الفصل 4
صَـدغ.
|ماذا لو كانَ النومُ سِرًا يُحمَل وجاثومًا يفتِك؟ هذا ما لم أتدبرهُ قطُ في عالمٍ حيثُ النومُ خطيئةٌ تتَّقِدُ بإثمٍ لا يخبو|
── ・ 。゚☆: .👹. :☆゚. ──
وفي منأًى متوارٍ عنِ الأبصارِ، شَهقت السماءُ شاهِدة؛ إذ لم تكن هناكَ فرصةٌ واحدةٌ للفرار. وبدت أدنى الاحتمالات حائلة دونَ انجلاءِ الأحداثِ الغائِمة.
لا أحدَ يدري وممّا يجري...لا يبدو أنّ أحدًا سيدري .
فَبداخِلِ غُرفةٍ ابتلعتها الحُلكة مانِعةً شُعاعَ البدرِ التَسلُّلَ. غَطى الأسى الأبدي الفضاءَ الشاغِر لروحٍ لُعِنت بِلظًى دائمٍ جزاءً لِما اقترفت أيدي صاحِبِها من ذنوبٍ و خطايا.
الغياب الذي حلَّ كألمٍ عاتٍ، مُتصلبًا كجلمودِ صخرٍ لا يَرِقّ، وُجِدَ هُناكَ في صدرِها وهي ترى وشاحَ السوادِ يلُفُها حارِمًا إياها بَصرها سالِبًا رؤياها. تسارَعت النبضاتُ خوفًا من المجهول، حتى قرعت في أذنيها كنواقيسِ خطرٍ تدَقُّ في طبولِ حربٍ لا ترأف. فرائصُها ارتعدت رُعبًا سيطرَ عليها، هازًا كيانها المُرتجِفَ هزًا وهي تستشعِرُ وجودهُ الطاغي وسطوتهُ في ذاتِها. اشمأزّت خوفها لكِنها لم تستنكِرهُ أبدا.
فهو بطولِهِ انتصَب كَلِصٍ انتزع من الدُّكنةِ دُكنتها وتآلفَ معها إلى أن أصبحت الدُّكنةُ هو. لم تُبصِر هيئةً واضحة، بل اضطرابًا خافتًا في العتمة، كأنّ الظلَّ نفسَهُ يتنفّس.
ثم انبعثَ صوتٌ واهن...
صريرٌ طويلٌ متقطّع، أشبهُ بأنينِ خشبٍ عتيقٍ يُسحَبُ فوقَ الأرضِ ببطءٍ مُتعمد.
تجمّدَ الدمُ في عروقِها.وشعرت، دونَ أن تراهُ حقًا، بأنّ شيئًا باردًا قد مرَّ بمحاذاةِ قدمِها العارية. لم يكن لَمسًا صريحًا، بل ذلكَ النوعُ من البرودةِ الذي يُشبهُ اقترابَ الموتِ من الجلدِ دونَ مسِّه.
عندها اختلّت أنفاسُها تمامًا.
صلَّبت أطرافُها وهي تُحاوِلُ استجماعَ ما تبقّى من وعيٍ يتبعثرُ داخلَها كرمادٍ تعبثُ بهِ الرّيح. أرادتِ الصُراخ، غيرَ أنّ الحروفَ ماتت اختناقًا في حلقِها، وأحسّت بذلكَ الثِقلِ الجاثمِ فوقَ صدرِها يزدادُ ضراوةً حتى غدا الهواءُ نفسُهُ سيفًا يقطعُ رئتَيها كنارٍ تَصلى.
ثم... سَمِعَته.
أنفاسٌ خافتةٌ، مُنتظمةٌ على نحوٍ يبعثُ الرُعب، لا تشبهُ أنفاسَ البشرِ بقدرِ ما تُشبهُ زفيرَ شيءٍ قديمٍ استيقظَ من سُباتٍ أزليّ.
إذ بدا أنَّ الهواءَ يثقلُ تدريجيًا، مُشبَعًا برائحةٍ رطبةٍ غريبة، كرائحةِ مقبرة أُغلِقت لسنواتٍ فوقَ أسرارٍ لم يُسمح لها بأن تفنى بسلام. ومع كلِّ ثانيةٍ تمرّ، كانت تُدركُ بأنّ وجودهُ لم يكُن طارئًا على المكان..بل أنّ المكانَ نفسَهُ بدا وكأنّهُ خُلِق لأجلِه.
