الفصل 20
الفصل 20
كان صباحًا مشمسًا يشعرك بالبرد، حيث ارتدى المارّة معاطفهم الثقيلة وملابسهم الشتوية، متحاشين لسعات الهواء الجليدي. رغم أن الشمس أشرقت، إلا أن دفأها كان خادعًا، فزمهرير الشتاء لا يزال مسيطرًا.
كنت جالسًا أمام أحد المتاجر الفاخرة المخصصة لبيع الحلوى، حيث صُفّت طاولات في الخارج.
هذا الشارع مخصص للنبلاء وأصحاب الثروات، كل زاوية فيه تنضح بالفخامة و اللون الذهبي.
لكن وسط هذا المشهد المرتّب، كان هناك عنصر شاذ تمامًا— شخص دون اي إحساس، يجلس بكل أريحية مرتديًا ملابس صيفية خفيفة، بأكمام قصيرة، غير مكترث بالبرد القارس الذي أجبر الجميع على التدفؤ.
حدّقت به ناقدًا بينما آخذ قضمة من قطعة من الكعك، ثم رفعت حاجبي باستنكار.
“ألا تشعر بالبرد؟”
كوهن، لم يكن يبدو عليه أي قلق حيال ذلك. أسند ذقنه على راحة يده، مائلًا بجسده فوق الطاولة، وابتسم بابتهاج مبالغ فيه، وكأنه لا يشعر بشيء على الإطلاق.
"إطلاقًا !"
زفرت حالما رد علي برد فوري كهذا …
حدق بالكعكة بتعبير ضجر .
"واو … شهيتك مفتوحة للحلويات"
بينما كنت امضغ الكعكه رفعت عيني :
"انها جيده، اتريد البعض ؟"
"لا … في الواقع ، كنت اتسأل كيف استطعت ان تلتهم خمس أطباق من الكعك بهذه السرعة؟"
نظرت حولي قليلًا ، ثم عادت نظراتي إلى الكعك :
" كنتُ جائعًا لذا من البديهي أكل الكثير"
ضحك كوهن و أشار إلى الكعكة :
"إذًا لماذا تزعج نفسك بأكل الاطعمه ؟ اليس من الافضل تأكل الحلوى كل ما جعت ؟"
انهيت من اكل الكعك و ابعدت الطبق السادس من امامي ، رفعت رأسي متنهدًا :
"الحلوى لوحدها غير كافية"
اسندت ظهري إلى الكرسي و اطلقت تنهيدة ثقيلة ، لم اكن لأتي إلى مكان واضح كهذا إلا لسبب واضح .
وهي أوامر رايلان الغير مباشرة …
-تستطيع الان أن تتجول بالعالم و انت تخيف الناس-
محض هراء يتفوه به ولكنها بالحقيقه أوامر ، لولا خبرة ليوجين بالأمر لم اكن لأعرف إذا كان هراءًا أو أمرًا. انه يطلب مني نشر أسمي كتلميذٍ له …
بينما كنتُ غارقًا بأفكاري ، قاطعني كوهن بصوته العالِ:
"هاي! ، قلت ان لديك سيفًا اليس كذلك ؟ ما اسم السيف ؟"
رمقته بنظرة ناقدة :
"ما هذا الهراء ؟ لِمَ قد أُسمي سيفًا؟"
اتسعت عينا كوهن بدهشة ، و كأنني قلت شيئًا لم يكن يجب علي قوله :
"مهلًا ان هذا خاطئ جدًا ! يجب ان يكون لديه اسمًا ! فالسيف مثل الرفيق"
أملت برأسي ضجرًا :
"إذًا سيفك لديه اسم اليس كذاك ؟"
أومأ كوهن بحماسه :
"بالطبع ! رغم انه سيف مؤقت اشتريته إلا انني وهبته إسمًا يليق به !"
تجمدتُ في مكاني و حلّ الصمت لعدة ثوانٍ ، قائلًا بعدها كاسرًا للصمت :
"مهلًا … أتقول ان لديك سيفًا أساسيًا؟ أين هو ؟"
اظهر كوهن تعبير غبي و نظر إلى الشارع قائلا بنبرة مترددة :
"ن..نسيت السيف في منزلي !"
