الفصل 2
𝓟𝓪𝓻𝓽 𝟏
كان الصباح هادئاً فوق قمة جبل جيليوس، لكن الهدوء لم يكن يسكن قلب يويي.
وقفت الصغيرة أمام البوابة الشاهقة لمدرسة التنانين العليا، تحمل حقيبتها الصغيرة على كتفها، بينما كانت رحاب تقف أمامها تراقبها بعينين امتلأتا بالقلق.قالت رحاب بصوت خافت
"يويي... تذكري ما قلته لكِ. لا تبتعدي عن Dragosynth، ولا تذهبي إلى أي مكان بمفردك."أومأت يويي برأسها دون أن تجيب.كانت تسمع كلمات أمها، لكنها لم تكن تسمعهاحقاً.منذ أن غادرت المنزل وهي تفكر في شيء واحد فقط.
عدم عودة لذلك الجحيم .
رفعت يويي عينيها نحو المدرسة للحظة، ثم نظرت إلى رحاب.كانت تعرف أن أمها ستغادر بعد أن تتأكد من دخولها.وهذا بالضبط ما كانت تنتظره.وضعت رحاب يدها على رأس ابنتها ومسحت على شعرها بحنان.
"سأعود في نهاية ليوم للأخدك ... إتفقنا."ابتسمت يويي ابتسامة صغيرة مصطنعة. " حسناً يا أمي."ابتعدت رحاب ببطء، وظلت تلتفت بين لحظة وأخرى لتتأكد أن ابنتها دخلتDragosynth.انتظرت يويي حتى ابتعدت عنها بما يكفي.
خطوة...ثم خطوة أخرى...ثم التفتت بسرعة.
لم تتجه نحو بوابة المدرسة.بل ركضت.
ركضت بكل ما تملك من قوة.
كان صوت خطواتها يضرب الطريق الصخري بسرعة، وشعرها الأحمر الوردي يتطاير خلفها، بينما بدأت البوابة العالية تختفي شيئاً فشيئاً خلف الأشجار.
"لن أعود..."قالتها وهي تلهث." لن أعود إلى ذلك البيت."
لم تكن تعرف إلى أين ستذهب، ولم تكن تملك خطة حقيقية.كل ما كانت تعرفه أنها تريد الابتعاد.ابتعدت عن الطريق المؤدي إلى المدرسة، ودخلت الغابة.
في البداية، كانت الأشجار متباعدة نسبياً، والشمس تتسلل بينها في خيوط ذهبية متراقصة. كانت الأرض مغطاة بالعشب الأخضر والنباتات البرية، وكانت أصوات الطيور تملأ المكان.
لكن كلما تعمقت يويي في الغابة، تغير كل شيء.
بدأت الأشجار تزداد ضخامة وكثافة، وارتفعت جذوعها فوقها كأعمدة عملاقة، بينما تشابكت الأغصان في الأعلى حتى أصبحت السماء مجرد بقع صغيرة بين الأوراق.كانت الغابة تبدو وكأنها عالم آخر.
ركضت يويي بين الأشجار، تتعثر أحياناً بجذور بارزة أو أحجار صغيرة، ثم تنهض وتواصل طريقها.كان قلبها يخفق بعنف.وفي كل مرة تسمع فيها صوت غصن ينكسر خلفها، كانت تلتفت بفزع."هل أرسلت أمي أحداً ورائي؟"زاد خوفها، وزادت سرعتها.
كانت الأغصان تضرب ذراعيها، وأوراق الشجيرات تخدش ساقيها، بينما كانت أنفاسها تزداد اضطراباً.ثم بدأت الأرض تتغير.لم تعد الغابة مستوية.
صار الطريق أكثر وعورة، تتخلله الصخور والمنحدرات الصغيرة والممرات الضيقة بين الأشجار. وفي بعض الأماكن كانت المياه تجري في جداول ضيقة بين الأعشاب والحجارة، فتضطر يويي إلى القفز فوقها وهي تواصل هربها.لم تكن تعرف كم مضى من الوقت.
كانت تشعر فقط بأن قدميها تؤلمانها وأنها يجب أن تستمر.