انَحنى بِرفقٍ لا يليقُ بجورِه، هامِسًا ببحةِ مُعذَب:" تلاقينا.."
غَشيَت عينيهِ ذروةُ عشقٍ عَبثيٍّ ما إن استشفَّ آنِفُهُ شذى عِطرها " يا تراجيَّ..يا كُلَّ ما رجوتُ الخالقَ استطالتَه." ثمَّ مدَّ بنانهُ يمسحُ ملوحةً تناثرت على الخدّين الأحمرين مُتبسمًا بوضاعةٍ :" لا تغرُب عينُكِ مدامِعها يا ريحانة، فنحنُ لم نطَأَ عتبةَ البدايةِ بعد."
كانَ العالمُ بارِدًا دومًا، يختزِلُ الحُزنَ والأسى ليكون نصيبها في كُلِّ مَطلع. تِجاهَها بالذات، تميّز بتوجيهِ ضرباتِه المتلاحِقة، ليصُبَّ عليها جامًا من حقدٍ عارِم كحقدِ مظلومٍ ثائِر. لم تَعقِل يومًا ما الخطأُ الجسيم الذي اقترفته لتلقى تنكيلاً.
أرتَكَبَت ما يستوجِبُ كيَّ روحِها مِرارًا؟ أتُداري جُرحًا من الجنبِ لتأخذ آخرًا من ناحيةٍ أخرى؟
وفي رِحابِ العنفِ المقيت لم تنجُ... قطعًا لا.
ألا سُحقًا لهذا؟ ألا تبًا لعالمٍ خطَّ لها قدرًا ظالِمًا في زمنٍ يتقِنُ الكلُّ فيه فنَ المظلوميّاتِ الزائِف؟
فجأة، تفسَّخ الرُعبُ الذي أحاطَها، منشقًا عن موجة عارمة من القَرف أيدّعي الجائِرُ أنهُ ظُلِم؟ يا لسخرية القدَر!
فها هوَ الفاشي يُحاوِلُ تبرير فشاءِه اللامُحتمل..ويتراءى لها السارِق يُلقي اللومَ على من سرَق لحملِه ما يلمَع و يتوهجُ ببريقٍ لا يقاوم، ينخرُ العينَ رغبةً في الامتلاكِ والاعتدادِ.
عندَها أبصرت مآقيهِ الرمدة. رَمِدةٌ مُحملَةٌ بسخطٍ يعتبِئُ ويفيضُ بوفرٍة بلا حقٍّ. كَيف يجرؤ؟كيف؟ أنّىٰ لتينك البغيضتينِ أن يحتوِشا غضَبًا ونِقمًا؟ أنّــىٰ لهذا بالحدوث؟تساءلت وقد تأوّرت قِلًى. ارتجَفت وارتجفت حتى سقطت دموعُها هباءً لِمقتِها لِهلعها الناتِجِ عن هذا الدجل.
وبوجهِها الباكي كزّت على أسنانها كُرهًا:"لم نطأ العتبةَ بعد؟ يبدو أننا سنطَؤها الآن!" جَمّعت لُعابها وبصقتهُ عليهِ مُلطخَةً الشّرَ الذي تفشى بوجهِه.
والوضاعةُ الّتي ارتداها تمزَقت.
"لن تطالَ مِني شيئًا أيُها اللعين". أرفقت كلماتها الصارِخَة ببصقةٍ ثانية تمنتْ لو أضحت سُمًا زُعافًا يتناثَرُ قاتِلاً إيّاه في مطرَحِه.
فبنانُهُ الماسِحُ لدموعِها لم يرتدِع عن نزولِهِ رويدًا رويدًا مارًا فوقَ ثغرها، طليعتُهُ الغائمة تخفَت بِرداءِ الجلَّد. فتحَ فَاهُ قليلاً بتركيزٍ وقد ضرَبَ برقٌ العَتمةَ المُدلهمَّة.ولِبُرهة ظهَرَ هوَ، عيونُه المليئةُ بنشوةِ اللحظة أقرفتها درجةَ الغثيان، أزالَ البلل عن شفتيها المُزّينة بقُرمُزيٍّ بهَت. مُعيدًا الكرة مَثنى وثُلاث حتى توقفَ، ونظراتُهُ الشاخِصة تمركَزت في شِساعَ محاجِرَها.
اختنقت..
