الفصل 21
الفصل 21
في ليلةٍ هادئة، انهمر المطر كالإبر، يخترق الجلد ويزيد البرد قسوةً في العظام. أنفاسنا تتصاعد في الهواء البارد، وكل شهيق نشعر به كطعنة في الصدر. نركض وسط غابة كثيفة، مظلمة، تعجّ بالأشجار المتشابكة والوحوش المتربصة.
ليلة هادئه؟ - كان من المفترض ذلك.
وراءنا، تطاردنا ذئاب سحرية بيضاء، متوسطة الحجم، تلمع أعينها كالصواعق، وتتحرك بخفة بين الأشجار مستعينةً بقدرتها على التحكم بالبرق… كل ذلك بسبب أحمق عبقري قرر أن يدخل ارضهم دون سابق انذار.
كوهن، وهو يركض ممسكًا بسيفه الملطخ بالطين، أطلق ضحكته القبيحة المعتادة، وقال ساخرًا بصوت مرتفع:
“كيهيهاها! لو لم تكن لديهم تلك القدرة السخيفة، لكنت قطّعتهم إربًا!”
ضحكته القبيحه تلك لا تفارق أذناي .
صرخ كوهن وهو يقفز فوق جذع متساقط على الأرض :
"هذا رائع! تستطيع مسايرتي بالركض!"
الأرض تحت أقدامنا كانت مليئة بالحفر، والتعرجات، وصخور كبيرة تبرز من الطين. ركضت بكل ما أوتيت من قوة، أحاول ألا أتعثر أو أبطئ من سرعتي.
ثم، بعد لحظات، شعرت بتدفق مانا في الهواء… قوي، دافئ، ومألوف. حدّقت أمامي، وبفضل بصري الحاد، رأيت ومضات من الضوء بين الأشجار
صرخت نحو كوهن ، بصوت مرتفع ليسمعني بوضوح :
"كوهن ! هناك قرية قريبة من هنا !"
نظر كوهن نحوي و وجه سيفه نحوي ، رمى سيفه بسرعة كبيره ، لم اكن قادرًا على رؤية السيف وهو يمر بجانبي .
عندما نظرت إلى يساري كان يوجد ذئب كان على وشك مهاجمتي .
يا لسرعته المخيفه و قوته الطاغيه .
رغم ركضنا بسرعة ، استخدمت التحريك الذهني لأعادة السيف إلى كوهن .
هتف كوهن بحماسه :
"واهههـ"
تعثر كوهن بسبب تشتيت انتباهه لكن سرعان ما استطاع استعادة توازنه .
بعد بضعة دقائق من الركض استطعنا دخول حدود القرية ، كانت القرية محمية بسحر حماية ، لذلك لم تكن الوحوش قادره على اختراقه .
جلستُ أنا و كوهن منهمكين، نحاول التقاط انفاسنا . نظر كوهن إلى الذئاب التي لا تزال تحاول اختراق الحاجز . قال بصوت متعب :
"هوفف ، كيهيههـ ، وحوش حمقاء "
زفرت بتعب ، و قلت بنبرة ساخرة :
"انا اتساءل من الاحمق هنا"
زفر كوهن و نهض من مكانه ، نظر إلى ملابسه المبلله بسبب المطر :
"بهذا الحال سنمرض ، هل تستطيع استخدام تعويذه تجعل ملابسنا ناشفه؟"
أومأت برأسي.
نهضت من مكاني و أنا مغطي أنفي. اشعر بالغثيان ، رائحه التراب قوية بسبب رطوبة الجو.
"اقترب مني"
رفع يديه باستسلام واقترب.
اخذت نفسًا، ثم تمتمت بأسم التعويذة.توهجت الدائرة السحرية أسفل أقدامنا، وبدأت الحرارة تنتشر ببطء، مجففة الملابس والبلل من أجسادنا .
كوهن تنفس بارتياح، وقال:
"آه، هذا أفضل… اشعر بالارتياح اخيرًا ، كنت اشعر و كأنني دجاجة مبلله"
"يجب ان تكون شاكرًا"
جلست على الأرض مجددًا،اشعر بالتعب الشديد، بدأ القرويين يتجمهرون عند مدخل القرية. وجوههم حذرة، وبعضهم يحمل فوانيس مضيئة. حاملين مظلات تحميهم من المطر.