تجمدت في مكاني غير قادرًا على معرفة ما اقول ، هززت رأسي متنهدًا :
"انت … دائمًا ما تبهرني -"
هز يده ضاحكًا قائلًا بنبرة مستفزة:
"على أي حال ! يجب ان تسميه"
هززت برأسي رافضًا و قلت مستهزئًا:
"لن اخذ بكلام احدٍ قد ينسى سيفه بإهمال هكذا"
ضاقت عينا كوهن و قال بنبرة منزعجة :
"انت تجيد الاستفزاز-"
قبل أن يتمكن من قول المزيد، شعرتُ بشد خفيف على طرف معطفي. خفّفتُ من حدة نظراتي وحدّقتُ إلى الأسفل، لأجد فتاة صغيرة ذات شعر أسود كثيف وعينين سوداوتين تحدّق إليّ بفضول. بدا عليها التردد للحظات، كما لو أنها كانت تجمع شجاعتها قبل الحديث.
“يا أخ… لديك شعرٌ ملوّن!” قالت بصوت طفولي، عيناها تتوهجان بإعجاب مكتوم.
رفعتُ حاجبيّ، متفاجئًا بجرأتها. لكن قبل أن أتمكن من الرد، انحنى كوهن قليلًا ليكون في مستواها، مبتسمًا بمرح:
“أوه؟ أنتِ محقّة! لديه شعر ملوّن بالفعل!”
ثم التفت إليّ، وعيناه تلمعان بخبث . هذا الرجل يستمتع باستفزازي، كما لو أن هذه لحظة لا تُعوَّض للعبث معي…
رمشت الفتاة ببطء، ثم أشارت إلى خصلات شعري الخفية، قائلة بحماس:
“أحمر!”
توقفتُ للحظة، أتأمل كلماتها غير المتوقعة. تمتلك عينًا حادّة، كونها استطاعت تمييز اللون رغم محاولتي لإخفاءه.
تنهدتُ بصمت، متفحصًا ملامحها قليلًا. الشعر الأسود … انه يجلب لي ذكريات غير سارة .
هذهِ الطفلة ، مالذي قد تفعله هنا لوحدها ؟ أحنيت جسدي قليلًا محاولًا التكلم معها ، ولكن كوهن اخذ زمام المبادرة بابتسامة لطيفة،سائلًا بصوت هادئ:
“إذًا، يا صغيرة، مع من أتيتِ؟”
أجابت بحماس:
“مع أخي الكبير وصديقه!”
لكنها ما لبثت أن استدارت للخلف، تبحث بعينيها بين الحشود… لم يكن هناك أحد. تجمّدت للحظة، قبل أن تتسع عيناها القلقتان، ثم رفعت رأسها نحو كوهن وقالت بصوت عالٍ:
“لقد أضعتُ أخي!”
كوهن، الذي بالكاد كان يحافظ على رباطة جأشه، انفجر ضاحكًا فجأة، واضطر إلى تغطية فمه بكفّه في محاولة يائسة لكتم ضحكاته. لكن الأمر كان ميؤوسًا منه تمامًا.
“إذًا… أ-أخيكِ ضائع حاليًا؟ كياهاهاهاه…
أ-هخغ—!”
بدأ الناس حولنا ينظرون اليه بإرتباك شديد. و يهمسون فيما بينهم .
يا لها من ضحكة قبيحة… لو بذل جهدًا أكبر في كتمها، لربما شعرّتُ بقدر أقل من الإحراج.
الفتاة الصغيرة، التي كانت تنظر حولها بقلق قبل لحظات، بدت الآن أكثر هدوءًا. بل إنها ابتسمت وهي تنظر إلينا بثقة، قائلة بمرح:
“لا بأس! سأجده لاحقًا!”
كوهن، الذي كان لا يزال يحاول استجماع نفسه، ربت على رأسها ببطء، بينما تلمع دموع الضحك في عينيه.
“لا يمكنني ترك فتاة لطيفة مثلك وحدها هنا. هيا، صفي لي شكل أخيكِ، ربما يكون قريبًا.”
رفعت يديها للأعلى بحماس، وهتفت بثقة:
“أخي طويييل! وهو قوي جدًا! و أيضًا سيجعلك تبكي كثيرًا إذا أغضبته!”