تباطأت نبضاتُ فؤادِها المَسعور وهي تراه؛ فكّه السفليّ بدأ يرتفع وينفرج في تفلُّجٍ واسِعٍ ومخيف، حتى كاد يبلغَ عينيهِ المُنتشيتين باختلالٍ ماجِن.وبرصانةٍ جَمدَتها مسحَ آثارَ بصقِها بثوبِ زِفافِها الأبيض، تهدلَت خُصلاتُهُ الكثّة مُلقيَةً ظِلالها القاتِمةَ عليه. رفعَ رأسَه وقد زادَ انفراجُ ثغرِه حتى غدا ضحِكًا هادِئًا يبُثُّ قشعريرةً موتِرة:" أنا أَزدادُ افتتانًا هكذا".
تابعَ كلامهُ مُحيطًا وجنتها بكفِه ولا يَزالُ ارتفاعُ عِظامِ خدّيه قائمًا بتشوُه:" ولو جلَبوا مِدادَ الكونِ أجمَع لَما كفَى تدوينَ ما أحتوِشُ تتيُّمًا بِكِ". رفَع ذقنها والجنونُ أفلَتَ مكابِحهُ في عقلِه تارِكًا سُلطانَهُ طليقًا:" لا تُتعِبي حنكَكِ الحَسَن ثانية". ودَنا مُقبِلاً إيّاه.
لفحَت أنفاسُهُ القارّةُ نحرها فتنسَّمهُ بعمقٍ أرجَفَها قُبيلَ انتزاعِ نفسَهِ عنها واقِفًا. فتمثلَ ارتفاعُه السامِقُ فوقَها. مَشى بخفَةٍ غريبةٍ لا تكبو واندفعَ يشرَعُ نافِذةً كان شقُها بادِيًا عن آخِرِها . فانسابَ ضوءُ الخارِج الغرفة عاكِسًا مظهرًا أقبحَ بكثيرٍ ممّا تخيلت.
الرجلُ الذي أوشكَت على عقدِ نذورِها معَه مُعاهدَةً الخالِقَ أن تنذرَ أيامِها وتمضيةَ لياليها رِفقَته. باتَ مُعلقًا ينزِفُ دماءَهُ حدَّ قضاءَ نحبِه. تأملتِ المشهدَ بذهول، بينما تَقدَّمت خُطوات الكائن نحو الجسد المتدلي في الفراغ. هزَّ رأسَهُ لاويًّا شفتيهِ في ابتسامةٍ ساخرة ومستفزة، ثم تمتمَ بصوتٍ سَاكِنٍ فُتُوريّ : "مُقزِز."
خنقتها غصةٌ حارِقة وتَهَدَّجَت أوتارُ حلقها بقهرٍ احتُبِسَ في جوفها :" أنـّىٰ لوِجدانِكَ الممسوخِ فِعلُ هذا؟""لم أفعل شيئًا حقًا"..اتسعت ابتسامتُه القبيحةُ المشحونةُ باللؤمِ مُلتفِتًا إليها:" لكني سأفعلُ الآن".
كَمُدمنِ مُخدراتٍ استدارَ للجسدِ المتدلي بابتهاجٍ جلي، وانفتحت عيناه بسَكرةٍ دنِسة. أخذت الأفكارُ في زحامِ غمرتها تتقافَزُ متغلغلةً في عقله، كُلُّ فكرةٍ تَربو على سابِقتها خباثة.
ابتلع المثوى الضوءَ والأملَ معًا، حيث أطبَقَ خُمودٌ كثيفٌ لا يقطعه إلا أنفاسٌ متقطعة تشي بمعاناةٍ تفوق الاحتمال. الجدران الباردة غدت شاهدةً على قصصٍ لم تُحكَ ومصائِرَ سُحقت تحت حمأةِ الوطيس. لم يكُن الأمرُ يتعلَقُ بالأدواتِ المستخدمةِ بقدر ما كان يتعلق بضياع الكرامة الإنسانية في ذلك الفراغ المظلم.فاحت رائحةُ الصدأ والقيءِ واللحمِ المتفسخ، العريسُ معلَّق من معصميه بِسلاسل غَليظَة، وقد استحال جسدهُ خريطةً من التمزقاتِ التّي لم تترُك للجلدِ مكانًا. وَقف فيكتور، شاحِبًا كالموت، ممسكًا بنصلٍ حديديٍ طويل، وبدأ بطقوسه بجفاءٍ آلي. لم يكن يعذب جسدًا، بل يفكك كياًنا.
