الفصل 3
عَويـل.
|حينَ يَعلو الصمتُ فوقَ وِهاد الصوتِ|
━━━⊰ 🐦🔥 عَــويِـل 🐦🔥 ⊱━━━━
صدى روحه دوى صاخِبًا مُزلزِلاً، ساطيًا على كلِ صوتٍ آخر.أيُّ محاولةٍ لطمسِ النوايا باءت بفشلٍ ذريعٍ يذرعُ طافيًا في مرارةٍ مريرة.
كان هذا تهويدًا صريحًا فاشيًا لا يُعقلُ ولا يُدرك؛ فأنّىٰ لعقلٍ احتواءُ ذاكَ الشرِ المُستطير! أنقولُ لهُ ويحكَ ما أنتَ بفاعِلٌ أم نصمتُ اتقاءًا لما لهُ من شيطنةٍ تطالُ ولا تحجِبُ جُحرًا أذاها ؟ كانَ سؤالاً مُحالَ الطرحِ، قابِعًا على الأفئدةِ فارِغًا من أيِّ شجاعةٍ لِمجابهةِ شُغورِه.
كإبليسٍ في دُمسةٍ سخماء ابتلعُه الظلُّ في قفارِ سديمٍ خاوٍ، بهجَةُ الصبيّةِ تجري أمامهُ كشمسٍ لمُستقَرٍ لها. لكنَّما الخطأَ باعتقادِها أجَلَّها. لم تكن في مستقرها قطعًا. مَكانُها خِضمٌ في بوارٍ هو سيدُه.
تملّكت الابتسامةُ مطلعَهُ مُقهقِهًا خُفيةً مُجفِلاً إيّاها. بهاءُ بهجتِها تساقطَ كحجارةِ جدارٍ متزعزِع. مُحدقةً انعكسَ جلالهُ جوفَ شساعةِ بُؤبُؤيها الزاهيين؛ ارتجفت بتلاتُها المُزهِرَةُ تَقزُزًا طغى ذُعرًا.
اقترَب بتجلُّدٍ رصين لا يَكبو، عالِمًا موطِأ كُلِّ مَسعى نحوَها مُطرطِقًا بحذاءِه كأنّما هو يطرُقُ بمطرقَةُ الموت الجائِرة التي وقعَ حُكمها بقرارٍ لا منفذَ منه. ناظِرًا صوب مآقيها الواسِعة انحَنى باسِطًا كفيهِ على كتفيها ضاغِطًا بِلُطفٍ حازمٍ، غائِر. استشعَر كُلَّ رجفةٍ وكُلَّ نفسٍ مُرتعِد، وبِتينيك قبَعَ الخوفُ جاثِمًا بينَ بؤسٍ استوطَن و تكذيبٍ جرى لا مُصدِقًا لما يحصُل. زاغت نظراته صوبَ المرآةِ المُضيئة، تَقلّصت أساريرُه برضًا مسمومٍ تفلَّج ثغرُه بهِ مسرورًا. جفَّ ريقُها مع تنَسُّمِهِ جَيدَها بجشعٍ حاقِد:
"أتُزَيِّنينَ هَذا الوجهَ للفناءِ أيتُها الغاوية ؟ ويحكِ.. كيفَ لم تُدركي أنَّ عريسَكِ الموؤودَ يتخبطُ الآنَ في غياهبِ حتفهِ، وأنني أنا القيامةُ المسخوطةُ التي ستسحقُ صلواتِكِ تحتَ نعلي؟ أمعني النظرَ في دياجير مقلتيكِ.. لستُ طيفًا عابراً، بل أنا الخرابُ الذي استوطنَ جوفَكِ، وسأهدمُ هذا المحرابَ على رؤوسِ رعديدِكِ ومن معهُ، ليكونَ دمُهُم مَهرَكِ الأبديَّ لي." قبَّل رَقبتَها خاتِمًا على كلامِهِ. ولم تُبصِر ما جاءَ بعدها.