كوهن، الذي لم يتعافَ تمامًا بعد، بدأ يرتجف من جديد من شدّة الضحك، وتمتم بنبرة متقطعة:
“يـا… يا إلهي… هذا م-مخيف جدًا… كييغ—”
الفتاة أمالت رأسها قليلًا، ناظرة إليه بملامح غاضبة لكن بريئة في الوقت نفسه.
“يا أخ، لماذا تضحك؟ هل كلامي مضحك؟”
أخذ كوهن نفسًا عميقًا أخيرًا، وتمالك نفسه بصعوبة قبل أن يبتسم بلطف ويقول بجدية مصطنعة:
“لا لا، فقط… أعتقد أنكِ محقة”
أجابت بفخر، واضعة يديها على خصرها:
“بالطبع! أنا دائمًا محقة!”
كوهن التفت إليّ، لا يزال يحاول كتم ضحكته، وهمس بنبرة مرحة:
“إنها مضحكة جدًا!”
زفرتُ بهدوء، وأخيرًا توجهت بالحديث إلى الصغيرة:
“هل يمكنكِ وصف لون شعره؟ أو نوع الملابس التي يرتديها؟”
فتحت فمها قليلًا، وكأنها فوجئت بسؤالي، ثم رمقتني بنظرات متحمسة ومتلألئة، قبل أن تقول بحماس:
“وااه! تستطيع التحدث!”
كبحتُ سعالًا خفيفًا، بينما هي استدارت وأخذت تتمتم لنفسها، كما لو كانت تحاول معرفة كيف توصفه. بعد لحظات، التفتت إليّ مجددًا، وهتفت بسعادة:
“أخي لديه شعر أسود مثلي! و أيضًا ان ملابسه رائعة حقًا ! سيكون من السهل العثور عليه!”
فجأة، شعرتُ بتلك النظرات مجددًا—نفس الشعور الذي راودني في السوق. كانت حادة، مترقبة، وكأن صاحبها يختبر رد فعلي.
تجولت عيناي بسرعة عبر الشارع، باحثًا عن مصدرها، لكن و لسوء الحظ لم استطع تحديد مكان تلك النظرات الغير مريحة .
أخذتُ نفسًا ببطئ محاولًا الهدوء .
لربما أتوهم .
نهض كوهن ،شبّك ذراعيه ونظر حوله متفحصًا، قبل أن يميل نحوي هامسًا بابتسامة:
“يا ترى، هل يبدو بنفس لطفها أم أنه فعلاً سيجعلني أبكي؟“
همست له منزعجًا :" قبل ان يجعلك تبكي فأنا من سيتولى الأمر أولًا"
كوهن ضاقت عيناه مع ابتسامة عريضة:
"أتحداك-"
ابتسمتُ بسخرية، لكنني لم أرد عليه.
بدلًا من ذلك، عادت نظراتي إلى الطفله، التي كانت لا تزال تراقبنا بعينين متحمستين.
كان كوهن على وشك قول شيء آخر ، ولكن سمعتُ صوت خطوات سريعة تتجه نحونا .
رفعت عيناي لأرى شخصًا بشعر اسود، لم استطع رؤية ملامحه لأنه ذهب فورًا إلى الصغيرة يطمئن عليها .
راكعًا أمامها بقلقٍ واضح ، بدأ يتفحص الصغيرة و بصوت مذعور قال :
"يا إلهي ماريلا ، كم مرة أخبرتك إلا تركضي بالأرجاء هكذا"
لكن بدلًا من أن تبدو خائفة أو حتى محرجة، أشرقت ملامح ماريلا بفرح، ورفعت يدها الصغيرة لتمررها على شعره، وكأنها تحاول طمأنته بدلًا من العكس :
"لا بأس ! لم تعد ضائعًا!"
زفر الرجل مطولًا بعدما تأكد أنها لم تصب بأذى، ثم التفت إلينا قائلًا باعتذار:
"اعتذر ما إذا الطفله أزعجتكم-"
لكن صوته انقطع فجأة، حينما التقت أعيننا. نظرتُ إليه… فرأيتُ وجهًا لم يكن بغريبٍ عني.
بعد عدة ثوانِ استوعب الأمر و ابتسم بلطف شديد :
"اوه ! التقينا مجددًا !"
