحجِبَ مَسير العقيدِ نحو مقبرته الجوفاء.
مع تباشيرِ الفجرِ الميت، تقَعقَعتِ الكوابحُ بحشرجةٍ قاسيةٍ معلنةً نهايةَ المسير. انفلتتِ الأبوابُ ليتلقفَهُ هواءُ الشّمالِ القرير، فتراءى له حصنُ كلوستربيرغ؛ بنايةٌ حجريةٌ جلمديةٌ قاحلة، تعلوها أبراجٌ رماديةٌ تشرْئبّ نحو السَّحابِ كأصابعَ مشلولةٍ لعملاقٍ قضى نَحبه. جدرانُها كساها الطّحلبُ الأسودُ الموشومُ بالرطوبة، ونوافذُها الضيقةُ بدت كأعينٍ غائرةٍ لجمجمةٍ خاوية.
استقبله عند العتبةِ زبانيةُ المصحّة؛ رجالٌ غلاظٌ غُلفُ القلوب، نُزعت منهم الرَّأفة، وتشي سِحنُهم بألفةٍ دمويةٍ مع السّمِّ والخنق. سِيق فيكتور عبر أنفاقٍ لا تنتهي، يرتدّ فيها صدى أنينٍ مكتومٍ لإنسٍ أُطعِموا الجنون قسرًا لتموتَ أسرارُهم.
أُودِع في قبوِ الحصنِ داخل زنزانةٍ انفرادية، بابُها حديدٌ لا يفتحه إلا ملكُ الموت. اضجَعَ العقيدُ على ضجيعهِ القشّيّ البالي، مسدّدًا لحظَهُ الضّاري نحو السَّقف العالي، مستعدًا للمواجهةِ الأخيرة؛ إذ كان يوقن بيقينهِ العسكري أن القاعةَ لم تكن خاتمةَ المطاف، بل هي المعمعةُ التي ستلدُ الفناءَ العزيز.
فهناك قبَعَ من يترصَّد لم تكن إدارةُ المصحّةِ بحاجةٍ إلى من يكسرُ أبوابَها، فقد كانت الأقفالُ بانتظارِ الجلاد. انفتحَ البابُ الخلفيُّ لـكلوستربيرغ بتواطؤٍ صامتٍ من المديرِ المرتشي، ودلفَ من خلالهِ الرَّقيبُ إدموند خوسينبرغ، تتبعهُ خطى رجلينِ من محترفي القتلِ لدى الكارتيلات، يرتدون بياضَ الأطباءِ كذِبًا لتمويهِ الحراسِ الصغارِ إن وجدوا.
تحركوا بثقةِ من يملكُ الخريطةَ والمفاتيح، وعبروا الأنفاقَ الدهليزيةَ العفنةَ دونَ أن تعترضَ طريقَهم أيةُ بندقية. كان قبوُ الحصنِ قد أُخلِيَ تمامًا من الحراسةِ الرَّسميةِ بأوامرَ عُليا، ولم يتبقَّ في الممراتِ سوى حُلكةٍ دامسةٍ وصوتِ أنينِ المنيّة.
وقفَ خوسينبرغ أمامَ بابِ الزنزانةِ الانفرادية، وارتسمَ على ثغرهِ مجونٌ خبيثٌ وهو يخرجُ المفتاحَ الرئيسيَّ من جيبه. أدارَ القفلَ ببطء، فصدرَ عن البابِ الحديديِّ صريرٌ خافتٌ مريب شقَّ سكونَ القبو، ليدلفَ بزبانيةِ الهلاكِ إلى داخلِ محبسِ العقيد، ممسكًا بملفٍّ طبّيٍّ فارغٍ وزجاجةِ دواءٍ مجهولةٍ صِيغَت لتمحقَ الخبايا.
استجمعَ فيكتور بقايا عقلهِ الآفل عندَ سماعِ الصرير، وانتصبَ واقفًا شامخًا كنسرٍ ما هاب في الحياة إلا ربها. وثبَّتَ حدقتيهِ الضاريتين في عينِ خوسينبرغ، ونطق بصوتٍ حازمٍ متأجّج: "لم تجرؤوا على مواجهتي في ساحةِ المعركةِ بالبارود.. فجئتموني بالسمِّ في الورى؟!"
سخرَ خوسينبرغ وهو يشيرُ لرجالهِ بالتقدّم:"البارودُ يصنعُ الأبطالَ والشهداءَ يا سيادةَ العقيد، ونحن لا نريدُ لكَ مجدًا. جراحةُ الفصِّ الجبهيِّ كانت لضمانِ سكوتِك، لكنَّ أسيادَ الياقاتِ البيضاءِ وجدوا أنَّ القبرَ أكثرُ كتمانًا للأسرار.. نم هانئًا، فالجرائدُ غدًا ستبكيكَ كقائدٍ مكلومٍ انتحرَ مدفوعًا بذهانهِ وعقدةِ ذنبهِ من مجزرةِ فرنسا!"