"إن لم تنظُري لكلِّ خطوة؛ سأجعله يتقيأ أحشاءه. لن تتقيح جروحُه لأنه لن يتبقى لديهِ جِلدٌ لِيُدمى. سأدعهُ يُشاهد عرضًا يكون فيهِ وجبةً لجرذانِ المجارير، سأجعلُها تقضِّم أصابِعَهُ واحِدًا تلّوَ الآخر، بعدها ستصعد مُلتهِمةً آنِفه تغرس أسنانها المُدببة في وجهه محاولةً قصمَه لتهرب بعيدًا خشية أن يشاركها بني جنسِها آنفه. وبينما ذا مشغولٌ في آنفه سيكونُ آخر يقتلِع أُذنه. ومع الجرذانِ تأتي بعضُ الحشراتِ والديدانِ التي ستزحف صوبَ عينيهِ مُخترقةً إيّاهُما".أيُّ أثرٍ للرحمة لم يوجد كُلُّ حرفٍ أضحى بمثابةِ تعذيبٍ جائِر..
" لذا إسعي لتطلُّعِ جيدًا".
ببطءٍ يذبَّح، بدأ فيكتور يغرسُ نصلَهُ تحتَ أظافِر الرجل ويقتلِعها ظفراً ظفراً، بينما كان العريس يطلقُ عويلاً مكتومًا بسبب قطعة قُماشٍ حُشيت في فمه عنوة حتى كادت تخنقه. لم يكتفِ بذلك، بل انتقل بآلةٍ حادة ليبدأ بعملية سلخٍ دقيقة لجلد الصدر، الصدرِ الذي كادّ أن يحتضِنَ عروسَه، مرر نصلهُ بتشفٍ مرضي ليُظهر العضلات المرتعشة تحت الضوء الخافت، وكأنه يشرحُ لوحةً فنيةً من الوجع.كانت مقيدةً قِبالتهما، وقد أَجبرت أجفانها على البقاء مفتوحة بخيوطٍ دقيقة، لكي لا تفوتها ذرة من هذا الهوان. كانت ترى الدماء وهي تسيلُ لزجةً، دافئةً، لتختلط ببرازِ العريس الذي فقد السيطرة على جسده من شدة الصدمة العصبية. لم تُغلق رغمَ الألمِ الذي تعششَ بفؤادِها. وعينها لم تجد من يرقئُها فاستمرت في إهلالِ عبراتها دونَ توقفٍ ولا صوتٍ.
اقترب فيكتور منها، وملابسه مضمخة برذاذِ الدم الساخن، وانحنى ليهمس في أذنها بنشوةٍ مريضة: "أرأيتِ؟ هذا الذي وهبتِهِ نفسكِ.. ليس سوى قطعة لحمٍ تئنُّ تحت قدمي. أنا الخالقُ والمفني هنا."
بوهنٍ من كِبَرِ ما حدث صرّت على أسنانها مُحدقةً بالشر الذي سكن روحَه :" أكرهُك.. أكرهُك كُرهَ الأرضِ للوباء. أنت لستَ رجلاً، أنتَ جيفةٌ تمشي على قدمين. انظر إليه، هو يتألمُ كبشر، أما أنت.. فأنتَ ميتٌ قبل أن تموت. لن تنالَ مني إلا بصقةَ حقدٍ تلاحقك إلى قبرك."عبَسَ مُُكشِرًا حاجبيه:" يبدو أنكِ لم تُمعِني النظرَ حسنًا، جزاءً لكلامِكِ يجب أن يوجَدَ من يدفعُ الثمن." ضحكَ ببساطة:" وأنا وأنتِ نعلمُ من."قبّل الخدَّ المخضب بالدمع قائِلاً بِلُطفٍ مُريب:" لا تُشيحي يا ريحانة."
ودارَ للذي فقدَ قدرتَهُ على النواحِ أو البكاء. تحيّرَ بكيفَ يُكمّل، اللوحة لم تصِل للكمالِ بعد. ينقُصُها كثيرٌ من الجماليّات لِتُمسي منقوشةً في الذاكِرة. لا تُمحى ولا تُنسى. ولا تَبلي دهرا.
وضعَ كفَهُ على خاصِرَتِه مُدمدِمًا بتفكيرٍ تعمَّد جعلهُ مسموعًا:" أنُباشِرُ إطلاق الفئران، أم نشرعُ في حرقِ الجثة؟".تقهقرت قهرًا ونشجت شجنًا إقترَب ليُشابِهَ أنينَ حيوانٍ جريح. عضّت شفاهَها، وقد احمرّت جفونُها كمن قارَبَ الوغى وغمغمت:" أنتَ شيطان ستُصلّى في جهنَم. ستكون بائِس المِهاد".