ثم، وبينما كانت تركض، خرجت فجأة من بين الأشجار إلى مساحة صخرية واسعة.
توقفت.
أمامها كان هناك جرف مرتفع يمتد فوق غابة لا نهاية لها.
امتدت الأشجار في الأسفل مثل بحر أخضر كثيف، بينما ظهرت الجبال البعيدة مغطاة بالضباب تحت سماء الصباح.
وقفت يويي تلتقط أنفاسها.للحظة، كان المنظر مهيباً.
لكنها لم تملك وقتاً للتأمل.
سمعت أصواتاً خلفها.استدارتبسرعة.لم تر أحداً...تراجعت خطوة.ثم سمعت صوتاً آخر.
أقرب هذه المرة.
ارتبكت يويي وبدأت تتراجع دون أن تنظر خلفها جيداً." من هناك ...؟"لكن قدمها لم تجد الأرض الصلبة.انزلقت.اتسعت عيناها.
"آآه!" فقدت توازنها وسقطت من حافة الجرف.تدحرج جسدها فوق المنحدر الصخري، واصطدمت أكثر من مرة بالصخور والأغصان قبل أن تستقر أخيراً في منطقة منخفضة بين الأشجار.
بقيت يويي ساكنة للحظات.كان جسدها يؤلمها، وركبتها قد أصيبت، كما خدشت ذراعها وامتلأت ثيابها بالغبار والأوراق.رفعت رأسها ببطء.نظرت إلى الجرف فوقها...كان مرتفعاً جداً.
ارتجفت.ثم قالت بصوت خافت " أنا... بخير."حاولت الوقوف.لكن الألم أجبرها على الجلوس من جديد.أغمضت عينيها للحظة، وعضت شفتيها حتى لا تبكي.كانت تستطيع العودة.ربما تستطيع استخدام قوتها والرجوع.
لكنها رفضت.
"لا..."همست.لن أعود."
وضعت يديها على الأرض، ونهضت بصعوبة.بدأت تمشي مستندة إلى جذوع الأشجار، ثم تسارعت خطواتها شيئاً فشيئاً.بعد فترة، بدأ صوت الماء يظهر من جديد في الغابة.
كان هناك جدول صغير يشق طريقه بين الأشجار، تحيط به الأعشاب والنباتات الكثيفة. سارت يويي بمحاذاته، وفي كل مرة كانت تتعثر فيها، كانت تتوقف قليلاً ثم تتابع.
لكنها لم تكن تعلم أن الغابة لم تكن خالية.
فجأة...
توقفت.
جاءها صوت غريب من مكان قريب.صوت زئير منخفض.رفعت يويي رأسها.ومن خلف
الأشجار ظهرت حركة.
ثم ثانية.
ثم مجموعة من الضواري البيضاء الضخمة.كانت أجسامها قوية وثقيلة، وفراؤها الكثيف يحمل بقعاً داكنة، بينما كانت مخالبها الكبيرة تغرس نفسها في الأرض مع كل خطوة.
تجمدت يويي في مكانها.اتسعت عيناها.
"ضوارٍ..."
تراجعت ببطء.أحدها رفع رأسه، وكأنه شعر بوجودها.اختبأت يويي خلف جذع شجرة.وضعت يدها على فمها حتى لا يصدر عنها صوت.كانت تسمع خطوات الضواري وهي تتحرك بين الأشجار.
اقتربت.
أكثر.وأكثر.
كانت يويي ترتجف بالكامل.ثم رأت بين الأشجار فتحة مظلمة في صخرة كبيرة.
كهف.لم تفكر.اندفعت نحوه رغم ألم ركبتها.دخلت بسرعة واختبأت في أعمق جزء منه.
لم يكن الكهف واسعاً، لكنه كان مظلماً وبارداً، وتتدلى من سقفه تشكيلات صخرية غير منتظمة، بينما كانت أرضه مغطاة بحجارة رطبة.
انكمشت يويي في إحدى زواياه.وضمت ركبتيها إلى صدرها.ظلت تنظر إلى مدخل الكهف.
مرت لحظات طويلة.