كوهن ضحك فورًا و وقف أمامه بفرح :
"اوه ! قائد الفرسان ! لم أتوقع ان نلتقى ببعض هنا!"
تجمدت في مكاني. إذا كان أرثر هنا، فهذا يوضح لي أن تلك الصغيرة هي… أختي؟
تشوشت أفكاري للحظات، لكنني خفضت رأسي بهدوء، أستوعب الأمر ببطء. ماريلا… هذا هو اسمها.
حدقت بها طويلًا، بحثت في داخلي عن أي شعور، أي أثر للمودة أو الدفء… لكن لم يكن هناك شيء. كان من المفترض أن أشعر بشيء، أليس كذلك؟
إنها أختي . هذه الحقيقه وحدها كان ينبغي أن تحدث بداخلي اضطرابًا من نوع ما ،
انه اللقاء الاول معها من المفترض ان تتحرك مشاعري - ومع ذلك.
لم يكن في داخلي سوى فراغ صامت. هل هو بسبب إنني ألتقي بها لأول مرة ؟ ، لا استطيع ايجاد اي مبرر لهذا . اشعر بالخجل من نفسي …لا بل اشعر بالخزى.
بينما كنتُ غارقًا في أفكاري، كان كوهن و ارثر يتكلمون معًا بالفعل، من الجيد انهم لم يضموني بالمحادثة.
فجأة، ومن دون سابق إنذار، شعرت بقبعة عباءتي تُسحب عن رأسي. التفت سريعًا إلى اليسار لأرى من فعل ذلك، فوقع نظري على شخص يرتدي عباءة بيضاء، يغطي بها رأسه، لكن خصلات شعره الشقراء تسللت من تحتها.
كانت ملامحه مفعمة بالحيوية، وارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة وهو يقول بمرح:
“أنت رين، عضو من برج ليونيل ، اليس كذلك ؟”
تجمدت للحظة قبل أن أزفر بهدوء وأرد بنبرة محايدة:
“إذًا، أنت الشخص الذي كان يراقبني طوال الأسبوع…”
أومأ برأسه مؤكدًا، ثم أبعد قبعة عباءته ليكشف عن ملامحه بالكامل—عينان ورديتان ناعستان وشعر ذهبي فاتح، ملامح لا يمكن أن تخطئها.
“صحيح! أتمنى ألا يكون ذلك قد أزعجك، لكنني كنت فضوليًا بشأنك. أنت هادئ للغاية مقارنة ببقية أعضاء البرج!”
هذه الصفات لا يحملها سوى أفراد العائلة المالكة. كان من الواضح تمامًا من يكون. ورغم ذلك، لم أتحرك من مكاني ولم تتغير تعابير وجهي، فقط اكتفيت بإيماءة صغيرة وأنا أقول بهدوء:
“ أحيي ولي العهد ، الشمس الصغرى لإمبراطورية غيوريل.”
للحظة، بدا كاليكس وكأنه تفاجأ، لكنه سرعان ما استعاد رباطة جأشه وقال بعينين ضيقتين ونبرة غير مكترثة:
“أوه! هذا جيد، لستُ مضطرًا إلى بذل مجهود لتعريف نفسي.”
ولي العهد بالتأكيد سمع عني من فرسانه ، لذا لا بد أن وراء مجيئه سببًا آخر.
رفعت نظري إليه مباشرة، ونطقت بصوت جاد:
“ما الذي تريده مني؟”
أمال رأسه قليلًا ورد بنبرة هادئة:
“لا تكن متحفزًا هكذا، كنت أتجول مع آرثر أثناء إجازته. صحيح أنني كنت أراقبك، لكن لم أتوقع أن نتحدث بهذه الطريقة”
تنهدت بصمت، ثم حولت نظري إلى آرثر، الذي كان يتحدث بحماس مع كوهن، قبل أن أعيد تركيزي إلى كاليكس.