انقضَّ المرتزقةُ عليهِ. ورغمَ النّوبةِ الأليمة والأغلالِ المحيطةِ بمعصميه، قاومَ فيكتور بشراسةٍ وثباتٍ أرهبَت جلاديه؛ دافعَ عن شرفهِ العسكريِّ بآخرِ ما تملكُ يداهُ المثقلتانِ بالجراحِ والآلام، حتى غُرزت في عنقهِ حقنةٌ شلّت أوصاله، تلاها حبلٌ غليظٌ أطبقَ على أنفاسهِ ليرفعَ روحهُ إلى السَّماء.
وفي الصّباحِ التالي، سُوّيتِ الأوراقُ بروتوكوليًا بدمٍ فاتِر. أُغلقَ ملفُّ القضيةِ بختمٍ أحمرَ عريض، وصدرَ التقريرُ الرَّسمي لوزارةِ الحرب:
"بسببِ تدهورِ حالتهِ العقليةِ الحادةِ واعترافاً بجرمهِ في مجزرةِ المحراب، انتحرَ العقيدُ السابق فيكتور فون ريختر مشنوقًا في زنزانتهِ بمصحِّ كلوستربيرغ لانتفاءِ قدرتهِ على العيشِ مع وعيهِ الممزَّق."
خفتت همساتُ القاعة، وطُوِيَتِ المؤامرةُ في دُكنةِ الأدراج، فكلُّ العقباتِ أُزيلَت من الوجود، بينما بقيَ اسمُ فيكتور في سجلاتِ التاريخ.. خائنًا قضى بيده.
وعـي ممزَّق..؟ كم بدا الحالُ مُبتئسًا، فَكُلُهُ غدا مُحطمًا تلتهِمُهُ أطيافُ الوغى ويكتَسِحُهُ صقيعُ الضَّريبِ الكاسِر. " فيكـــتور فــون ريـختَر، ليس خائنًا لم يكُن ولن يَكون لا اليومَ ولا غدًا ولا بعد غد ولا بعد سنوات!!"
"فيكـــتور فــون ريـختَر، ليس خائنًا لوطَنِه بل أنتُم الخونة!" احترقت قاعةُ المحكمةِ المَركزيةِ بصيحاتٍ تهُزُّ الميت وتُخرِجُهُ مِن قبرِهِ نِضالاً.
انتفضَّت العاصِمةُ البروسيَّة انتِفاضًا باحتجاجاتٍ خَرَجَ بِها مئاتُ الآلافِ مِن المُتظاهرين الذين كَساهُم الغبنُ والسخطُ الجارِف. فأن يوسَم فيكتور كخائِِنٍ ما هي إلا فكرةٌ وُلِدت ميتة !
"فيكـــتور فــون ريـختَر، رجلٌ عاهَدَ الله على أن يفدي روحهُ سبيلَ وطنٍ يَبقى ولا يُمحى، لا يُزالُ ولا يُنسى. يُنقشُ على صخرٍ لا يُبلى، وُيسطَرُ بمِدادٍ لا يُخْفى، لقد قتلتُموه!". تجلجلتِ الأصواتُ ثائِرةً تنبِشُ الأرضَ عن سِلامٍ ترشُقُها للغاشِمين..فسُحقًا لِلذينَ ذاقوا الهوانَ وأضحوا عبيدًا للعصا!
"خونة!" " خونة!" " أعدِموا القتلة!"
اشتدّت حِدة الصَرخاتِ عُلوًا، فحلَقت فَراشةٌ في شِساعِ سماءٍ ثارَت حَنقًا مع الثُّوارِ الغاضِبين، حلقَت حامِلةً رجاءً وأمنيةً مصلوبةً بالنَجاة. فالميتُ سيبقى مُسجيًّا على كُلامٍ خامِدٍ ولن يعودَ حيًّا مرةً أُخرى مُطلقًا. لكن فيكتور كان قد وُلِدُ ولم يَمُت. فرُبَّ عُمرٍ قصُرت آمادُهُ واتسعَت أبعادُه. فهو من أولئك الذين وإن غاب جسدهم عنّا فهم لا يزالونُ أحياءً في ذاكرة الدُّنيا.
دخلَت الفراشةُ البيضاءُ من خصاصٍ صغيرٍ في الجدِار. وحطَّت على أُذنيه مُلقيّةً في مصاغيهِ:" يعيش فيكــتور يعيش!" بصوتِ من اشتاقها وأحبَها حُبًا جمّا.
ميـــتز الفرنســـيَّة -Metz
التاسِع عشر مِن تشــرين الأول عام ألفٍ وثمانيمئةٍ وتسعٍ وستين.