ثم ظهرت إحدى الضواري عند المدخل.تجمدت يويي.لمتتحرك.لم تتنفس تقريباً.
وقف ضاري للحظات، يستنشق الهواء، ثم أصدر زمجرة خافتة قبل أن يبتعد.
ظلّت يويي في مكانها.كانت ترتجف.لم تكن تعرف كم بقيت هناك.مرت الساعات بطيئة وثقيلة.
في البداية، كان ضوء النهار يدخل من مدخل الكهف، لكنه بدأ يضعف شيئاً فشيئاً.تحول الضوء إلى برتقالي باهت...ثم إلى رمادي...ثم اختفى تقريباً.
حل المساء.وبدأت أصوات الغابة تتغير.
حل الظلام خارج الكهف، وأصبح كل شيء هادئاً إلا من أصوات بعيدة للضواري والرياح وهي تحرك أغصان الأشجار.لم تعد يويي قادرة على مقاومة التعب.جسدها كان يؤلمها.عيناها أصبحتا ثقيلتين.أسندت رأسها إلى الصخرة خلفها.
"لن أعود أبدا ..."
همست." سأواصل البحث عن مكان أعيش فيه."
ثم أغمضت عينيها.وغلبها النوم.
عندما استيقظت يويي، كان الليل قد عمق ألوان الغابة.
خرجت من الكهف بحذر.كان القمر معلقاً بين الأغصان، ونوره الخافت ينساب فوق الممرات الحجرية وبين جذوع الأشجار.بدت الغابة التي عرفتها في النهار مختلفة تماماً.
كانت أكثر صمتاً.وأكثر غموضاً.
سارت يويي ببطء، وهي تستند أحياناً إلى الأشجار بسبب إصابتها.ثم سمعت صوتاً خافتاً للماء.
اتبعت الصوت.كلما تقدمت، بدأت الأشجار تنفتح.وأخيراً وصلت إلى بحيرة هادئة تحيط بها الأشجار من جميع الجهات.انعكس ضوء القمر فوق سطحها، فتحولت المياه إلى صفحة فضية ساكنة.
كانت الأعشاب الطويلة تتحرك مع النسيم، وظلت بعض حبات الندى عالقة فوقها، بينما كانت الصخور القريبة من الماء تلمع تحت ضوء الليل.
توقفت يويي أمام البحيرة.نظرت إليها طويلاً.ثم تقدمت وجلست على إحدى الصخور القريبة من الشاطئ. وضعت يدها في الماء.كان بارداً.بارداً ومنعشاً.
غسلت جرح ذراعها، ثم غسلت ركبتها، وشربت قليلاً من الماء.
بعد ساعات من الخوف والركض والاختباء، شعرت يويي أخيراً بالهدوء.
رفعت رأسها نحو السماء.
كانت النجوم تملأها.ابتسمت رغم تعبها." لقد تحررت..."
قالتها بصوت خافت.
لكنها لم تكن تعلم أن شخصاً آخر كان يقف في الجهة المقابلة من البحيرة.صوت امرأة هادئ وعميق اخترق سكون الليل " ماذا تفعل طفلة صغيرة وحدها في غابة كهذه؟"
تجمدت يويي.توقفت يدها فوق الماء.ثم استدارت ببطء.وعلى الجانب الآخر من البحيرة، ظهرت امرأة تقف بين الأشجار تحت ضوء القمر ,شعرها يتحرك مع نسيم الغابة، وملامحها هادئة، لكن حضورها كان مهيباً بصورة جعلت يويي تشعر بالخطر فوراً..
.كانت الزعيمة كاي.لكن يويي لم تكن تعرف ذلك.كل ما عرفته في تلك اللحظة هو أن شخصاً غريباً
تقدمت كاي نحها بخطوات .. و لاحظت شعر الصغيرة وعينيها، ثم نظرت إلى إصابتها.
أما يويي، فتراجعت فورا.
وتحت تأثير خوفها مدت يدها إلى خصرها وأخرجت السكين الصغيرة التي كانت تحملها للحماية.
"لا تقتربي!
