الفصل 22
الفصل 22
كانت الشمس على وشك الغروب ، تلون السماء بلون برتقالي خافت. لم تختفِ الشمس بعد ولكن بعد الدقائق ستغرب .
اقفُ امام مقبرة حيث المانا تتدفق هنا.
كوهن نظر إلى محيطه قبل ان تعود نظراته إلي : "ماذا هل تحاول نبش قبر هنا ؟ هذا يُعد جريمة !"
اخذت نفسًا ، مهما فكرتُ بالأمر فإن المانا تقودني إلى هنا . لماذا المقبرة ؟
"كوهن ، اريد ان اركز . هل يمكنك انك تسكت؟"
نقر كوهن على اسنانه .
اخذت نفسًا قبل ان أخطو داخل المقبرة بهدوء. بخطوات هادئه و حذره . تبعني كوهن بهدوء . ماسكًا سيفه لأي خطر قد يحدث.
فجأة . بدأنا نسمع أصوات بكاء ، صراخ. أصوات تدوي في هذا المكان . و كأننا دخلنا إلى مكان لا يجب ان نكون فيه .
تجمد كوهن في مكانه . يبحث عن مصادر تلك الأصوات. و قال بنبرة منخفضه : "لستُ من عشاق الرعب ،حقًا . لذا لنعد!!"
تجاهلت كوهن و واصلت التقدم .
أشجار منكسره ، صخور متناثرة بشكل عبثي.
لكن ما لفت انتباهي ، شجرة ضخمة في طرف المقبرة، قريبة من حافة الغابة .
طويلة جدًا و عريضه . مختلفة جدًا عن أشجار الغابة .
تجمدت في مكاني . و رفعت عيناي فورًا لأرى خيوط حمراء تتراقص حول الشجرة. و مانا مشابهه لليراعات تتناثر بشكل عشوائي حول الشجرة.
تلك المانا . ذلك الشعور الذي يراودني حالما رأيت المانا . شعور بالوخز الشديد .
بالتأكيد انها المانا خاصة بي.
همست لنفسي . غير مصدقًا لما رأيته:
"ما هذا … انه ليس منطقيًا"
سبقني كوهن بخطوة واحدة ، و نظر نحو الشجرة دون ان يتمكن من فهم ما يجري : "لماذا تحدق بالشجرة هكذا ؟ هل جذب انتباهك شيئًا ما ؟"
فجأة ، ظهر فتى صغيرًا امام الشجرة .
كان لديه نفس لون شعري ، و نفس اللمعه التي يمتلكه شعري.
ذهبت اليه بخطوات مسرعة ، متجاهلًا كوهن . "مهلًا مهلًا إلى اين تذهب ؟"
تبعني كوهن بتعجل . حتى لاحظ الفتى الذي امام الشجرة : "اوه ؟ هناك طفل هنا بهذا الوقت المتأخر ؟"
توقفت امام الفتى مباشرة.
لم يتحرك رغم انه كان يراني و أنا اقترب
رفع الفتى رأسه فجأة .
كانت عينه اليمنى تشع بلون قرمزي ،و اليسرى كانت بلون ازرق ، كان مزيجًا غريبًا .
ولكن تأكدت الان ،ذلك الطفل … انه مصدر المانا .
ركعت أمامه كي أراه بشكل افضل .
"مالذي تفعله هنا …؟"
ضحك بسعادة شديدة ، قال بنبرة مستغربة : "اوه~ انت ! لديك نفس لون شعري "
أومأت برأسي ، وقف كوهن خلفي وهو ينظر إلى هذا الموقف : "اوه، هل هو ابنك أم اخوك ؟ تشبهون بعضكم !!"
كان الفتى يحدّق بي بعينين خاليتين من الحياة، كأنهما مرآتان لا تعكسان شيئًا. ثم، وبلا مقدمات، ارتسمت على وجهه ابتسامة غريبة… لم تكن بريئة، ولا تشبه ما يفترض أن يظهر على وجه طفل.
قال بنبرة هادئة، لكنها تحمل تهديدًا خفيًا:
"أنت… لست مرحبًا بك هنا."
شعرت وكأن صاعقة اخترقتني من الداخل. لا، هذا ليس طفلًا عاديًا. وقفتُ فورًا، تراجعتُ خطوة إلى الخلف، غريزتي تخبرني بأن هذا خطير.