كانت مِيــتز تَجثو تحت نير خريفٍ مباغت، وسماؤها مُلبّدة بغمامٍ كالح كأنه نذيرُ المدافع، فيما المطر ينكبُّ بوقارٍ حزين، كأنه يغسِلُ خطايا الشوارع المرصوفة بالحصى العتيق. وحجر المدينة الأصفر الذي لَطالما تباهت به ذُرى العمارة الفرنسية بَدَا اليوم تحت وطأة الرذاذِ قارًّا وثقيلًا، يتشرّبُ كبرياءَ أرضٍ تتوجَّسُ من طبول حَربٍ مُستعرة باتت تُقرَعُ في الغيب. هناك، حيث تشرئِبُّ ملامح المكتبة الوطنية بأقواسها القوطية السامِقة، كان الضبابُ يلتفُّ حول الأعمدةِ الرخاميةِ، كأنه رداء حامٍ سرّي يحجبُ في طياتِهِ خطوطَ التاريخِ.
وسط هذا الوجومِ القارِص، انشقَّ السَديم عن هالةٍ طاغية، تفرضُ حضورها قبل أن تستبين ملامحها للعيون.
بخطواتٍ عسكرية مدروسة الإيقاع، كان العقيد البروسيّ فيكتور فون ريختر يتقدَّمُ شاقًّا عباب الضباب، يفيض بوقارٍ حازِمٍ مهيب. بدلته العسكرية المُخضّرة، بقطعِها الأرستقراطيِّةِ الرفيعة وياقتهِا المخملية المرتفعة، كانت تحيط بجسده كدرعٍ مصبوب، فما نال منها الغيثُ ولا خفضَ مِن هيبتِها المطر. أما النياشين البرونزية والأوسمة الفضية والذهبية المستقرِّةِ على صدره العريض، فكانت تلتمِعُ مع كل خطوة بِبَريقٍ خاطِفٍ للأبصار، يُشهدُ لرتبتِهِ العالية وسطوته التي تخشاها الساحات. كان يتجلّى بوسامةٍ ، حادة الطابع كشَفرةِ البلور؛ ملامحه منحوتة بنقاء تعبٍ لا يخبو، وعيناه تحملان حدّة النسر الذي اعتاد الشموخَ فما انثنى لغير الخُضوع.
عند عتبة الباب الخشبي الكبير، وتحت ظلِ السقف الحجري المقوّس، كبح العقيد خطاه لبُرهة. كان سيجارُهُ الفاخِر يَتَحرّق ما بينَ أصابعه، فارتشف منه نَفَسًا عميقًا موغِلًا في الغموض، ثُمَّ وبوافرٍ من الجلالِ الباسِق، ضغط على رأسه المشتعل بسبّابته المكسوة بالجلدِ الأسود، حاسمًا وهجه الأخير في ثوانٍ، ليخرج زفيره الدافئ ممتزجًا بخيطِ الدخان النحيل، متبددًا في صقيع الهواء.
دفعَ البابَ الضخم المزخرّف بالبرونزيَّ، فاستكان المكانُ لوجودِه.
انقطعَت أنفاسُ القاعِة الوديعة؛ إذ فاحَت في أرجائِها رائحةُ التبغِ الملكيِّ والجلدِ البروسيِّ ، لتختَلِط بعبقِ الورَّقِ المصّفَر ودِثار الأرشيف المُعتَق. سار فيكتور بخُطىً لها وقعٌ ماجِن، ورَنينُ مهمازِهِ الفضّيِّ يَقطُرُ في غَيَاهِبِ الصَّمتِ، كَمارْشٍ عَسكَريٍّ يَزحفُ نَحوَ مَقصلَتهِ.
وما إن انعَرَج صوبَ زاوية المخطوطات القديمة، حتى تجمّدت في قلبه دقاتُ الزمن.
تسمَّر الطودُ البروسِيّ مَطرحَه كأنه صُنِع من فُولاذ، وانكسرت النظرة الحادة في عينيه لتتحول إلى ذهولٍ مطلق عصيّ التأويل. فبينَ ظِلال الرفوفِ الشاهقة وغبارِ الأَزل، هُنالك كانت تَقِف.. فرنسيةً، سُكبتِ النُّعومة في قالبها، ولفحها سحرٌ فجائيٌّ عسيرُ الإدراك؛ كحلُ عينيها الرَّابض تحت أجفانها كان نصلاً من تعويذةٍ أبدية، سُلَّت عمدًا لتدكَّ أركان كبريائِه العسكريِّ. وإذ ذاك.. هوت غوايةُ العقيدِ، وخَبَت في سويداءِ رأسه طبولُ بروسيا الصاخِبة، ليِمثُل أمام عينيها شاخصًا، مغلولاً، مستسلمًا لأسرٍ لم يُرق فيه دم، قبل أن تفترَّ شفتاه عن أولى كلماتِه.
كَتبَ لَها العديدَ مِن رسائلِ العشقِ الفَتيّ، فلَم يتوانَ قطُّ عن استخدامِ ريشَتِه ومِدادِه لغزلِ حروفِ الغَرام.