" لا تدرين كم تجعلينني الآن فاسِدًا في جواكِ".. طالت ذِراعُهُ ملتقطةً سيفًا قاطعًا وتجلّى فيكتور وهو يبتدي بطعنِ ضحيتِه بجنونٍ مُطبَّق. تحت وطأة تلك الطعنات المباغتة، لم يقوَ الجسد المنهك على كتمان الفجيعة؛ فانشقَ الصمتُ الجنائزي في البقعةِ عن صرخةٍ مُدويةَ وقد وقعت قطعة القماشِ، صرخةٌ حادةٌ وممزقة انطلقت من سويداء صدرٍ ضاقت أنفاسه، بينما انهمر داجُ الغرفة على جسدٍ متهالك لم يبقَ فيه شِبرٌ واحدٌ مُعافى. كانت الجراح والأثْلامُ تروي بطش فيكتور ومنهجيّةِقسوته، ووسطَ هذا الزمهريرِ الرطب، لم يبدُّ أنّ الصقيعَ قادِرّ على تخديرِ الألم، بل شحذَهُ كالسيفِ الصقيلِ الذي يُطعنُ بِهِ.
ابتعدَ فيكتور، وأغلقَ الحاجِزَ الزُجاجيَّ الفاصِل بينهُ وبين ضحيته. مُقترِبًا من صُندوقٍ طُوِّعَ بالفولاذ واضِـعَهُ في الداخِل. ألقى نظرةً على الصبيةِ المليحة وغمز وهو يستشعِرُ علاماتَ السؤالِ باديّةً على صفيحتِها ممزوجةً بِذُلٍ لا يُوصفُ ولا يُقاسُ لعجزِها. توجست حذرًا، وكشفَت عن أسنانِها تزجُرُه شزرًا فقهقهَ مُعجبًا: "شرسة".
"ماذا تنتَوي أيها الوضيع!".. وعلى غفلةَ، تمزقَ غِشاء السكون بطنينٍ همجيٍّ كئيب؛ إذ هبطت أسرابٌ من ذُبابِ الخيل حين أطلق سراحَها بجهازِ تحكُمٍ محمول، ضخمةٌ كحباتِ الجمر ِ الأسود، على الجسد المستباح بقوةِ السقوطِ الهاوي. لم تكن واخِزَةً كالإبر، بل كانت قواطع أفواهها كالمقاصِدِ الصغيرة التي تنبِشُ اللحمَ النيءَ نَبشًا، ومع كل هبوطٍ خاطف، غدَت الحشراتُ تقصُ طراوة الجلدِ قَصًا، حازّةً جروحًا دقيقةً غائِرة، لتمتص الدماء التي حالت السموم دون تخثرها.تدفقَ السائِلُ الأحمرُ بغزارةٍ وجيشان، كخيوطٍ قانية تقطعُ مسيلَ الاسودادِ والأتربة فوق الأطرافِ المكبّلة، وتفجّر الألم في تلكم الثواني كثيفًا، جارِحًا، ونابضًا؛ فشعر كأنّ جمراتٍ من نارٍ وُضعت دفعةً واحدة فوق جراحه المفتوحة. كلُّ عضةٍ تحولت في توّها إلى بؤرة التهابٍ حارقة، تورّم معها الجلد واستحال إلى طفحٍ دائريٍّ قرمزي، يغلي بالهيستامين ويستدعي حكةً جنونيةً عقيمة، يعجز الجسد الموثق بالأغلالِ عن دفعِها أو بلوغِها.