اقترب رجل عجوز منا ، و مد يده لي. نظر إلى الذئاب بنظرة حادة و عاد نظره الينا سائلًا بصوت منخفض :
"يا إلهي… ايها الشبان ، لماذا تلك الوحوش تلاحقكم"
لم امد يدي له، رافضًا مساعدته لي ، نهضت بنفسي. نظرت حوليّ قليلًا ثم عادت نظراتي اليه :
"اعتذاراتي ، كان خطأ من جانبنا ، دخلنا أراضيها بالخطأ."
أومأ العجوز برأسه ، نظر العجوز إلى كوهن الذي تنحنح و اقترب، ليقف بجانبي.
تنهدت متعبًا من كل هذا :
" هل نستطيع المكوث هنا قليلًا ؟"
العجوز ابتسم بدفئ قائلًا برحابة صدر :
"بالتأكيد تفضلوا ، ستصابون بالمرض إذا مكثتم اطول تحت المطر"
بينما كان العجوز يرشدنا إلى داخل القرية، سمعنا عواء الذئاب يبتعد تدريجياً، وكأنها استسلمت أخيراً. الأضواء الدافئة من المنازل الخشبية بدت مريحة بعد ذلك الركض المتعب.
قال كوهن و هو يفرك ذراعيه :
"من الجيد وجود قرية هنا ! تلك الذئاب كانت مزعجة"
ليس لدي اي طاقة للرد عليه .
استمر العجوز بإرشادنا ، حتى توقفنا امام احد المنازل ، كان منزلًا كبيرًا و يبدو مريحًا .
فتح العجوز الباب الخشبي، فانبعثت رائحة الأرز الدافئة، ممتزجةً برائحة الحساء الساخن. توقّفت على العتبة للحظة، أتفحص الغرفة المُضاءة بمصابيح زيتية تتدلى من السقف. على الجدران، نقشات غريبة تشع بوهج خافت، تبدو كتعاويذ حماية .
دخل العجوز أولًا ، و جهز لنا مكانًا للجلوس امام موقد النار . ابتسم بدفء :
"تفضلوا ، لحسن حظكم ان ابنتي طبخت الكثير."
دخل كوهن بسرعة، وكأنه في بيته، وجلس مباشرة أمام النار. أما أنا، فخطوت بهدوء نحو الداخل، وأومأت للعجوز امتنانًا قبل أن أشارك كوهن الجلوس.
"سأجلب لكم شيئًا لتأكلوه ، لابد أنكم جائعين"
"مهلًا- أنا لستُ جائعًا ، لا تجلب لي شيئًا"
أومأ العجوز برأسه ، و ذهب إلى المطبخ ليجلب شيئًا ليأكله كوهن . بعد بضعة دقائق عاد العجوز و معه طبقين حساء بالخضروات .
ابتسم كوهن بفرحٍ و كأنه يرى الطعام لأول مرة . أخذ كوهن يلتهم الحساء بنهمٍ بينما كانت نظراتي تتجول حول النقوش المتوهجة على الجدران. كانت رموزًا قديمةً أعرف بعضها، لكنها مُدمجة بطريقةٍ غريبة.
جلس العجوز معنا كذلك ، و بدأ بالأكل كذلك . حاولت عدم الاكتراث لرائحة الاطعمه .
"ألن تأكل حقًا ؟ من المهم ان تُدفئ جسدك"
هززت برأسي رافضًا ، لو آكل هذا فمن المؤكد أنني سأستفرغ و امرض لمدة يومين .
"أنا بخير."
أومأ العجوز رأسه بتفهم ، كان ينظر بين حين إلى آخر لشعري .
بينما كان كوهن يواصل الأكل، كانت النار تتراقص أمامنا، تبعث حرارة لطيفة تُقاوم برد المطر الذي لم يتوقف بعد في الخارج. نظرت إلى قطرات المطر تنزلق على زجاج النافذة، كأنها تتسابق.
صوت المطر كان مريحًا لأذني ، اجد الراحة فيها و قد انام متجاهلًا الأرق .
كان صوت النار المتقدة يُحدث طقطقة خافتة، تملأ الصمت بيننا. كوهن، انتهى من طبقه. جلس براحة شديده ، قائلًا بصوت هادئ :
"يوهـه، لم ارتح هكذا منذ وقت طويل ."