"تَسحِرُني بجاذِبيّتها ، بذلك الكُحلِ مُتناهي التناسُق أسفلَ جِفنيها . كَسحرٍ أدَمى بروحي خدشًا جائِراً مُتعبِقًا بشذاها . أين كُنتِ؟ ومراسيَّ قد تَدهورت أحوالها تبعثُرًا مِن شهدٍ يُرتوى بعينيكِ . وتعوِّلُ نفسي عليَّ لُقياكِ ومرآكِ وما إن أبصرتُ طيفكِ تناثرتُ إِرَبًا ببقايا رَجُلٍ ما عَهِدَ عِشقًا قَبلكِ ولا بعدكِ. بِتُّ أطلال كيانٍ ما ابتغى سوى الذوبانَ فيكِ وبكِ . تتَغنى مسامِعي بصوتٍ ما استحقّ أن يوصَفَ إلا بشجيٍّ يتدلى عذوبةً ورقةً لا تُلائِمُ سواكِ يا مليحةً كَبلتني ، وأحكمت زمامَها على فُؤادي . لا أرغَبُ إلا مُلامسة خَصرِكِ بين أنامِلي أُراقِصُكِ حُبًّا يتغلغلُ مسامي ويُبهُجُ ذاتي ، أدورُ بكِ بخطوةٍ تجعلُكِ تتمايلينَ فأُردى قتيلاً بهواكِ مفتوناً بلعنةٍ أرغمتني تبسُّماتُكِ أَن أقعَ أسيراً لَها ، وسلاسِلُ الحريرِ تهادَت حَولكِ مُغتالةً إيّايَ مِراراً أبعطرِكِ مِتُّ أم بقربِكِ الذي رماني لهاويةٍ خُلِقت لتأويني كُل إسدالٍ لمآقيكِ المُسورةِ بجمالٍ ما ارتأيتُه لإحداهُنَّ فارحميني يا مُدللةَ المُدللات . وأيُ مدللةٍ أنتِ؟ أحلاهُنَّ وأجملُهنَّ ".
لم تكن رسائل العَقيد لتكسر أسوار كبريائها الفَرنسي، ورغم أن حروفه المغموسة بالوَجد هزّت رُوحها، إلا أن أنفَتَها غلبت عاطفتها، مع خوفٍ دفين من سطوة هذا القائد لكي لا تُثير نقمته.
خَطّت له ردًا حاسمًا، يلتزم الوقار الحَذِر:
"أيها العقيد الفاضِل.. لقد بلغتني كلماتك التي غمستَها بمِداد الاهتمام، وإنني لأقف مُقدّرةً لشخصك ورتبتك الرفيعة التي تستدعي الفخرَ والشرف. ألا إنني لستُ مليحةً خُلقت لتكبيل فؤاد جنديّ، ولا كحل عينيَّ نصلٌ سُلَّ ليدكَّ كبرياءك العسكري الذي أحترمه وأُجِلّه.إنَّ بيننا يا سيدي برزخًا من أقدامٍ واقعية لا تمحوها الرسائل؛ فأنتَ رجلٌ تُمثل دولةً تقف على أعتابِ حربٍ غاشِمة، وأنا ابنة هذه الأرض التي تتوجس خِيفة. كيف لي أن أقبَلَ حروفَ الغرامِ، أو أن تتمايل خطواتي مع مَن يحمل لواءَ المعارك؟ صَوتي الذي وصفته بالشَّجيِّ لن يعزف لحنًا للهوى، وأهدابي لن تنحني إلا إجلالاً لخالِقِها.أرجو من رجولتك الشَّهمة، ووقارك الأرستقراطيِّ الذي شهدتُهُ فيك، أن تعذر صراحتي وتكفَّ عن نثر وَجدك. فالقلب الذي تظن أنك أحكمتَ زمامه، عَصيٌّ على الأسر، فما عهدَ الانحناءَ و الخُضوعَ يومًا، ولن يعهده سرمدًا. لكَ مني كلُ الاحترام لمقامك، والتمني بأن توقِفَ رسائِلك ."
نزل رفضُها على قلب العقيد كما لم تنزل قذيفةٌ في ساحة معركةٍ من قبل. هو الذي لم يعرف في حياته سوى الإِذعان لأوامره، ما وجد إلاكبرياءه وكرامته يَنحنيان أمام كلماتٍ خُطّت على ورقٍ جافٍّ كشعورِ صاحِبِها.
لم يكن انجراحُه صاخبًا، بل هادِئًا، عميقًا، كشَرخٍ غائر في حائطٍ منيع. كسى الجمودُ ملامحَه الأرستقراطية، لكن كُرَتيّ عينيه كانتا تشتعلان بخيبةٍ أماتت في نفسه كل زَهو.