“بصراحة، من الصعب تصديق أن هذا مجرد صدفة. لذا، دعنا ندخل في صلب الموضوع—ما الذي تريده مني ؟”
تلاشت ابتسامته الطفيفة للحظة، قبل أن يميل إلى الأمام قليلًا، واضعًا يديه خلف ظهره، قائلًا بصوت أكثر جدية مما سبق:
"ما مركزك بالبرج ؟، البرج لديه نظام طبقات كذلك ، لذا أنا فضولي، ما مركزك بالضبط؟"
تجمدت للحظه و فتحت شفتي كي ارد عليه ، ولكن فكرت للحظه ، قد تكون هذه فرصة لنشر اسمي كما يريد رايلان -
نظرت اليه لبضع ثواني ، هل أقلد طريقة رايلان عندما يقدم نفسه ؟
يبدو ممتعًا ، لذا لمَ لا أجربه.
اخذت نفسًا قبل ان اتكلم ، بسبب صوت كاليكس المرتفع كوهن و ارثر كانو ينظرون نحوي .
"احد أعضاء البرج السحري ليونيل، رين
و إذا كنتَ فضوليًا بشأن موقعي بالبرج سأقولها بكل سرور ، اكون تلميذ سيد البرج رايلان ليونيل تحت إشرافه مباشرةً "
اشعر بقليل من الاحراج.
ولكن فهمت الان لماذا رايلان دائمًا ما يستمتع بهذا الأسلوب من التعريف…
نظر كاليكس إليّ بتمعن، وكأنني أصبحت فجأة موضع اهتمام حقيقي له. لم تكن ملامحه تحمل الدهشة فحسب، بل شيئًا أشبه بالحذر. ثم، وببطء، ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة وهو يتمتم:
“يا لها من مفاجأة… تلميذ ذلك الطاغية ، كنتُ اظنها إشاعة ولكن من كان يتوقع ان تكون حقيقة"
كوهن، الذي بدا عليه الاستمتاع بالوضع أكثر من اللازم،ولكن كان لا يزال مندهشًا كذلك :
"اوه اوه اوه ! هذهِ خيانه لماذا لم تخبرني أولًا !"
و ارثر بدا عليه الشرود ، و لم يكن متوقعًا هذا النوع من الاحداث ، بدت على عيونه قليل من خيبة الامل .
تمتم لنفسه :
"شخص برتبته… لماذا يتجول بالأرجاء هكذا؟"
ماريلا التي اخيرًا نظرت الي ، رأت مظهري بالكامل و بدا على ملامحها الإعجاب ، ثم شدّت طرف كم آرثر بحماس لا تستطيع إخفاءه، وهي تقول بصوت مفعم بالدهشة والانبهار:
"أخي الكبير ، هذا الشخص انه حقًا جميل جدا ! لون شعره مبهر !!"
بدت وكأنها اكتشفت سرًا عظيمًا، وعيناها لم تفارقني ولو للحظة. حاول آرثر تهدئتها، واضعًا يده بلطف على كتفها في محاولة لإعادة توازنها، لكنه لم ينجح تمامًا، فقد كانت الصغيرة مستغرقة تمامًا في تأمل مظهري، غير قادرة على إخفاء انبهارها الصادق.
لو أخبرتها أنني شقيقها، كيف ستكون ردة فعلها؟ هل ستنظر إليّ بنفس الإعجاب الذي تملؤه البراءة، أم أن مشاعرها ستنقلب إلى دهشة مشوبة بالنفور؟ هل ستكون قادرة على قبولي كجزء من عائلتها، أم أنها سترفضني كما لو كنت شخصًا قد يؤذيها في اي لحظة ؟
أدركت في تلك اللحظة أن الأفضل هو أن أبقى صامتًا. لا يجب أن يتعرف علي آرثر ، ولا أريد أن أضع ماريلا في موقف غريب ، من الأفضل أن أبقى مجرد شخص غريب بالنسبة لها، شخصًا أعجبها مظهره للحظة… ثم نسيته مع مرور الوقت.
بينما كنتُ غارقًا بأفكاري، التفت إليّ كاليكس مجددًا، وقد ازدادت ابتسامته عمقًا قال بصوت منخفض :
"في الواقع ما أريده منك-"
قطع كلامه بالمنتصف و اخرج من حقيبته المخفيه داخل عباءته ، اخرج أوراق قديمة عليها نقوش سحرية قديمه ، و محميه بسحر الحماية . مهما نظرت اليها فأن الأوراق تدور حوّلها الكثير من المانا .