رمقته بنظرات حادة ، قائلًا بنبرة واضحة:
"بسبب عبقريتك الرائعه طاردتنا الذئاب لساعة كاملة"
ابتسم كوهن بإشراق وهو يلوح بيده :
"على الاقل كنا نتحرك بشكل اسرع من قبل!"
ضحك العجوز، ضحكة قصيرة ، ثم نهض ، و ابتعد عنا قليلًا يذهب إلى غرفة اخرى وقال بلطف:
"سأُحضّر لكم فراشين، ارتاحوا الليلة… حديثنا يمكن أن ينتظر الصباح."
أشرقت ملامح كوهن ، كأنه كان ينتظر هذه اللحظه خصيصًا، قائلًا بحماسة:
"شكرًا لك يا عجوز ! سنعطيك مالًا لقاء هذا !"
بعد أن غاب العجوز في الغرفة الأخرى، بقي الصمت يلفّ المكان سوى من صوت المطر والنار. أرخيتُ رأسي على الحائط خلفي، أغمضت عيني قليلًا.
كوهن تمطّى بتكاسل، ثم قال بصوت خافت:
"هاي ، قد يبدو الأمر متأخرًا بعض الشيء ولكن … هل هناك هدف محدد من تجولك بهذا الشكل ؟"
فتحتُ عينًا واحدة وحدّقت به قليلًا:
"ليس حقًا ، أنا أتجول دون هدف"
تنهد كوهن و بدأ بهز برأسه :
"يا رجل هذا ليس صحيحًا ! ، اليس لديك هدف مثل الانتقام او ان تزيد قوة ، او حتى تحاول تعلم أشياء جديدة ؟"
زفرت بثقل ، ما يقوله كوهن صحيح ، أنا فقط اتجول دون هدف واضح .
"لا اعرف ، لا امتلك هدفًا واضحًا، و الانتقام فكرة سيئه"
زفر كوهن و رفع أكتافه غير مبالي بما قلته :
"على الاقل حاول ايجاد هدف ! انت الان تتجول دون هدف ، تبدو ضائعًا بكل صدق~"
تنحنحت قليلًا و نظرت إلى النافذة ، ليس لدي اي طاقة لأرد عليه .
صمت كوهن لعدة ثوانِ و عندما عرف انه لا يوجد ردة فعل ، أكمل كلامه : " البشر يجدون اهدافهم بسرعة لأن أعمارهم قصيره ، ولكن انت لست كذلك ."
أجبت بصوت خافت:
"ما هذا ، هل اصبحت تقرأ كتب فلسفيه ؟"
ابتسم كوهن نصف ابتسامة، وقال بنبرة ساخرة:
“همف، يجب ان تكون شاكرًا انني اعطيك كلامًا حكيما!"
لم أعلّق، فقط أغلقت عينيّ مجددًا، أستمع للمطر وهو يطرق السقف بهدوء.
بعد عدة ثوان من الصمت .
عاد العجوز جالبًا معه بطانيات و وسائد ، قال بصوت هادئ :
"اعتذر إذا لم تكن مريحة ولكن هذا كل ما لدي ."
نهض كوهن و اخذ البطانيات من عند العجوز . ابتسم وضع يده على كتف العجوز :
"لا تهتم ، افضل من لا شيء!"
أومأ العجوز ، و ذهب ليطفئ الأضواء .
"لن اطفئ الموقد ، خذو راحتكم ."
أومأ كوهن برأسه مبتهجًا .
غادر العجوز الغرفه ، و اغلق الباب خلفه ، كوهن وضع فراشه فورًا بقرب الموقد ، و انسدح فورًا .
"النوم هو الأفضل!"
تمددتُ على الفراش بهدوء، بعيدًا قليلًا عن النار. أرخيت جسدي، أشعر بكل عضلة فيه تتوسل للراحة. تنفست ببطء، أستمع لصوت المطر .
أشعر بحرارة البطانية تلفني، وموجة من النعاس بدأت تلتهمني ببطء.
سمعت أنفاس كوهن المنتظمة، يبدو أنه نام فور أن لامس رأسه الوسادة.
ياله من شخص غريب . أراه يشتكي كثيرًا لكن رغم هذا يتبعني .
التفت إلى الجانب الاخر .
اغلقت عيني بهدوء ، مستسلمًا للنعاس .