كان الصُراخَ هائلاً يحملُ وجعًا نقيًا، تدفق مع حشرجة مكتومة التوت لها حباله الصوتية حتى كادت تنفجر. تشنجت عضلات عنقه وبرزت عروق وجهه كحبالٍ مشدودة وهو يطلق ذلك العويل الفظيع، مستنجدًا بجمود الجدران الصماء التي لم ترد سوى بعكسِ صوته المستغيث. ومع كل قصَّةٍ جديدة من مقاصِ أفواه الذباب في لحمه العاري، كانت الصرخة تتجدد، تنكسر تارة ثم تعلو تارة أخرى كشهقة ذعر أخيرة، يرتجف معها فكه وتتسع عيناه بتفاجُئٍ مرير، حتى غَصَّ حلقه بالهواء البارد واستحال الصراخ المتواصل إلى أنينٍ خافتٍ ومتقطع يبدد بقايا قوته، بينما بدأ الوعي يغيب تدريجيًا في دوامةٍ من الإجهاد. انطفأ العويل، ولم يتبقَّ في جيب العتمة سوى أنينٍ خافتٍ متُهدج، تذروه برودة الغرفةِ الزجاجيّةِ الجافية. وسط هذا الوجوم، سار فيكتور بخطواتٍ وثيدةٍ، حثيثة، لا عجل فيها ولا اضطراب. يطرُقُ بحذائِه على الأرضية الإسمنتية بإيقاع بندول ساعة ميكانيكية نكير، تقيسُ ما تبقى لهُ من رمق.
وقف فيكتور على بُعد شبرين من الجسد المستباح. أمال رأسه قليلاً، وعيناه المحمومتان بصقيعٍ مخيف تتأملان الخراب الماثل أمامه. لم يرمش له جفن، ولم تتبدل في سحنته تضاريسُ الغلاظة؛ بل كان يتأمل خطوط الدم القانية التي يبست فوق الجلد المتورم، مستمتعًا بتصاميمِ الألم التي خطها الذباب نيابة عنه.
مد يدًا غطاها بقفازٍ جلديٍّ داكن، وبأطراف أصابعه، دحرجة قشرة جافة عن إحدى القروح الطرية. تشنج الجسد المكبّل تشنجًا تلقائيًا ارتداديًا، وصدرت من خياشيمه حشرجة مخنوقة، لكن فيكتور التقط منديلًا ناصع البياض من جيبه، ومسح به قطرة دمٍ طازجة ندّت من الجرح، ثم ألقى بالمنديل بلامبالاة فوق الأرضِ الملوثة.
"الآن" همس فيكتور، وصوته الرخيم يتهادى في الزوايا كفحيح الأفعى: "هذا مُمتِع."أطبق السكونُ ثانية، وبقيت الضحية معلقة بين غيبوبة تنقذها من الوجع، وواقع مرير يمثله شبح فيكتور الواقف.. "لكنَهُ لم ينتهي".
خلف الرَّتَجِ الزجاجيِّ الصقيلِ والمُصْمَت، كان الجسدُ المنهكُ معلقًا في هوةِ الذهول، يلوذُ بإغماءةٍ واهيةٍ فرَّ إليها حقنًا لما تبقى من جراحهِ الناعرة. وفي المقلبِ الآخرِ من المعزل، انتصبَ فيكتور كصَنَمٍ من جمود، يرنو ببصرٍ قاحلٍ ونظراتٍ مشوبةٍ بنشوةٍ ساديةٍ؛ يتأملُ حطامَ ضحيتهِ كصانعٍ يستعرضُ آخرَ مآثرِ عسفهِ.
دبَّ دبيبُ الحتفِ في قاع الحجرةِ الزجاجيةِ. تبخرتِ النقيعةُ الغادرةُ، وتصاعدَ عِثْيَانُ الكلورِ مشوبًا بـذَفَرِ البنزينِ النفاذِ، ليرتفعَ كدخانٍ خبيثٍ يتلوى في المدى الضيقِ، مطبقًا على أنفاسِ المحبسِ.
لم تكنِ الإفاقةُ هنا رويدًا، بل خطفةً كونيةً عنيفةً زعزعتِ الرمقَ الغائبَ. فما إن ولجتِ الذراتُ الأولى من الغازِ النقيعِ مجاريَ النفسِ، حتى مازجتِ الرطوبةَ الغريزيةَ للحلقِ، فاستحالت لوقتِها سمومًا كاويةً تفري الأنسجةَ الحيةَ فريًّا.
انتفضَ الجسدُ المكبولُ من غيابهِ نفضةً مذعورةً تراقصت معها الأغلالُ في المعاصمِ. لم يستيقظ على جلبةٍ، بل على جحيمٍ مستترٍ استعرَ دفعةً واحدةً في حشاهُ؛ لذعٌ كالعلقمِ يمزقُ المريءَ، وقبضةٌ حازقةٌ تعتصرُ الرئتينِ وتحجبُ مددَ الحياةِ. حاولَ لسانُ الحالِ إطلاقَ صرخةِ جَللٍ تستفزُّ السكونَ، بيدَ أنَّ الحبالَ الصوتيةَ انكمشت خوفًا وذعرًا، فغاضَ الصوتُ في مهدهِ، ولم يندَّ من الحنجرةِ المكلومةِ سوى حشرجةٍ مخنوقةٍ ونشيجٍ غائرٍ يطلبُ النسيمَ فلا يجدُ إلّا الأسيدَ الطيارَ.