رفع الفتى يده بخفة، وفجأة، اشتعلت خلفه دوائر من النيران القرمزية، نيران بدت وكأنها تنبض بالحياة… تجذبك وتستهلكك في آن.
قال بصوت منخفض، كأنما يختبر ردّ فعلي:
"ليس سيئًا… شعرت بالخطر قبل أن أفعل شيئًا؟"
كوهن، الذي كان واقفًا خلفي، استل سيفه بسرعة خاطفة وضحك بصوت عالٍ، ضحكة مجنونة لم تخلُ من الحماسة:
"كياهاهاها! يا رجل… هذا ليس فتى عاديًا!"
تقدّم بخطوات ثابتة، رافعًا سيفه أمامه في وضعية دفاعية، ثم أعلن بثقة:
"لن أُظهر أي رحمة."
كوهن ثبت قدميه على الأرض، عيونه مسلّطة على الفتى بحذر شديد، يراقبه. أما الفتى، فبقي ثابتًا، لا يتحرك. عيناه تدرسان كوهن، تحلّلان كل حركة، كل احتمال.
تنهد الفتى ببطء، وأمال رأسه قليلاً، وقال بصوت خافت كأنه يكلّم نفسه:
"أنا حقًا لا أحب القتال… لكن، بما أن حضـرته أمرني… فأنا مجبر."
كوهن ضاق بعينيه، نبرة صوته أصبحت حادة:
"أطفال هذه الأيام… وقحون."
وبلا إنذار، اندفع كوهن إلى الأمام، سيفه مرفوع بقوة. لكن الفتى كان أسرع. بحركة بالكاد تُرى، أوقف الهجوم بكل سهولة. تراجع كوهن بسرعة، نظر إليه بعينين متسعتين والصدمة واضحة على وجهه:
"واه… لم أتوقع هذا."
شعرت بالقلق. لم أتعلم أي تعاويذ هجومية، رايلان كان دائمًا يتحجج بأعذار سخيفة، كأنني لن أحتاجها. لكنني… لن أقف مكتوف اليدين.
استمر كوهن في الهجوم، سلسلة ضربات لا تتوقف، ومع ذلك، لم يُبادر الفتى بأي هجوم. كان يتفادى، يحلل… ينتظر؟ لم أفهم. لماذا لا يهجم؟ ما الذي ينتظره؟
لكن لا وقت للأسئلة. ركضت نحو كوهن، مددت يدي، وأطلقت تعويذتي—الأرض من تحته بدأت تتحول إلى رمال متحركة، تسحب الهدف إلى أسفل.
صاح الفتى بلهجة إعجاب صادقة:
"اوه~ ؟ ليس سيئًا"
اندفع كوهن مجددًا، مستهدفًا رأس الفتى، لكن رفع يده ليصنع درعًا في اللحظة المناسبة، ثم قفز خارج دائرة الرمال. اصطدم سيف كوهن بالدرع وارتد، وسقط أرضًا بقوة.
ضرب كوهن الأرض بقبضته، ضاحكًا بانفعال:
"هاها! هذا ممتع! تسرّعت في الحكم عليه بسبب مظهره الطفولي… هذا خطأي."
وقفت إلى جانبه، أراقب الفتى… لم يبدُ عليه أي أثر للإجهاد. عيناه ما زالتا متوهجتين، والنيران خلفه تصدر طنينًا خافتًا، ثابتًا… كأنها تنذر بشيء قادم.
سألته بنبرة حادة:
"أنت… لماذا تهاجمنا؟"
تجمّد الفتى لوهلة، وكأن سؤالي فاجأه. ثم رفع نظره إليّ، بدا مشوشًا، مترددًا:
“في الحقيقة… أنا فقط بحاجة إليك. لكن ذلك الوغد ذو العضلات يزعجني.”
نهض كوهن من الأرض، ابتسامة انزعاج خفيفة على وجهه:
"من تسميه وغدًا، أيها المتوهج؟"
لوّح بسيفه في الهواء، وابتسم بسخرية:
"تعال… لنتقاتل بجدية هذه المرة. هذا الوسيم الرائع لن يتهاون بعد الآن."
رفعت يدي أمامه، أوقفته قبل أن ينطلق مجددًا. تمتم كوهن بشتيمة تحت أنفاسه، بينما كان الفتى يحدّق به ببرود، ثم التفت إليّ مجددًا.
"أنت…" همس بصوتٍ مرتبك، "لماذا… تشبهني؟"
كانت نبرته مختلفة هذه المرة، ليست عدائية، بل مترددة، ضائعة.