لكنه لم ينسحب.. فالهوى والوله إن تمكّنا من القادة، صَيَّرهم جنودًا في محاريب مَن يحبّون.
أصبح العقيد رادفًا ثابتًا للمكتبة الوطنية. كان يتردد عليها بشكلٍ شبه يوميّ، يختار زاويةً بعيدةً عن ناظريها، يحمل كتابًا لا يقرأ فيه صفحةً واحدة، بل جعل من دفّتيه ستارًا يراقب من خلفه حركتَها، ويتملّى من عينيها المسوَّرتين بالكحل. كان يكفيه أن يستنشق الهواء الذي يعبق بشذاها، وأن يسمع وقع خطواتها بين الرفوف، دون أن ينطق ببنت شَفَة، محتِرمًا خوفها ورفضها فلم يكُن ممن يرهِبون النساءَ ويَحطون من قَدرِهنَّ، لكنه كان غير قادرٍ على نزع قيدها من فؤاده.
دارت رَحَى الزمن، فتعاقبت الشهور وتوالت الفصول، وميتز تُساق نحو شَفَا الهاوية السياسية؛ لكن بين جدران الأزلِّ العتيق، كان ثَمَّةَ تاريخٌ آخر يُخطُّ بأقلام الحُبِ والمراقبة.
ومع تَقَادُم الأيام، تآلفت الملامح واستأنست الأعين بعضها؛ فما عاد العقيد غريبًا يثير الريبة، ولا عادت هي ترمقه بجفاء النُّفُور الأول. غدا الصمت بينهما لغةً قائمة بذاتها، تلمح في عينيه بريق الانكسار الأرستقراطي النبيل، ويلمح في عينيها قبولاً حذرًا يواريه التَّعَفُّفُ. كان حضوره اليومي بهيبته الصارمة، ووقع بُوطِهِ العسكري الذي يخفت كلما دَنَا منها، قد استحال جزءًا من أمانها الخفي في مدينةٍ تترقب المَنَايَا.
ورغم أنه أَعظَمَ رغبتها فلم يَرُم ملامسة خصرها أو ملاحقتها، إلا أن ريشته لم تطق جفاف البِعَادِ؛ فأملى لها غزله الثاني، ناصعًا بِلَوْعَةِ الانتظار:
" اعذري فَجاجَتي وغلاظَتي، لكنني عاجِزٌ عن إخراجِكِ من مُخيلتي فتعتَبيني رَغبةٌ في تدوينكِ وحِفظِكِ بأرشيفٍ لا يليقُ بسواكِ آنِسَتي، فلا طالما رنَت نوتاتُ السيمفونيّات في مصاغيَّ وتكوَّنت شِباكُ قَدَرٍ يجلبُكِ خيالُه بذاتي.آنِسَتي،أرجوكِ أن تُراقصيني. نتقارَبُ تقارُبَ العُشّاق، نتسامَرُ خِفْتَةً خشيّةَ إصغاءِ شخصٍ لملافِظي الفجّة في تصويركِ، لكن ألا سُحقًا لهم فِداءَ حُمرةِ خديكِ، زَهرتي؟..في كُلِّ نظرةٍ منكِ أنذوي وأتلاشى لِدُنًا لا تحملُ غيرَكِ وأنا. فاسمُكِ لا بُدَّ له أن يقترنَ بخاصَّتي ويُدمَغَ به دمغَ الخِتم.. حُلوَتيأتتزوجينني؟ وتُكملين نَقصي وتُزينينَ حياتي بزهائِكِ؟ تتمايلينَ مع النغماتِ جاهلةً ما تفعلينه بخافِقي، الذي لو وضعتِ بنانكِ عليه لاستشعرتِ كلَّ نبضةٍ نبضت لأجلِ تلك الشفاه المتبسّمة. آنِسَتي، لا أراكِ مُدركةً كم أنتِ خطرٌ كالسُّمِّ يتفشّى في سويعاتِ نفسي، مهدّدًا إيايَ بحُكمٍ ما جرى إلا لأنه منكِ. أتوسَلُكِ أن تقبلي حُبي الأبدي يا مليحتَي".
لم تكن تلك الرسالةُ مجرد حروفٍ سُكبت على الورق، بل كانت بمثابةِ الشراعِ الأخيرِ الذي استسلمت لِموجِهِ المليحةُ الفرنسية؛ فبرغمِ جدارِ الصمتِ الصَّارم، نَمَت بينهما عاطفةٌ بكرٌ، دافئةٌ وعميقة، تتغذى على نجوى العيونِ في زوايا المكتبةِ الأثيريّة . وافقت في سريرتِها على أن تكونَ له، وارتَضَت بالعقيدِ البروسيِّ شريكاً لأيامِها، متناسيةً في غمرةِ هذا التتيُّم الفتيِّ أنَّ العالَمَ في الخارجِ لا يرحم.