اندلعَ في الصدرِ سعالٌ جافٌّ مقروحٌ، طعناتٌ متتاليةٌ هزتِ الكيانَ هزًّا، حتى تبددت خيوطُ الرغوةِ القانيةِ من بينِ الشفاهِ المنفطرةِ. كان الشعورُ النفسيُّ في تلكَ اللحظاتِ هو الرُّعبَ الصُّراحَ؛ غرقٌ في لجةٍ من لهيبٍ، حيث تسيخُ الرئتانِ في جيشانِ السوائلِ الباطنيةِ بلا قطرةِ ماءٍ. جحظتِ العينانِ بذهولٍ مرٍّ، تدورانِ حيرى خلفَ غشاوةِ العبراتِ اللاذعةِ، لتصطدما بصلابة الجدارِ المعتمِ، ومن ورائهِ ملامحُ فيكتور الشاخصِ في الظلِّ يقتاتُ على النزعِ الأخيرِ.
ومع سطوةِ النبضِ الذي كان يقرعُ في المسامعِ كـطبولِ منيةٍ دانيةٍ، زحفتِ السمرةُ الداكنةُ على المباسمِ وأطرافِ البنانِ معلنةً جفوفَ الحياةِ، ليتلاشى المحيطُ شيئًا فشيئًا وتنقبضَ الرؤيةُ في نفقٍ مظلمٍ من الكمدِ والانسحاقِ المطبقِ.
ولم يكنِ الجسدُ البشريُّ وحدَهُ مَنْ تجرَّعَ كؤوسَ المنيَّةِ؛ إذْ سادَ الهياجُ أسرابَ ذبابِ الخيلِ الغافيةِ فوقَ التُّخُومِ المتقيحة. انقطعَ طنينُها الهمجيُّ فجأةً، وتملَّكَها ذعرٌ صاعقٌ والتهابٌ كيميائيٌّ فرَّقَ شملَها. طفقتِ الحشراتُ الضخمةُ ترتطمُ بيَبَاسِ الزجاجِ في تشنجٍ يائسٍ، قبلَ أنْ تتهاوى عنِ اللَّحْمِ المُستباحِ كحبَّاتِ جمرٍ خامدة، هامدةً ليموتَ الصَّخَبُ ويتحققَ الفناءُ لكلِّ ذي رَمَقٍ داخلَ المَعزل.
وهُناك تجلسُ هي في هدوءٍ أشبهَ بجمودِ الموتى.
لم تصرخ، ولم تلتوِ الأغلالُ في معاصمِها؛ فقد جفَّتِ الدموعُ في مآقيها وصارَ الهلعُ صامتًا، غائرًا، ينهشُ وعيَها من الداخلِ.كانت عيناها المتسعتانِ تشهدانِ الفجيعةَ بكلِّ تفاصيلِها النكيرةِ: تفحُّمَ الرئتينِ الخفيَّ، تساقطَ ذبابِ الخيلِ الميتِ كحباتِ المطرِ الأسودِ، وانطفاءِ الحياةِ من زوجِها الذي غابَ في هوةِ الفناءِ. استقرت نظراتُها على المشهدِ خاليةً من أيِّ تعبيرٍ، فاقدةً لمَغزى العيشِ كليًا، كأنَّ روحَها انسلَّت من جسدِها قبلَ الضحيةِ.. ضحيةِ بطشِه.
لكنَّ فيكتور لم يشارِكها هذا الوجومَ.
التفتَ نحوها بلين، ملامحُهُ لم تَعْرِفِ الصدمةَ أو الارتباكَ قطُّ؛ بل انفرجت أساريرُهُ عن ابتسامةٍ عريضةٍ، ممتدةٍ، ملأت وجهَهُ ببهجةٍ جنونيةٍ. تقدَّمَ نحوَها بخطواتٍ راقصةٍ خفيفةٍ، وعيناهُ تلمعانِ بسَكرةٍ بلغت ذروتَها وهو يتأملُ نظراتِها الميتةَ. وقفَ فوقَ رأسِها، مستمتعًا بهذا الانعكاسِ المرعبِ لصنيعِهِ في مآقيها.