فتحت عيني في غرفة مظلمه بسقف ليس بغريب علي، فيها سريرين ،واحدة تنتمي لي و الأخرى تنتمي لأخي .
مستلقيًا على السرير ، ليس هناك احد بالغرفة . لستُ قادرًا على الحراك ، كل ما استطيع فعله هو تحريك عيناي.
فجأة اسمع صوت الباب وهو ينفتح بهدوء يتسرب منه شعاع خافت من الضوء.
امام الباب أرى والدتي وهي واقفه تنظر إلي . و بخطوات هادئة . تقترب مني و يديها ترتجف .
شعرت بألم شديد يغزو قلبي و أنا ارى هذا المشهد ، أتصبب عرقًا شديدًا . كل نبضة بقلبي كسكينٍ في صدري.
اشعر بسخونة مفاجئة في كل أنحاء جسدي.
اريد الهرب ، اشعر و كأن شيئًا ثقيلًا فوقي.
دون أن أشعر ، والدتي كانت فوق جسدي ، يديها النحيلتان امتدّت إلى عنقي.
قبضت على عنقي ، تخنقي بكل ما أوتيت بقوة.
شهقت، عيني تغرورقان بالدموع.
أردت الصراخ. أردت أن أقاوم.
لكن كل ما استطعت فعله هو التشبث باللحاف بأصابع مرتجفة، أئن بيأس.
وجهه والدتي مليئ بالخوف و الدموع تنهمر من عينيها ، قائلة بصوت يائس و مرتفع :
"لماذا - لماذا لا استطيع فعلها!"
كلماتها انفجرت داخلي كالطعنات.
ترددت، تضاعفت، اصبحت جدران الغرفة ترددها.
"لماذا لا أستطيع…"
"لماذا…"
"لماذا…"
فتحت عيني فجأة ، مذعورًا ، جلست فورًا، بشهقات لا تفارقني . وضعت يدي المرتجفة على عنقي ، أتحسس المكان الذي شعرت به بألم.
بجواري، كان كوهن يتقلب في نومه العميق.
غافلًا عن كل شيء.
همست لنفسي بصوت مرتجف :
"آه- كان كابوسًا مريعًا…."
رفعت رأسي ، محاولًا الهدوء.
تلك الليله … عندما خنقتني والدتي.
منذ ذلك الموقف بدأت تطاردني الكوابيس-
لا يزال الليل مخيمًا…
وأنا أعلم أنني لن اقدر على النوم .
جمعت ساقاي إلى صدري، وأسندت رأسي عليهما.
عيني تحترقان بحرارة دموعًا لن تخرج.
همست لنفسي كمن فقد الأمل :
"أنا … متعب"
جلست هناك، في الظلام، أحتضن نفسي بصمت.
محاولًا إبقاء أنفاسي منتظمة، ألا أسمح للألم أن يتسلل أكثر مما فعل.
ولكن الأمر ليس سهلًا ، أنفاسي ليست منتظمة البته.
حدقت بأطراف أصابعي المرتجفة .
لحسن حظي ان كوهن نائم
و إلا كان ازعجني بهرائه الذي لا ينتهي.
اخرجت حلوى بطعم الفراوله كانت بجيبي .
ابتلعتها لمحاولة مني على الهدوء.
رفعت رأسي قليلًا، أحدق في الموقد الخافت.
ببطء، هدأت أنفاسي،و توقفت رجفة جسدي.
—لكن، رغم كل شيء، لا تزال رغبة البكاء عالقة في قلبي.
كلما أغمضت عيني، اشعر و كأنني لا أزال ارى ذلك المشهد… يداها المرتجفتان، وجهها المنهار، تلك الكلمات.
و عيونها المليئه بالحقد تجاهي.
كم مرة علي رؤية نفس الكابوس؟
كان الوقت يمر ببطئ شديد .
تمددت قليلًا .
رأيت السماء من النافذة . بدأت تظهر لون رمادي بشكل تدريجي ، و بعد عدة دقائق اصبحت بلون ازرق فاتح .
توقف المطر ، و بدأ الديك بالصياح .
أشعه الشمس بدأت تتسلل إلى الغرفة تدريجيًا.
تبينت ذرات الغبار مع دخول أشعه الشمس .
دون ادراك مني ، بدأت أحدق بها وهي تتحرك بعشوائية.
حتى مرت ساعتين ببطئ شديد.