.بدأت كاي تتقدم نحوها ببطء شديد. تراجعت يويي بخوف، يداها اللتان تمسكان بالسكين بدأتا ترتعشان لا إرادياً. صرخت يويي بصوت ضعيف أن تتوقف وتبتعد عنها وتتركها.
لكن الزعيمة اقتربت أكثر، حتى أصبحت أمامها مباشرة. تراجعت يويي خطوتين أخيرتين رفعت يويي السكين أمامها.
"قلت ابتعدي!"
لاحظت كاي أن يد الصغيرة ترتجف، وأنها بالكاد تستطيع الوقوف بسبب إصابتها.
"لن أؤذيك."
لكن يويي لم تصدقها.في ذهنها، كان كل شخص يقترب منها يعني شيئاً واحداً:
إعادتها إلى والدتها رحاب.
اندفعت يويي فجأة نحو كاي محاولة طعنها بالسكين.
تحركت كاي بسرعة، وتجنبت الضربة بسهولة، ثم أمسكت بيد الصغيرة قبل أن تسقط.
حاولت يويي الإفلات." اتركيني!"
لكن الألم كان أقوى منها.ترنحت وسقطت على ركبتيها.
تراجعت كاي فوراً، ولم تحاول الإمساك بها مرة أخرى.
أمسكت كاي بالسكين الهشة من يدها ورمتها بعيداً على الأرض، ثم جثت على ركبتيها لتصبح بمستوى يويي.
هنا، انفجرت يويي في نوبة بكاء ، وضمتها الزعيمة بهدوء محاولة تهدئتها. وما إن هدأت يويي قليلاً وارتفع صوتها بالكاد، حتى سألت بنبرة يائسة: "هل جئتي لتعيدني لأمي؟...وصرخت فيها بإصرار لن أسمح لك بذلك!"
هزّت الزعيمة رأسها نفياً، قائلة بلطف: "لا تقلقي. ولكن بقاء فتاة صغيرة وحدها في غابة كهذه خطر عليكِ؛ فهي مليئة بالضواري، وقد يخطفك أو يقتلك قطاع الطرق والنينجا." ثم أردفت بعرض حاسم: "ما رأيك أن تأتي معي؟ سيكون ذلك آمناً لكِ."
ظل الشك في عيني يويي، لكنها لم تعد تملك القوة للهرب.
نظرت كاي إلى إصابتها وقالت ".أنت بحاجة إلى علاج."ثم مدت يدها إليها" .تعالي معي."نظرت يويي إلى يد كاي طويلاً. ثم رفعت يويي نظرها متشبثة بأمل أخير"هل سوف تعيدني لأمي؟ لن أذهب معك." تنهدت زعيمة وقالت " عنيدة مثلها ..." و أكملت : " لن تعودي ...حسنا "
نظرت فيها يويي بعدم ثقة وقالت : " لماذا ؟ ....ماذا تريدين مني "
ردت عليها زعيمة " وماذا سأريد من طفلة صغيرة أخبريني "
فكرت يويي ثم تنهدت و أشاحت وجهها عنها " حسناً سأذهب معك "
ابتسمت الزعيمة كاي ابتسامة أخيرة: "حسناً، هيا "
وقفت الزعيمة، وأمسكت بيد الصغيرة، وفي ومضة من القوة غير المرئية، اختفتا معاً من الغابة، ليظهرتا بعد لحظة في قصر الزعيمة كاي الشاهق على جبل الظلال.
في قصر الزعيمة كاي، كانت يويي تجلس على سرير صغير بينما تعالج إحدى الخادمات جرحها.
جلست كاي بالقرب منها، تراقبها بصمت.
لم تكن يويي تعرف أين هي.
ولا لماذا ساعدتها هذه المرأة.
و ثم أمرت الزعيمة الخدم على الفور بتجهيز غرفة صغيرة وطعام ليويي. كانت يويي ما زالت خائفة، تتوجس من أن تأتي أمها في أي لحظة لتعيدها . أكلت يويي الطعام بهدوء، ثم أخذتها الخادمة التي كانت تدعى( لورا)إلى غرفتها الجميلة، حيث بدلت يويي ثيابها إلى ثياب نوم مريحة، واستسلمت للنوم في سلام مؤقت.