كاليكس رمى الأوراق على الطاولة، قائلًا بنبرة حاده :
"أريدك ان تكمل لي هذا النقش القديم، سحرة البلاط لم يستطيعوا معرفة النقص فيه"
زفرت بثقل و أمسكت بالأوراق ، نظرت إلى النقش بتمعن ، رغم انني لم أتعلم الكثير خلال تلك السنتين في البرج ، لكن ، لحسن الحظ استطيع التفرقه بين النقوش السحريه . هذا النقش يُستخدم كتعويذة علاج عالية المستوى.
بعد التمعن بالنقش اكتشفت انه يوجد عدة اخطاء و بإضافه لذلك ، انه غير مكتمل .
أشرت إلى الرسومات بالجوانب.
"إنه غير مكتمل ، هناك نقص بالنقش في هذا الجانب اخبرهم ان يرسموه بحذر، و كذلك اخبر السحره أيضًا أن يركزوا على هذا القسم، فهو يستهلك المانا أكثر مما ينبغي"
كاليكس لمعت عيناه بفرحٍ ، و اخذ الأوراق بسرعة .
"أرى … ولكن إلا تستطيع إكمال النقص فيه بنفسك ؟"
أسندت ظهري إلى الكرسي ، أفكر قليلًا قبل ان ارد عليه .
"انت تعرف القوانين.. ممنوع استخدام تقنيات البرج للخارج، او نشرها بأي شكل ، كل ما فعلته هو تحديد النقص."
راقبني كاليكس بصمت للحظات، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وكأنه وجد الأمر مسليًا.
"اه نعم نسيت للحظه ، العقد الذي كتبه رايلان ~ لا بأس ، سحرة البلاط ليسو اغبياء كذلك"
بعد لحظة صمت، نظر كاليكس إلى الأوراق ثم أعادها إلى حقيبته وهو يقول بمرح:
"حسنًا، على الأقل حصلت على إجابة. أشكرك."
أومأت برأسي دون تعليق، بعد بضعة ثوان من الصمت كاليكس استدار : "لنذهب ارثر ، من الجيد أننا وجدنا اختك"
بينما كان كاليكس يستدير للمغادرة مع أرثر، ألقت ماريلا نظرة أخيرة نحوي، وبدت مترددة للحظة قبل أن تلوّح لي بيدها الصغيرة قائلة بحماس:
“أراك لاحقًا أيها الأخ ذو الشعر الجميل!”
ارتعشت أصابعي قليلًا عند سماعها تناديني بذلك، لكنني اكتفيت بإيماءة بسيطة. لم تكن تعلم كم كانت كلماتها غريبة بالنسبة لي، وكم كانت تحمل من ثقل غير مرئي لا يمكنها إدراكه.
ارثر رمقني بنظرات و كأنه يريد قول شيء لي ولكن استدار دون قول شيء.
أبقيتُ عينيّ على ظهر ماريلا وهي تمسك يد آرثر بسعادة.
زفرت ببطء ، و اخيرًا عم الهدوء.
"تلك الطفلة حقًا لطيفة جدًا مثل قائد الفرسان بالضبط!" قال كوهن، وهو يتمطّى بكسل، قبل أن يرمقني بنظرة جانبية مبتسمة:
"انت سيئ بالتعامل مع الأطفال"
رمقته بنظرات حادة: "لا اعرف ، لستُ اجيد التعامل معهم ، ولكن انت … لم أتوقع منك ذلك "
تنهد كوهن و نظر إلى ماريلا وهي تغادر، كانت ملامحه مشرقة، و قال بنبرة واضحة:
"أحب الأطفال حقًا ، لذا مزاجي يكون جيدًا عندما يكونون حاضرين أمامي"
ألقيت نظرة جانبية نحوه، ثم زفرت بصمت وأعدت وضع قبعتي، مخفيًا ملامحي مجددًا.
بمجرد أن اختفوا عن الأنظار.
نهضتُ من مكاني … فقد حان وقت مغادرة هذا المكان .
توجهت لدفع ثمن الكعكات، بينما كان كوهن ينتظرني عند الباب. وحين خرجت، وقفت بجانبه.
"انتهى شهر الاقامه في النزل ، لذا هل ستتبعني حقًا لأي مكان اذهبُ اليه ؟"
أومأ كوهن بمرحٍ ، و قال بنبرة حادة:
"بالتأكيد ، فأنا حقًا أجدك مسليًا ! فكما ترى انت دائمًا ما تفاجئني بمعلومات جديده عنك!"