فلم يعِ أنَّ لحروفِه دويًا من قدرٍ خُطّ في رقيمةً..أضحت على قلبِهِ خرابا.
ومع إقبالِ شتاءِ عامِ ألفٍ وثمانيمئةٍ وواحدٍ وسبعين كأنهُ كفنٌ أبيضُ أُرخِيَ على أكتافِ مِيتز المَنكوبة. لم يكن ثلجًا عاديًا، بل كان ضريبًا، أجفلَ الدماءَ في العُروقِ والدمعَ في المَآقي. كانت رائحةُ الرمادِ المنبعثةُ من أشلاءِ الكنيسةِ المَحروقةِ تطغى في كبدِ الجو، لِتُذكّرَ العابرينَ بِمجزرةٍ طحنت ومسخت الأبرياءَ بينَ ألسنةِ اللَّهب. لم يقدر فيكتور التحمُل فاعتزلَ صخبَ العالم، ليركعَ وحيدًا في سعيرٍ أحرقَه خلف رِتاج بيته الموصد؛ وقد انطَوى على نفسه كقائدٍ دُكَّت حُصونه، وافترس الديجور ما تبقَّى من هيبته وبقايا عقله المتآكل.
في تلك الليلةِ الموحِشة، دهمه زلزالٌ عَصبيٌّ ساكِتٌ في فصِّه الصدغي، بدأ بنَسَمَةٍ خبيثة انبعثت من قاعِ أحشائه، كغثيانٍ قارٍّ يرتفعُ رويدًا رويدًا ليخنُقُ وتينَ صدره ويُطبِقَ على أنفاسِه. وعندئذٍ، هجمت على خياشيمه رائحةُ رمادٍ لزجٍ وحريقٍ وهميٍّ لم يشمَّه أحدٌ سواه؛ رائحةُ لحمٍ بشريٍّ يُشوى تحت الأنقاض، انبعثتْ مِنَ لا شيء لتملأ الغُرفة الخاوية بنذيرِ الفاجِعة.
وما هي إلا لمحَةٌ، حتى غُرست السكاكين خلف صدغيه وعينيه؛ لم يكن صُداعًا عاديًا، بل شرخًا فتاكًا راح يُمزق ناصيَتَه بعنف، كأن خلايا دماغه تنبُتُ فيها مساميرٌ من غلَيانِ الوجعِ والندَم، لتفصِل وعيه إلى نصفين متناحرين. سقط العقيد في فخِّ التَّشَوُّه الزَّمَني والمكاني؛ فبدت له الدقائق دُهورًا مُمتدة من العذاب، واهتزَّت جُدران مكتبه، وراحت ظلال الغرفة تمطُّ وتتقلص، ليرى الأشياء تدنو منه بغتةً حتى تكاد تسحقه، ثم تبتعد صاغرَةً في سرابٍ مرير.
ومع ذروة هذا المَخاضِ الدماغي، خفتَت أصوات الواقع وتبدَدَت، لِتهتِكَ أذنيهِ هلاوسُ سمعيَّةٌ مُرعبة؛ دَوِيُّ صراخٍ مكتومٍ، وعويلُ نساءٍ وأطفالٍ يستغيثونَ تحتَ رُكام كنيسةٍ تلتهمها النيران. مع كل نبضةِ ألمٍ يهتزُّ لها صُدغُه، كانت تتجسد صورة المحرقة كوشمٍ غرييبٍ في عَتمةِ جِفنيه، لترتد في رأسه المحتقن بدم الخطيئة كسيمفونيةٍ جنائزيَّةٍ لا تهدأ، تنبض بذنبٍ ينهشُُ شِغاف وجدانِه.
جلَسَ مشلولَ الأطرافِِ، عاجزًا عنِ الحراكِ، يضغطُ ببراجِمِ كفيه على جنبيّ جُمجُمَتِه المنهوبة لعلَّه يحبِس هذا النبض العنيف. ويداه اللتان قلعتا عروشًا وقادَتا جحافِل الجيوشِ، باتتا ترتجفان برعدةِ رُعبٍ واهنة، بينما تفيض روحه ببؤسٍ خانق، وتعافِ الوجود، وتتوقُ إلى دُمسةِ وضيقِ القبر لتفتك بهذا الوجعِ الكثيف وثقل الخطيئة التي لا تُغتفر. كان يتقيأُ حنقًا على رتبته، وعلى الحرب التي صنعت مجده الزائف، واجمًا في ظلامه، عاجزًا تمامًا عن إنقاذ عقلٍ يتلاشى، أو نفسٍ تذوب، أو حلمِ امرأةٍ سحرت لُبَّه ذات يوم. على شفيرِ الموتِ لفظَّ أنفاسَهُ في عقله عدا عن أنَّهُ لم يكُن يدري أن الموتَ قد سَبَقَهُ إليها؛ فبينما كان هو يصطلي بجحيم فصِّه المتصدع، كانت الحادِثة التي ستنعر روحه بالجَوى قد أتمَّت سطرَها الأخير. أحد ثكالى المحرقة، مدفوعًا بظَمأ الانتقام، اقتحم خِدرها الفِرنسيّ ليُزهق روحَها الثمينة، بيدَّ أنَّ سِحر ملامحها الطاغية أيقَظَ في صدره غريزةً دنيئة؛ ورامَ انتهاك عِفتها. وفي تلك اللحظة العنيفة، أَبى كبرياؤها الأسر، فعضَّت على لسانها بفناءٍ زؤامٍ، معلنةً انتحارها قبل أن تطالها يداه. وبغِلٍّ حاقدٍ وخيبةٍ نكراء، حَمل جثتها الهامدة مُدنِسًّا طهارتَها بقذارتِه، وعلَقها من نحرِها بحبلٍ غليظ، وتركها مشنوقةً تتأرجح في سقف الغرفة كدميةٍ مكسورة.