بعد أن أكملت رحاب عملها في مشفى عادت ل Dragosythحيث تركت يويي، لكن القاعة الواسعة بدت خاوية إلا من معلمة واحدة.
اقتربت رحاب بلهفة من السيدة ليوان، التي تصادف أنها عمة يويي ومعلمة في المدرسة. "يا ليوان، هل رأيتِ يويي؟ أبحث عن صغيرتي، هل كانت تحضر الصفوف اليوم؟"
نظرت ليوان إلى رحاب بحيرة: "رحاب؟ يويي؟ لم أرَ هذه الطفلة يوماً يا عزيزتي. أظنها لم تأتِ اليوم على الإطلاق."
تجمدت الدماء في عروق رحاب. "كيف؟ ماذا تقصدين؟ أنا أحضرتها بنفسي إلى هنا، ليوان لا تمزحي معي!"
"صدقيني، لم أرها اليوم. إن كانت هنا، كان يجب أن تسجل حضورها "
بدأ صدر رحاب يضيق برعب لم تشعر به منذ سنوات. فجأة، قفزت إلى ذهنها الفكرة الأشد سواداً"هل يكون الإمبراطور قد علم بأمرها و أخدهاأيضاً؟ توترت رحاب، لكن الخوف سرعان ما تحول إلى غضب جامح.
دون تفكير، حشدت رحاب بقوتها الغامضة، التي تمنحها الانتقال في لمح البصر، واختفت من أمام Dragosythلتظهر لحظياً أمام بوابة قصر إمبراطور ، زوجها الهاجر.
اندفعت مسرعة وطلبت مقابلته. سمح أزار بذلك، ضاناً بسذاجة أنها جاءت لتترجاه للعودة إليه بعد سنوات الهجر الطويلة. لكن ما إن دخلت رحاب إلى القاعة الفخمة، حتى صرخت صرخة مدوية""أزار! كيف تجرأت على أخذ يويي؟ ألا يكفيك أخذك لابني؟
تعجّب أزار من نبرتها المجنونة: "ماذا قلتِ؟ يويي؟"
ضحكت رحاب ضحكة مجنونة تخفي آلامها العميقة: "توقف! توقف عن هذا التظاهر، أعد لي يويي!"
صمت أزار لبرهة، وخطا خطوات نحوها ، يمسك بطرف عباءته والتفكير يعصر ذهنه، قبل أن يلتفت إليها بنظرة حادة ويسأل
: "لا أعلم عما تتحدثين يا رحاب!لم أعتد منكِ هذا الجنون"
ساد الصمت.
اقترب أزار منها" .رحاب... من هي يويي؟"
تجمدت.
كانت تنتظر منه الإنكار.
لكن نظراته بدت صادقة.
وللمرة الأولى، أدركت أن اختفاء ابنتها لم يكن من أزار
هنا، تجمعت الغيوم السوداء في ذهن رحاب. إذا كان هو لا يعلم بوجودها، فأين هي؟ هل اختُطفت حقاً من قبل النينجا ؟هل حصل لها شيئ ؟
تنهدت رحاب بصمت يائس، وقررت أن القصر ليس مكان البحث. استدارت لتغادر مسرعة، لكن أزار لحق بها وأمسك ذراعها بقوة ساحبا إياها نحوه. كانت محضية إمبراطور تراقب المشهد من طرف حديقة كانت تشرب شاي ، وعلامات الغيظ والانزعاج تشتعل في عينيها.
قال أزار بحدة، وأنفاسه الحارة تلامس وجه رحاب: " رحاب ... لم تجيبي عن سؤالي بعد ؟ تكلمي يا رحاب، تحدثي!"
أشاحت بوجهها عنه بحدة، وعلى وجهها ابتسامة باردة: "لا شأن لك بي هل تفهم ،و أيضا عشيقتك ترانا، كن حذراً أيها الإمبراطور." دفعت يده بعنف، وخرجت.