"المانا خاصتي… تُسحب نحوك. من أنت حقًا؟"
تراجعت خطوة، وقلبي ينبض بسرعة. نظرت إليه بقلق، وقلت بنبرة حذرة:
"بل أنا من عليه أن يسأل… لماذا تمتلك نفس المانا التي أملكها؟"
ابتسم الفتى، وبدأ يقترب، خطواته هادئة لكنها مشوبة بغموض مخيف.
"لا تقلق…" قال بلطف غريب، "لا أنوي إيذاءك. ليس… بعد."
كوهن سخر، قائلاً:
"فجأة تهاجمنا، والآن تدّعي السلام؟ متناقض جدًا!"
الفتى عقد حاجبيه، ونظر إلى كوهن بملل، ثم تنهد:
"أنت مزعج… لا تتكلم."
"هذا الصعلوك—"
لكن الفتى كان قد وقف أمامي بالفعل، أقرب مما ينبغي. رفع يده، ووضعها على صدري، كأنه يبحث عن شيء… وسرعان ما شعرت به.
ماناي تُسحب.
دوار خفيف اجتاح رأسي، حاولت المقاومة، وأمسكت بمعصمه بقوة.
قلت بنبرة منخفضة، تحمل تهديدًا صريحًا:
"توقّف."
تجمّدت يد الفتى تحت قبضتي، ونظراته ثبتت عليّ. يقاوم، لم يسحب يده، فقط همس كأن صوته ضاع بين ألسنة النار خلفه:
"هذا الشعور… تأكدتُ الان"
ابتعد قليلًا ، و بدأ يدور حوّل نفسه و كأنه يرقص ، يضحك بصوت عالي .
قال كوهن بنبرة ساخرة : "هل جُن ام ماذا ؟ لماذا يدور حول نفسه هكذا؟"
"لا اعرف …"
توقف فجأة عن الدوران و قال بنبرة متحمسة و كأنه طفل بريئ: "إنها تُجيبك… مانتي تندفع نحوك كما لو كانت تتعرّف على سيدها!"
ارتجف شيء بداخلي.
"مهلًا ، مالذي تقصده بذلك ، انت تعرف شيئًا عني ؟"
همس الفتى لنفسه بصوت بالكاد يُسمع: "إذًا انت لا تعرف ؟"
رفع يده ، و نظر الي بتعبير فرح .
"انتهى وقت السلام !"
كوهن، الذي كان خلفي، رفع سيفه مجددًا، وجهه جاد هذه المرة، لا أثر للسخرية فيه.
"نفذ صبري بصدق، هذه المرة لن أتهاون ."
تضخمت النيران خلف الفتى، الشرارات تتراقص حول النيران . و من ثم تمتم بكلمات غير مفهومه.
تغيرت تعبيرات كوهن و شحب قليلًا : "اللغه القديمه ؟ انه يستخدم السحر القديم."
"كوهن هل تعرف اللغه القديمه؟"
نظر كوهن إلى الفتى بعيون باردة كالجليد :
"بالتأكيد ، تعلمته منذ صغري ، انها لغة الإمبراطورية القديمه الساقطه"
نظرت إلى كوهن بعيون متسعة. هويته اصبحت اكثر غموضًا ، كيف يعرف عن اللغه القديمة ؟
ابتسمتُ بخفة : "لن اسألك عن كيف تعرف ذلك ولكن ، هل تستطيع مواجهته ؟"
ابتسم كوهن بسخرية شديدة: "اشعر بالاهانه لكونك تستخف بي زيادة عن اللازم!"
عيناي لم تستطع رؤية حركه كوهن السريعه وهو ينتقل إلى خلفه . و قطع ذراع الفتى كاملة دون ان يرجف له جفن .
ابتعد الفتى فورًا و بدأ يهاجم بالنيران .
همس الفتى لنفسه : "سريع جدًا بشكل غير متوقع . لم استطع إكمال التعويذة"
و من ثم ظهرت نيران قرمزية حول ذراعه المقطوعه و عادت كما لو لم تقطع أبدا .
اتسعت عيناي بصدمة . همست لنفسي غير مصدقًا ما رأيته : "انه حقًا … مثلي"
راوغ كوهن النيران ، رفع سيفه ليقطع رأسه . لكن الفتى تفاداها ، و قفز قفزة كبيرة الى الخلف . بدأ يظهر عليه التعب .