وحين انجلَت غبَرة الليلِ ووصل الخبرُ إلى مسامِعِ العقيدِ، كان الرعب قد أطبق على أنفاسه. انحبس في ظلمة بيته، عاجزًا، مغلولَ الإرادة، ينهشه الضّرام الخفي لوعًا على فراقها، وندمًا على إثمٍ لم تجرِ به يداه. فما كان تفجير الكنيسة إلا مكيدةً عسكرية نُصبت للاطاحة به؛ زوَّروا له التقارير، وأخبروه أن في أحشائها مخازن سلاحٍ للعدو، فخَتَمَ على أمر التسويةِ مخدوعًا. ولما وَقف بنفسِه يراقب جحيمَ القذائف، انقشَع الدخان عن أشلاء الأبرياء والنساء، فحاول حبسَ الموت عنهم لكِنَّ خطوطَ الحربِ كانت أسرَعَ مِن ندمه.
هبَّ العقيد كالمجنون متجهًا نحو حِمَاها، ليجدَّ النيرانَ قد التهمت البيت كليًا، تَعلو ألسنتَهُا لتأكل ما تبقَّى من ذكرياتها الساحرة. اقتحم رماد الدار وعيناهُ زائغتانِ تحت وطأة الصداعِ والذهول، وفجأة.. لَمَحَ عبر الدخان والستارة المحترقة خيالَ جثتها المشنوقة، وهي تتمايلُ بسكينةٍ بين السماء والأرض.
انهارت قلاع بروسيا جَمعاءَ في فؤاده، وانشطَر عقله مُنكسِرًا إلى شظايا؛ نُزِعت الروحُ من أوداجِه، ولم تقَو أجنحة جفنيه على الانفتاح من هولِ الصَدمَة. سقطَ جثوًا على ركبتيه في الطينِ والركام، وأطلق من غياهِبِ جوفه صيحةً وحشيةً مُلتاعة، قعقعت لها أركان فرنسا، وهزَّت الخمود الحزين، صيحةً تختزل بؤس الكون كله، قبل أن يَهوي وحيدًا في ظلمات الوجعِ الأبدي والوجى السرمدي.
ومع ارتداد صيحته المقهورة في بُقَعِ الخراب، انفرط عَقدُ عَقلِهِ بلا رجعةٍ، وغرق في لُجَّةِ ذُهَانٍ أسودَ مَزَّقَ صِلَتَهُ بالواقع. لم يعد العسكريُّ القاسي يُبصِرُ الأشياء كما هي؛ بل تداخلت الأبعادُ في ناظريه لتستحيل مسرحًا من الأطيافِ المفزعة.
صار يرى سواد الرماد المتناثر يتجسد في صُورةِ قُضاةٍ ملامحهم من طين، يجلدون روحه بسياطٍ من مَلامة، وبات يلمحُ مظهر المليحة الراحلة في كل زاوية متهدمة؛ تارةً ترمقه بعتاب خانِق، وتارةً تمد يدها الشاحبة نحو وتينه كأنها تسوقه إلى نحبه. انمَحَت الحدودُ في داخله بين الأمس واليوم؛ فاختلط رنين السلاح القديم بصرخات الضحايا، في جَلَبَةٍ مرهِبةٍ حجبته عن الوجود من حوله.
هكذا قبع العقيد فيكـــتور فــون ريختـــر الذي قاد الفيالقَ والجُيوش، هائمًا، تائهًا في فضاءٍ نَكير، أسيرًا داخل معقلِ جنونه المتجذر؛ حيث الفناءُ يتمنّع عليه، والخطأُ ينهش حواسه، والزمن واجمٌ عند عتباتٍ باهِتة تحَطَمَ فيها بَين أَنيابِ الخَديعَة.