بينما كنت أحدق في أشعة الشمس المتسللة، سمعت وقع خطوات خفيفة تقترب من الغرفة.
توقفت عند الباب لحظة، ثم فُتح بهدوء.
ظهرت فتاة في منتصف العشرينات، تحمل صينيةً صغيرة عليها كوبان من الشاي الدافئ.
شعرها البني الداكن مربوط على شكل ضفيرة جانبية.
تجمدت عندما رأتني مستيقظًا .
توقفت عند العتبة، بدت مترددة قبل أن تقول بصوت خافت:
" صباح الخير ، لم اعرف انك مستيقظ"
جلستُ ببطء ، واضعًا يدي على جبهتي .
اشعر بثقل شديد في رأسي.
رفعت رأسي لأنظر اليها :
"و أنتِ تكونين؟"
مشت ببطء للداخل ، واضعة الصينيه على طاولة صغيره . قائلة بصوت منخفض لكي لا توقظ كوهن:
"أنا اليس ، ابنة صاحب هذا المنزل."
رتبت شعري قليلًا ، ثم أومأت لها :
"تشرفت بلقائك ، أنا رين"
ابتسمت ابتسامة مشرقة :
"نعم تشرفت بلقائك !"
نهض كوهن فجأة ، شعره الأشعث يتطاير في كل مكان . كان يحك عيناه ، نظر إلى اليس و من ثم إلى أكواب الشاي ،ثم عاد نظره إلى اليس و ابتسم :
"لا اعرف من أنتِ و لكن شكرًا لك!"
ضحكت اليس بمرح ، بدأت ترتب الفراشين و وضعتها في الزاوية.
جلس كوهن على الأرض القريبة من النار، يمدّ ذراعيه ويتثاءب بكسل:
“آه، هذا الصباح مريح أكثر مما توقعت.”
إليس ابتسمت وهي تنظر نحونا:
"أبي أخبرني أنكم عانيتم كثيرًا الليلة الماضية… يمكنكم البقاء حتى تستعيدوا طاقتكم بالكامل."
أومأت لها امتنانًا، لكن دون أن أعدها بالبقاء.
لم أكن متأكدًا من رغبتي في الاستمرار هنا.
نهضت لأغسل وجهي بماء بارد ، حالما عدت كان كوهن يتحدث مع اليس بهرائه . لم تكن لدي طاقة للأستماع له .
قررت الخروج و شم بعض الهواء النقي.
لاحظت اليس خروجي و أوقفتني بصوت مرتفع قليلًا:
"مهلًا - ماذا عن الشاي؟"
تجمدت في مكاني ، و لم استدر ، لستُ من محبي الشاي ، لذا فقط سأعتذر لها بأسلوب مهذب.
"اعتذر ، لا احب الشاي"
أومأت اليس رأسها بخيبة امل واضحه على وجهها .
"أنا ارى…"
خرجت من المنزل و اغلقت الباب خلفي .
بدأت أتمشى ببطئ و اتأمل منظر القريه بعد انتهاء المطر .
قطرات الماء تنساب من على حواف الأسقف الخشبية، وتتساقط في إيقاع هادئ على الأرض الرطبة.
برك صغيرة انعكست فيها سماء رمادية باهتة.
بدأ الناس يتجولون بهذا الصباح الباكر ، هناك اعراق مختلفه يتعايشون معًا دون اي قلق.
أنا حقًا قريب من حدود إيشهارت .
البشر و الأعراق الغير بشرية يعيشون معًا هنا . لذا لا احد يهتم بالمظاهر عكس جينيا .
ارتحت من ارتداء العباءة ، كنت اشعر و كأنني مجرم يحاول إخفاء نفسه .
تجمدت في مكاني للحظة .
هناك شيء غريب ، لماذا لا يوجد أطفال هنا ؟ الكل هنا بالغ ولكن هذا الوقت ليس باكرًا جدًا على الأطفال ، هناك شيء ليس بمحله.
واصلت سيري بين الأكواخ الخشبية، حاسًّا بتلك الغرابة تتسلل إلى وعيي كدخان خفي. أصوات المطارق تطرق الحديد، نساء يغسلن الثياب عند النهر قرب القرية، رجال يصلحون الأسقف... كل شيء يبدو طبيعيًا إلا ذلك الصمت الغريب. لا ضحكات طفولية، لا صراخ لعوب، حتى آثار أقدام صغيرة في الطين كانت غائبة.