عادت رحاب بقوتها إلى بيتهابسيط في وسط غابة . بدأت تدور في وسط الغرفة بقلقي ، أفكار الخوف والقلق تنهش عقلها. وفي لحظة، انهار جسدها على الأرض، وغرقت في بحر من البكاء والندم: "أنا السبب! أنا السبب! لقد كرهتني، لذلك ابتعدت عني !"
نهضت بصعوبة، جامعة شتات نفسها ورافضة الاستسلام. مسحت دموعها واستلت جهاز اتصال محفور عليه رمز التنين. اتصلت بـريدن، اليد اليمنى للزعيمة كاي وزعيم الضواري، صاحب القوة العظمى في القبيلة.
أخبرت رحاب ريدن بقلق بالغ أنها تركت يويي عند بوابة Dragosynthفي الصباح، وهي الآن مفقودة. وأخبرها ريدن بأنه سيبدأ البحث فوراً وسيخبرها بكل جديد. أغلقت رحاب الاتصال وجلست على الأرض الباردة، محاولة التقاط أنفاسها بعد هذا اليوم القاسي من البحث والخوف على صغيرتها.
بعد الاتصال الذي جرى بين رحاب ورايدن، كان الأخير يجلس في مكتبه داخل القاعدة المركزية الكبرى. قطع ريدن
الاتصال، ووقف ببطء، ثم جلس على حافة مكتبه، وقد ظهرت فجأة مجموعة من النينجا الذين يعملون تحت إمرته ؛ كانوا جاثمين على ركبهم، ورؤوسهم منحنية في إجلال له. أمرهم ريدن بالبحث الفوري عن يويي وإيجادها، وأن يخبروه بمكانها حالما يجدونها. أجابوا بصوت واحد وموحد: "أمرك، سيدي"، ثم اختفوا بنفس السرعة التي ظهروا بها.
عاد ريدن للوقوف. كان جلًا طويل القامة، يتمتع ببنية متناسقة وحضور هادئ يلفت الانتباه دون حاجة إلى الكلام. كان شعره داكنًا، كثيفًا ومائلًا إلى التموج، تتدلى بعض خصلاته فوق جبينه بطريقة عفوية، بينما بقيت بقية شعره مرتبة إلى الخلف.
ملامحه حادة ووقورة؛ عيناه ضيقتان قليلًا ونظرته ثابتة وعميقة، توحيان بأنه يراقب كل ما حوله بعناية. حاجباه كثيفان، وأنفه مستقيم، وفكّه محدد يمنح وجهه مظهرًا جادًا، رغم أن ملامحه تصبح أكثر لينًا عندما يكون برفقة من يثق بهم.
كان يرتدي ملابس أنيقة يغلب عليها الطابع الداكن، تتكون من سترة طويلة ذات تفاصيل بسيطة وفاخرة، فوق قميص مرتب، مع حزام جلدي عند الخصر . وكانت ملابسه تعكس شخصيته؛ منظمة، عملية، وهادئة دون مبالغة في الزينة.
وفي حضوره شيء يجعل الآخرين يشعرون بأنه شخص يصعب خداعه، فحتى عندما يصمت، تبقى عيناه كأنهما تطرحان الأسئلة بدلًا منه.
. فجأة، توهج وميض قادم من جهاز الاتصال الموضوع على الطاولة. نظر ريدن، وعرف المتصل، فارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة ، ورد على الاتصال.
جاء صوت فتاة يملؤه الانزعاج وهي تصرخ: "لماذا تأخرت على الرد؟" تنهدت بضجر وأكملت: "عزيزي، متى سوف تعود؟ أخبرني!"
ضحك ريدن من انزعاجها: "لا تقلقي، لدي عمل آخر أكمله ثم أعود إليكِ."
ضحكت الفتاة وقالت: "حسناً، أنا أنتظر. لا تتأخر، وإلا ستنام خارجاً. هل تفهم؟"
ضحك ريدن مرة أخرى، وقال بمداعبة: "وسوف تنامين أنتِ معي خارجاً أيضا إذاً، اتفقنا؟ لا أستطيع النوم بدونك."