فعلى حين غرةٍ بعيدًا أينما تحمِلُ الريحُ صوتَ أجراسٍ تدُقُ فرحًا لزِفافٍ موعود، امتدت يدهُ التي كانت مُختزلةً في جيبهِ لتلتقطَ شُعلةً من نارٍ كانت قابعةً في زاويةِ النسيان. لم تكن مجرد نار، بل أضحت فتيلاً لخرابٍ تعهدَ به. ألقى بها على خَطٍ مِن بارودٍ افترشَ نُصعةَ الضَّريبِ وكأنه يلقي ورودًا للمنايا على التاريخِ كله.
"انظرِي يا تُراجيَّ.." همسَ وصوتُه يتهدجُ بنشوةٍ سعيدة، بينما كانت ألسنةُ اللهبِ تتسلقُ الجدرانَ العتيقة، تلتهمُ الأخشابَ المقدسة بنهمٍ شيطاني: "انظري كيف يستحيلُ الصمودُ هباءً حين تقررُ الروحُ أن تتحررَ من قيودِ الصبر."
ارتفعَ الدخانُ الأسود ليحجبَ ضوءَ القمر، وفي تلك اللحظة، بدا عدمًا مُلتحِفًا بعدمٍ لثقبٍ أسخم. كان الضِّرام المُضرم ينعكِسُ في دواجي عينيه، فتبدوانِ كجحيمينِ صغيرينِ يتوقانِ لابتلاعِ المدى.
صرخت عروسُهُ، لكن صرختها ضاعت في فرقعةِ الخشبِ المحترق، وتهاوي الحجارةِ التي لم تعد تحتملُ ثِقلَ الإثم. اخترقت موجة الضغط أجساد المحاصرين قبل أن تصل إليها النار؛ تمزقت طبلات الآذان وانفجرت العروق في الأحداق من شدة الضغط الخانق. ثم فُتِحَ السعيرُ مُلوِحًا. اللهب لم يحرق الخشب فحسب، بل أذابَ ماسِخًا كل ما في طريقه. الزجاج الملون الذي كان يصور القديسين، تفتت إلى شظايا مسنونة انطلقت كطلقاتٍ طائشة، تخترق الأعناق والصدور، لتغرسَ ألوانها في اللحم البشري المرتعد.
سقطت النجفات الضخمة بآلاف شموعها فوق الحشود، فاستحالت صرخات التوسل إلى عويلٍ جهنمي حين اختلط زيت الشمع المغلي بالدماء التي بدأت تسيلُ أنهارًا بين شقوق الرخام. وبدأت قيامةٌ تخصُه؛ تداعت السقوفُ ليس كمادة، بل كصلابةٍ تسحقُ الهشاشة. هوت الحجارةُ العملاقة فوق الرؤوس، فسمع فيكتور في البعيد هريسًا مرعبًا؛ صوت تهشم الجماجم تحت ثقل الأطنان، واختلاط العظام المحطمة بالتراب المشتعل.
لم تعد الكنيسة بناءً، بل أصبحت مطحنةً بشرية. الدماءُ التي كانت تجري نحو الأبواب الموصدة تبخرت من شدة الحرارة، مخلفةً رائحةً معدنيةً تزكم الأنوف، ممزوجةً برائحة اللحم الذي يتفحمُ تحت الركام. المشهد من الداخل صار عبارة عن أشلاءٍ مبعثرة بين الحطام، ووجوهٍ تجمدت ملامحها في لحظة الرعب الأخير قبل أن يسويها الانفجار بالأرض.
عندما سقطت القبة الأخيرة، أحدثت ارتطامًا جعل الابيضاضَ المحيط بالكنيسة يرتجُّ ويصطبِغ برذاذٍ قُرمزيٍّ تطاير مع الغبار. وقف فيكتور متفرِجًا على الخراب المطبق، يمسحُ قطرة دمٍ غريبة حَطّت رِحالها على وجنته، بينما كان خلفه صمتٌ مطبق.. صمتُ المقابر التي لا يُسمع فيها إلا فحيحُ النار وهي تلتهمُ بقايا ما كان يومًا بشرًا.
الفراشةُ التي كانت تحوم، احترقت أجنحتها في الهواءِ الساخن، فسقطت رمادًا رقيقًا فوق الثلجِ الملوث. لقد كُتبت الرقيمةُ أخيرًا، ولم يعد هناك مجالٌ للعودة؛ فالمسافةُ بين العاشق و الجلاد قد تلاشَت تمامًا في أتونِ تلك الليلةِ الليلاء.