انحنى فيكتور حتى لَامَسَ وجنتَها المُتجمِدة، وتأمَّلَ عينيها الشاخصتينِ بتركيزٍ شديدٍ، كأنَّهُ يرتوي من هذا الفراغِ المطلقِ الذي خلَّفَهُ الرعبُ في نفسِها. أصدرَ ضحكةً خافتةً، متقطعةً، تنمُّ عن اختلالٍ عميقٍ، ثمَّ تمتمَ وهو يمسحُ بطرفِ إصبعه على شعرِها بحنانٍ غادرٍ:
"انظري إليَّ.. أليسَ هذا أجملَ عرضٍ كيميائيٍّ شهدتِهِ في حياتِكِ؟"راقبتهُ الصبية دونَ أن تطرفَ عينُها، سكونُها فاقدٌ لكلِّ نَبضٍ، بينما استمرَّ هو في تأمُّلِها بسعادةٍ غامرة، منتشياً بخطِّ ما سعى.قبّلَ جبينها مطولاً" شيطان ".
تبسّمَ برفقٍ من فرطِ ظرافة وصفِها، فنزلَ بشفتيهِ مقبِّلاً جبينها نابسًا ببحةِ عاشِقٍ مُلتاع:"بقيَّ أن يحترِق".
أشاحَت بوجهِها عنه عندما دنا ليرتشِفَ من ثغرِها بتقزز، ونظرت له رافِعةً صوتها بمقت وحقد شديديّن:
"الانهزامُ الذي أطعمتَني إياهُ حتى طفحتُ ذُلاً وقهرًا ووجعًا تاللهِ أني سأُعيدُهُ لكَ الضِعفَ مَثنى و ثُلاثَ و رُباع مُرفقًا بِضنًى يُماثِلُ السَّقَم شِدةً وغُلظة، وَإني لشديدةُ الوعيد ويم الله لأرجُمنَك حِجارةً كحِجارة سجيل وأهدنَّكَ هدًّا هدّّا. ولأسقيَنَكَ كأس الويل الغائِظة وأجرِعَنَكَ الإهضامَ والذُّفاع. تبًا لوجودِك ولأنفاسِك ونَفسِك المقيتة ؛فَذاتي غدَت تأنَفُكَ وقَلًى يتلَظى داخِلي كوغى نارٍ مُستعرة لِمرآك"أدركَت في صميمها كم كانَ مُتيّمًا غارِقًا في ولههِ بِها فلا طالمَا همَس لها بِفجاجةٍ فظة ثُمّ تلفظَ بكلماتِ الغزلِ قائِلاً:
"أُحِبُّكِ، وإنَّ الحبَّ إجحافٌ لما يعتمِل كياني من جوًى وهوىً وهيام، تالله أسألُ خالقكِ بما خُلقتِ، فأنّى لكِ أن تكوني بشرًا كمثلنا، مُبجَّلةٌ أنتِ داخل معبدِ فؤادي، أغلو في إغلائكِ وتقديركِ، فلا تستحقّين أقلَّ من قصرٍ مُشيَّدٍ، بقلاعٍ حاميها أنا.مُتوجةً كحاكمةٍ تنهي وتأمر، تتملّكُ مُلكي وسلطاني، مُمسكةً زمامَ أنفاسي ودقّاتِ وجداني، الذي قد فاض عشقًا بسحرها وبهائها".
فنظرت لهُ بسخطٍ وابتسمت عاضَةً لِسانها مُبتلعةً إيّاه مُتجرِّعةً كأسَ الردى بتَحَبُبٍ لا ينضَب. مختنقةً بلسانها ففضلت الموت على أن تبقى في مطرحٍ هو به، فما انفكت نفسُها إلى أن برحت وبُرئت روحُها إلى خالِقِها.
تِلكَ المُقَل حدَقت فيهِ كفأسٍ ثقيلة شطرَت رأسهُ نصفين. ترنّحَ للوراء، أحسَّ بأنَّ النار التي أشعلها بدأت تلتهمُ صدرَهُ هو. ضاقَ المدى، واسودَّت الرؤيةُ تدريجيًا بينما كان ضحكُها الخارِج من فمها المليءِ بالدماء يترددُ كصدىً لا ينتهي في دهاليز عقله. انهارَ جسدُه المنهكُ فوق الرخام المُشبعِ بالقان، وغابَ عن وعيهِ وهو يرى وجهها الماقِت يغرقُ في الضباب.