ردت الفتاة وهي تصطنع الجدية: "تنام وحدك، وهذا آخر كلام. لذلك عليك الإسراع في العودة."
قال: "حسناً، سوف أعود، لا تقلقي." وأنهت هي الاتصال، فقد اعتاد ريدن أن يتركها دائماً هي من تغلق إتصال.
ومض جهاز الاتصال مجدداً. رد ريدن، وكان هذه المرة أحد النينجا يخبره بأنه قد وجد الصغيرة. قال النينجا: "وجدناها يا سيدي في قصر الزعيمة كاي، أحضرتها الزعيمة معها هذا المساء،"
قال ريدن بجدية: "حسناً، بما أنها بأمان"، وأغلق الاتصال. على الفور، اتصل برحاب. ردت رحاب وهي تغمرها القلق. أخبرها أن ابنتها في قصر الزعيمة كاي. تنفست رحاب الصعداء وشكرته، وأخبرته أنها ذاهبة للتحدث مع الزعيمة، ثم أغلق الاتصال وخرج من مكتبه.
في مكان آخر، نرى رحاب تقف أمام باب قصر الزعيمة كاي. دخلت وسألت الخدم، فأخبروها بأن الزعيمة في قاعة العرش. توجهت رحاب تصعد سلالم القصر بخطوات متزنة حتى وصلت إلى باب القاعة ودفعته برفق.
وجدت الزعيمة كاي جالسة فوق كرسيها، تنظر لها بابتسامة وكأنها تعلم أنها قادمة. دخلت رحاب بخطوات متزنة ونحنت للزعيمة.
قالت الزعيمة بهدوء"كنت أنتظرك يا رحاب،" وأكملت: "يبدو أنكِ جئتِ لتعيدي شخصاً مهماً بالنسبة لكِ، أليس كذلك؟"
قالت رحاب"بعد إذنك يا سيدتي"، أومأت الزعيمة برأسها بالإيجاب لتكمل رحاب كلامها.
قالت رحاب"يبدو أني لم أستطع المحافظة عليها. أنا فعلت كل ما فعلته بهدف حمايتها فحسب. فهي أغلى ما لدي، ابنتي الوحيدة، وأنا قلقة بشأنها. فأنا لا أعد الإمبراطور يستحق أن يكون أباً لابنتي."
قالت زعيمة و هي تناظرها بحدة "لقد كانت خائفة منكِ."
تجمدت رحاب.لم تعرف ماذا تقول.
ثم خفضت رأسها. وقالت وهي تحاول أن تبرر لنفسها " أنا... كنت أحاول حمايتها."
قالت كاي: " أحياناً يتحول الخوف على من نحبهم إلى قفص."
كانت كلماتها بسيطة، لكنها أصابت رحاب في أعمق مكان في قلبها.
صمتت طويلاً.
ثم قالت : " إذا لن ينفع أن أخدها لأن "
قالت الزعيمة لها: "أفهم من كلامك أنكِ تريدين إبقاءها عندي؟"
"نعمسيدتي ."
ابتسمت زعيمة وقالت "هل أنتِ متأكدة؟"
أومأت رحاب برأسها بالإيجاب. ضحكت الزعيمة مبتسمة وقالت: "حسناً، أنا موافقة على ذلك، لأنكِ أعلنتِ ولاءكِ للقبيلة وجهودكِ كمعالجة أولى فيها."
شكرت رحاب الزعيمة على موافقتها ونحنت لها مجدداً.
قالت الزعيمة: "رحاب، لا تنسي أنكِ ما زلتِ إمبراطورة، ولكِ لقب لم ينتزع منكِ بعد."
قالت رحاب: "أفهم ذلك يا سيدتي."
سمحت لها الزعيمة بالانصراف. خرجت رحاب وهي مرتاحة تماماً، وكأن تلك الغيوم السوداء قد انقشعت عنها. كانت تمشي في ممرات القصر حتى لمحت ظلاً صغيراً من إحدى غرف القصر. ابتسمت لأنها تعلم أنه ظل صغيرتها يويي. خرجت من القصر واختفت بقوتها وعادت إلى بيتها مجدداً
— ✧ —