تنهدت و بدأت أسير بالشارع ، و كوهن يتبعني .
"لم تنس شيئًا بالنزل صحيح ؟"
أومأ كوهن برأسه وهو ينظر إلى الشارع بفرح: "لم أنسَ شيئًا ، ولكن إلى أين تسير فجأة؟"
نظرت إلى الطريق الذي امامي بشرود ، قبل ان ارد بنبرة هادئه :
"أريد زيارة مكان ما قبل المغادره ."
كوهن نظر الي بهدوء ، و قال متنهدًا :
"افعل ما تريد ~"
أبقيت عيني على الطريق، بينما شعرت بنظرات كوهن تراقبني من جانبي، لكنه لم يقل شيئًا.
مررنا بعدة محلات و خرجنا من الشارع ، بعد عدة دقائق من السير ، توقفنا امام متجر والدي .
زفرت بهدوء و قلت بصوت هادئ :
"كوهن هل يمكنك انتظار بعيدًا؟"
رفع حاجبه، لكنه سرعان ما ابتسم قائلاً:
“حسنًا، لا بأس! لكن لا تتأخر كثيرًا."
ألقيت نظرة سريعة عليه قبل أن أستدير نحو المتجر. وقفت أمام الباب للحظات، مددت يدي بتردد نحو المقبض، لكنني توقفت فجأة. شعرت بثقل غريب يجثم على صدري.
اخذت نفسًا و أدرت المقبض . كان والدي واقفًا بالداخل يرتب بضائع متجره. حينما دخلت المتجر و اغلقت الباب خلفي.
تجمد والدي في مكانه ، و استدار ظنًا منه انني زبون ولكن عندما عرف انني من اتيت ، ترك كل ما بيده متجهًا نحوي.
قال بصوت يملؤه التردد:
"ما الأمر ، لماذا أتيت إلى هنا ؟"
توقفت قبل ان ارد عليه ، كان بأمكاني الرحيل دون زيارته ، لكن… ربما لدي جشع صغير ، جشع سنين تراكمت بداخلي .
تجنبت النظر إلى عيونه مخفضًا رأسي ، قائلًا بصوت منخفض : "سأغادر هذه المملكه اليوم، أردت توديعك قبل المغادره"
توقف والدي للحظه محاولًا معرفة ما يقوله تاليًا ، من الواضح انه مشوش.
لا اعرف فيما كنت افكر و أنا أتيت بكامل إرادتي إلى هنا .
والدي رفع يده ليلمس وجهي… وضع أصابعه على خدي بكل حنيه ، رفعت رأسي قليلًا ، لأرى أن ملامحه تعلوها الحزن مع القليل من الفرح .
بدأ يفرك خدي بخفه ، و قال بصوت مرتجف:
"لا ترفع أمالي كثيرًا…"
أبعدت وجهي قليلًا عن لمسته، ليس رفضًا، بل لأنني لم أعرف كيف أتعامل مع هذا الدفء الذي لم أعتد عليه.
ابتلعتُ ريقي بصمت، وشعرتُ بوخزة خفيفة في صدري عند سماع كلماته. لم أعرف ماذا يجب أن أقول.
"أنا … أردت فقط-"
نظر إلي والدي بصمت ، و فجأة ، سحبني اليه لأراه يحضنني . كان الأمر غير متوقعًا أبدًا ، بسبب حضنه المفاجئ تجمدت في مكاني . لكن رغم غرابة الأمر لم أرفض ذلك .
بدأ يربت على رأسي ، قائلًا بصوت منخفض :
"أردت دائمًا فعل ذلك … لعلني كنت مجنونًا ، لماذا لم اعتنِ بك بالماضي ؟ لماذا لم احاول إيقاف والدتك ؟ أنا حقًا لم أكن بكامل قواي العقلية "
لم اقل شيئًا … لم اكره هذا الحضن ،
بدأت اسمع نبضات قلبي.
أسندت رأسي على كتفه ،لستُ أنوي مسامحته .
لربما ما اردته هو هذا ، هذا النوع من التفاعل ما كنت أتوق إليه بشده.
ما كنت أتوق اليه حقًا كطفل و كشخصٍ لم يتفاعل معه احد هكذا.