خطوت داخل ساحة كبيره بمنتصف القرية ، حيث كانت توجد نافورة ضخمه تعطي جمالية للمكان .
حتى في هذا المكان ، لم ارى أي أثر لأي طفل . لم ارد سؤال احد ، سيبدو الامر غريبًا.
حتى التقت عيني بعجوزٍ كان جالسًا في احد الأماكن المخصصه للجلوس .
أشار لي لأن اقترب . و بإبتسامة رحب بي .
"متعجب من عدم وجود الأطفال ، صحيح ؟"
أومأت برأسي .
وضع يده على جانبه كي اجلس .
جلست بهدوء ، سائلًا بفضول :
"هل تعرف لماذا؟ ، لماذا لا يوجد أطفال هنا ؟"
زفر العجوز ، ينظر أمامه بهدوء شديد :
"في الواقع ، قبل سنتين ، كانت هناك حالات اختفاء الأطفال واسعة النطاق."
كنت ساكتًا ، لم أقاطعه .
"و كانت حالات الاختفاء دقيقة جدًا."
رفعت حاجبًا .
ماذا يقصد بحالات دقيقة ؟
لم أتمالك نفسي من السؤال :
"ماذا تقصد بدقيقة؟"
زفر العجوز بإحباط لاحظتُ يده ترتجف قليلًا:
"كان فقط الأطفال الذين أعمارهم عشر سنوات كذلك الذين لا يمتلكون المانا يختفون ."
تجمدت في مكاني .
اي من كان سبب الخطف، فهو شخص عديم الضمير.
ترددت قبل ان اتكلم ، زفرت بهدوء ثم قلت بصوت معتدل :
"هل اكتشفتم من وراء هذا ؟"
هز العجوز رأسه ببطء :
"لم يستطع احد من معرفة مكانهم ، حتى هناك أعراق مثل المتحولين و الأقزام ، لم يستطيعوا معرفة من وراء هذا."
تابع العجوز حديثه بصوتٍ أجشّ، بينما تطير حمامة بيضاء فوق النافورة وتستقر على حافة الحجر الرطب: "الأطفال الذين يمتلكون مانا لم يجرؤوا ان يخرجوا ، خائفين من ان يأتي دورهم"
نظرت إلى الاسفل محاولًا استوعاب هذهِ الاحداث .
لماذا فقط الأطفال الذين لا يمتلكون المانا ؟ ما الغرض من هذا ؟
نهض العجوز ببطء، متكئًا على عصاه الخشبية التي تصدر صوت خفيف مع كل خطوة. "الحياة هنا لم تعد كالسابق".
ثم نظر لي .
"أنا أخبرتك بهذا لأنني أظنك شخصًا قادرًا ~ لا اعلم كم ستبقى هنا ولكنك تبدو قادرًا على مساعدة هولاء الأطفال"
حدثت به لعدة ثوان ، و من ثم هززت برأسي قائلًا بصوت متردد : "هل تظن ان غريبًا مثلي سيساعد هذه القريه؟ كيف تكون متأكدًا من انني سأساعد؟"
أومأ العجوز برأسه ثم بدأ يخطو للأمام .
"بالتأكيد لستُ متأكدًا ، أنا فقط طلبت منك المساعدة . لكن لست مجبرًا على تحمل مسؤولية غيرك"
"يالك من غريب ."
لوح العجوز بيده إشارة للوداع .
"هاهاها، هذا ما يشتهر به العجائز."
ابتعد العجوز ، حتى اختفى اثره في المكان .
شاب بعيون مشرقة ، و شعر داكن. يقترب إلى العجوز ببطئ ، قائلًا بنبرة قلقة:
"جدي … لماذا تكلمت مع ذلك الغريب ، ليس من عادتك التكلم مع الغرباء."
ابتسم العجوز لحفيده ، و نظر نحو المقبرة القريبه من القرية . و من ثم لمعت عيناه بلون ازرق شاحب. مما يبين استخدامه للسحر . قال بنبرة معتدلة :
"ذلك الشاب ، يمتلك نفس المانا التي اشعر بها بالمقبره ، نفس النقاء و نفس اللون الذي يجذب الأنظار لها . من المحتمل ان يكون الجاني."