كان حرق كنيسة القديس بيير العتيقة مُجرد خطةٍ خرَجت من معقلٍ عسكريٍّ مغلق، يفوح بعبق التَّبغِ النَّفَّاثِ ورائحة الخرائط المهجورة. هنالك وقف قائدٌ بروسيٌّ صارم، ملامحه منحوتةٌ من الصَّخر، وخلفه ثُلَّةٌ من الجنود والضباط تترقب فيضان كلماته.
أومأ بإصبعه الغليظة إلى بُقعَةٍ محددة على الصحيفة، وقال بنبرةٍ جافةٍ لا ترتجف:"العقيد فيكتور فون ريختر يحمل من المثالية والوقار الأرستقراطي ما يجعله عبئًا ثقيلاً على مَخَاضِ خططنا القادمة. الحرب لا تدار بأيدٍ ناصعة، وصَيرُورَةُ المعركة في ميتز تقتضي إحراق كل القرى الفرنسيَّة ورشها بالغاز النَّفاذ، بما في ذلك الكنائس خُصوصًا كنيسةِ القِديس بيير".
تنحنح أحد التابعين بحذرٍ مستفهمًا: "ولكن يا سيدي، الحِصنُ الدِّينِيُّ يغصُّ بالنساء والأطفال الفرنسيين، والعقيد لن يَمهَرَ أمر الدَّكِّ بختمه إن جَلَت له حقيقة وجودهم".
غرست شفتا القائد ابتسامةً ساخرة باردة، وأجاب: "ولهذا الرأي بالتحديد، دَسَسنَا له زُورَ التقارير. الوثيقة التي بين يديه الآن، والموسومة بأعلى رُتَبِ السرية، تؤكد أن أحشاء تلك الكنيسة قد استحالت مخازن سلاح دَاهِمَةٍ للعدو، وأنها تشكل خطرًا قاتلاً على فيالِقنا".
ثمَّ توقف لهنيهةٍ وتابع:" واه أضِف في الأمرِ المدسوس إغلاقَ المنافِذ ورشها بالكلور الناغِصِ للرئتين ليلًا بعد غلقها ولِيَجري التفجير مساءًا"
صمت رويدًا، يَسبُرُ بنظراته مَذَلَّةَ جنوده، قبل أن يُردف بصلَّدٍ وغُلظة: "سيختم العقيد على مَصرَعِهِم بيده، مخدوعًا بحسه العسكري وحرصِه على رجاله. وحين ينقشع الدخانُ عن أشلاء الأبرياء، ستقوضُ المأساة حصونه النفسية ناسِفةً إيّاها ليسقُطَ من حسابات القيادة كليًا، ولا يبقى له سوى غُصَّةِ العار. هكذا نضرب عصفورين بحجر: نطهر الساحة تَرهيبًا للمدينة، ونطوي صفحة فيكتور فون ريختر إلى الأبد".
وقد تكلَّلَت خُطتُهم بنجاحٍ باهر..لتَكونَ مِثالاً بيِّنًا على المكرِ السلطَوي.هَوَت مسطرةٌ خشبية خميلة على سَطحِ الطاولة الصنوبرية الكبيرة، لِتَشُقَّ سكون القاعة العاتمة في الأكاديمية العسكريَّةِ العُليا.
تنحنح الجنرالُ العجوزُ، ونفض رماد غليونه فوق خريطة الجبهة الفرنسيَّةِ لعامِ ألفٍ وثمانيمئةٍ وسبعين، ثم التفت بنبرةٍ تقطُرُ وقارًا نحو الضباطِ الناشئين، مُمَرِّرًا كفَّهُ المُجَعَّدة فوق ملفٍّ جلديٍّ قديم:
"هذه يا سادة.. كانت المأساة الحقيقية للعقيد فيكتور فون ريختر، والتي تُتْلى اليوم كدرسٍ غيرِ منطوقٍ في كواليس الحرب الكبرى. التقرير الرسمي صاغ انتحاره في زنزانة (كلوستربيرغ) للتعتيم على غدر القادة والكارتيلات، لكنَّ حقيقة الأمر أنَّ الرجل مات وَجْدًا في الليلة التي احترقت فيها محبوبَتُه الفرنسية خلف السِّتَار"
أغلق الجنرال الملف الجلدي بعنفٍ أَرجَفَ الغُرفة، وقال مستخلصًا غايةَ الحِكاية:
"لقد صاغ عقله المنهار بالذُّهَان محكمةً وسجنًا وجلادًا لِيُعاقِب نفسه على عجزه، ولم تكن الحقنة القاتلة في زنزانته سوى المِشرَطِ الرحيم الذي حرَرَ روحه، لتعود إلى تلك الأزقةِ الفرنسيَّةِ القديمة. هكذا تُدَار الخفايا.. الحرب لا تصنع أبطالاً، بل تَغزِل تراجيديا تُطوَى في حُلكةِ المُقابِر، وتخلو المَغَانِم في النهاية لمن صاغوا المَقصَلَة".
تمَّت بحمدِ الله