قلت بصوت خافت ولكن مرتجف كذلك :
"هذا … دافئ"
بدأ يربت على رأسي ، و يمرر أصابعه على شعري بكل سلاسه ، و كأنه يريحني.
حضنه محكم جدًا، لا يريد ان ينتهي الحضن بسهوله.
نظرت بشرود إلى الأرض ، مسندًا جبهتي على كتف والدي .
والدي احكم الحضن اكثر و قال بصوت منخفض : "كنتُ دائمًا ما اشعر بالذنب لعدم حضني إياك هكذا لإراحتك قبلًا. لربما شعوري بالذنب هو عقابي ، لذلك … ارجوك لا تسامحني"
كنت فقط ساكنًا بمكاني بهدوء .
فتحت شفتي بهدوء محاولًا التنفس بشكل اريح .
قلت له بصوت منخفض:
"تلك الطفله ، أعني، اختي الصغرى … ارجوكم لا تعاملوها كما عاملتموني إذا لم تكن تمتلك مانا."
ساد صمت خفيف بيننا، ولكن احسست بيده وهي تطبطب على ظهري بهدوء. لم ارفع رأسي . لم ارد رؤية وجهه بعد.
قال بصوت هادئ :
"لا تقلق ، ان والدتك تحب تلك الطفلة كثيرًا، و لكن إذا ما حدث شيء فأنا أعدك انني لن أبقى ساكتًا."
ارتاح قلبي بمجرد ما ان سمعت ذلك ، لا يجب على طفلة مشرقة مثلها ان تعاني .
ما أن هدأ قلبي قليلًا ، ببطئ حاولت الابتعاد عنه ، ولكن ، والدي سحبني مجددًا .
"ليس بعد … قليلًا بعد."
"الست تصبح متطلبًا قليلًا؟"
ضحك قليلًا و رفع رأسي لأنظر اليه .
"قد لا أراك مرة ثانيه ."
تنهدت ، و نظرت حولي ، حتى ذهبت نظراتي إلى القلادة التي كان يرتديها والدي .
"تلك القلاده… لماذا هي معك ؟"
تجمد والدي و ابتعد عني ببطئ لينتهي هذا العناق البائس.
نظر إلى القلاده ثم لمسها :
"تخليتَ عنها في يوم هروبك ، لكن أنا …لم استطع ، إذا كنت تريدها فتستطيع استعادتها"
هزيت رأسي رافضًا ، و استقمت بشكل صحيح . قلت متنهدًا :
"لا أريدها ، وأيضًا هل أخبرت ارثر عني ؟"
فتح والدي عينيه قليلًا بحزن ، أومأ برأسه قائلًا بصوت هادئ:
"أخبرته انك هنا فقط ، لم اخبره عن مظهرك هذا"
زفرت بإرتياح شديد ، و من ثم حدقنا ببعضنا البعض لعدة ثوانِ . والدي يبدو محرجًا... غير قادر على التواصل البصري معي.
…
استدرت إلى الباب ، و قبل ان أغادر المكان نظرت اليه قائلًا بنبرة هادئة:
"إلى اللقاء ، أتمنى تكونوا بخير"
أومأ والدي برأسه :
"انت حقًا … لا تزال لطيفًا"
لم ارد عليه ، غادرت المكان و اغلقت الباب خلفي ، عندما نظرت حوليّ لم اجد كوهن .
بعد السير عدة خطوات رأيته ينظر الى نفسه امام زجاج احد المحلات ، سرت نحوه ، كان يكلم نفسه بنبرة فخورة :
"نعم نعم ! ، مظهري جيد بالفعل!، بالتأكيد الأطفال سيتعجبون من مظهري الرائع"
بعد بضعة ثوانِ كوهن لاحظ انعكاسي على الزجاج ، و نظر لي بملامح مشرقه .
"هل انتهيت ؟ ، ما رأيك هل تظن ان الأطفال سيندهشون من مظهري؟"
تنهدت بثقل و قررت إلا اوليه اهتمامًا، سرت نحو بوابة الخروج ببطئ دون قول شيء.
كوهن وقف ساكنًا لعدة ثوانِ ، و من ثم اتبعني بتعجل :
"لماذا انزعجت هكذا ؟ هاهاها"
———————————————————