ارتبك قليلًا من كلام جده ولكن حاول الهدوء :
"إذًا ، لماذا تحدثت معه ؟ إذا كان هو الجاني فلماذا لم تفعل شيئًا ؟ يا جدي انت ساحر رفيع المستوى . لا اظنه سيشكل خطر عليك"
أومأ العجوز موافقًا على كلام حفيده :
"هذا صحيح ولكن ، لا يجب علي الحكم عليه كونه يمتلك نفس المانا الصادرة من المقبرة. و إذا كان هو فعلى الاقل سنعرف أماكن الأطفال"
الحفيد هز رأسه ، و اقترب اكثر من العجوز :
"يا جدي ! تلك المقبره فيها أصوات هولاء الأطفال ، لماذا لا نتدخل ؟ هل لا تثق بقواي السحريه؟"
هز العجوز رأسه ، متنهدًا . و من ثم نظر إلى الشاب بعيون قلقة :
"المسألة ليست الثقة . ولكن عندما ذهبتُ إلى المقبرة ، لم يكن هناك اي شيء يدل على وجود الأطفال. فقط كل ما كنت اسمعه هو اصواتهم."
الشاب هز رأسه غير راضيًا بكلام جده و قال
مندفعًا : "يا جدي هل حاولت حقًا البحث عنهم بشكل صحيح ؟! ، أراك تراقب الأوضاع منذ سنة و لا تفعل شيئًا!"
زفر العجوز ، و بدأ يخطو للأمام :
"لن تفهم حتى لو حاولتُ الشرح لك ، لذا افتح عينيك و اعتبر هذا تدريبًا لك. لعل هذا الوضع ينيرك و يجعلك اقوى مما مضى"
توقف الحفيد مكانه، يطالع ظل جده وهو يبتعد بصمت. قبض على يده بقوة، وعضّ على شفتيه محاولًا كبت الغضب الذي يتصاعد داخله:
"تدريب ؟ هل هذا الوضع لعبة بالنسبة لك يا جدي؟"
همس لنفسه، ثم نظر نحو المقبرة البعيدة.
كنت لا أزال جالسًا في مكاني .
تدمر جو الصباح بالفعل عندما رأيت كابوسًا.
تنهدت بثقلٍ شديد .
ذلك العجوز بالتأكيد يعرف شيئًا.
لكنه قرر إخفاء الأمر .
رفعت رأسي محاولًا تنظيم افكاري .
و كذلك ،لماذا اشعر بمانا تشبه خاصتي بهذهِ القرية؟
منذ ان دخلت القرية و أنا اشعر بها ، كنت فقط احاول تجاهلها ولكن ، هل هناك احد مثلي ؟ شعرت بضربات قلبي وهي تتزايد.
إذا كان يوجد أحد آخر مثلي . فأنا متحمس للقائه. و معرفة ما أنا حقًا.
نهضتُ ، و اخذت نفسًا .
لستُ انوي الجلوس هنا و اضاعة الوقت .
و ليس لدي اي عمل في هذه القرية .
لذا سأذهب مباشرةً إلى المكان الذي تتواجد فيه المانا .
فجأة اشعر بيد كبيره و ثقيله فوق كتفي .
استدرت و كان كوهن خلفي يضحك بسرور .
حدقت به بنظرات حادة .
ضحك كوهن و قال بنبرة مستهزئة: "ماذا هل أخافك هذا ؟"
أبعدت يده عني و نهضت .
"هل دفعت لهم ؟"
أومأ كوهن .
"بالتأكيد ! لا اريد الجلوس في هذه القرية اكثر. أنا لستُ مرتاحًا فيها ."
أومأتُ برأسي موافقًا على كلامه ، المكان هنا غير مريح البته .
"كوهن"
"ماذا ؟"
تجولت عيناي بحثًا عن مصدر المانا . لا يزال من الصعب تحديده ، عندما أعود من إلى البرج ، سأطلب من رايلان تعليمي كيفيه تحديد أماكن المانا . ربما سيُصدم إذا عرف انني استطيع رؤية المانا .
خطوت إلى الأمام ناويًا استكمال تجوالي .
"هذا المساء اريد تأكيد شيئ ما ، هل يمكنك التحمل حتى ذلك الحين؟"
تبعني كوهن و قال بإبتسامة .
"ليست لدي اي مشكلة !"
———————————————————