توقف كوهن في مكانه و بدأ يلوح بسيفه : "رائع ، لديك سرعة شفاء كبيرة ."
بدأ يقترب ببطئ ، و عيناه تلمعان بلون ازرق شاحب ، و بدأ سيفه يشع بلون ازرق.
متقن لهالة السيف !
هذا مفاجئ حقًا، لكن المشكله هنا ان شيء كهذا لن يجدي معه .
قلت بصوت عالٍ كي يسمعني كوهن : "كوهن! توقف ، هذا الشيء لن ينفع!"
"هاه ؟ و كيف تعرف ذلك؟"
"لا تسأل و ابتعد فقط!"
"لا!"
لم يستمع و اندفع مجددًا نحو الفتى ، كل تلويحة تقطع أطراف الفتى . ولكن النيران القرمزية تشفيه دون اي مشاكل .
لاحظتُ ان الفتى يتعب كلما شُفي من النيران . شيء كهذا لم يحدث لي أبدا .
ربما تكون هذهِ فرصتي لفعل شيء ما .
"الجليد"
بهذه الكلمة البسيطه استطعت استدعاء كميات هائلة من الجليد معلقة في الهواء . تضيء بلون ازرق فاتح .
لم يكن متقنًا مثل رايلان ، هذا جيد لمحاولتي الاولى لتقليد سحره .
و من ثم ببطء ، بدأ الجليد يتكسر و يصدر أصوات حادة . تمددت و تشكلت لتصبح شفرات حادة ، حولها دخان ابيض من شدة البرودة .
"كوهن ابتعد!"
رفع كوهن رأسه ، و ضحك بشدة .
"واو!، كنت اعرف انك لست ضعيفًا لهذه الدرجه !"
اختفى كوهن من امام الفتى ، و من ثم ظهر فجأة بجانبي . و كأنه ينتقل آنيًا .
الفتى كان واقفًا ، لا تزال النيران تشفيه من الإصابات التي سببها كوهن . يلهث رافعًا يديه محاولةً منه للهجوم ، ولكنه اضعف من ان يلقي تعويذة .
كانت شرارات النيران تصبح اضعف كل ما شُفي ، و شرارات اللهب الذي كانت خلفه قد اختفت ببطء و لم تعد لها وجود .
لم انتظر ثانية واحدة . صوّبت الشفرات نحوه ، بدأت الشفرات تندفع نحوه بسرعه تخترق جسمه واحد تلو الاخر دون اي توقف .
تقدم كوهن بخطوة واحده و نظر الي :
"عديم الرحمة تماما ! كياهاهاها!"
"هل تستطيع التوقف عن الضحك بهذهِ الطريقة ؟ إنك تؤلم أذناي!"
"يالك من حاقد ! لأنك لا تستطيع الضحك بتلك الطريقة تظنها قبيحه ؟"
"إلا تدرك مدى قباحه صوتك؟"
"صوتي نقي جدًا كصوت الطيور ."
انتهت الشفرات و كلها اخترقت جسد الفتى . خطوت نحوه ببطئ ، جاعلًا كوهن يمشي امامي ليكون درعي تحسبًا لأي هجوم.
توقفنا أمامه ، قال كوهن بنبرة منخفضة:
"يبدو ان قدرته للشفاء كانت محدوده"
كان جسد الفتى مدمرًا تمامًا ، النيران لم تعد قادرة على شفائه ، فقط شرارات خفيفة بدأت تظهر .
"لا تظنوا انني الوحيد الذي سيخسر !"
فجأة دون مقدرة على رؤية ما كان بيده ، رمى شيئًا حادًا علي و اخترق كتفي.
بدأت اشعر بالدوار ، و الضعف ،
رؤيتي تشوشت ، و الغثيان بدأ يجتاحني ، لم استطع التوازن و تعثرت أرضًا .
لكن ما استغربتُ منه ، ان جرحي لم يُشفى ، بل شرارات خفيفة تتراقص حول كتفي .
قلت بصوت ضعيف ، غير قادرًا على اخراج صوتي بشكل صحيح :"مالذي - فعلته …؟"
ضحك الفتى بضعف ، ينظر إلى السماء : "اعتبرها هدية صغيره مني!" و من ثم بدأ بريق عينيه يختفي ببطء ، ثم توقف نفسه .
امسك كوهن بكتفي غير مكترثًا لما حدث مع الفتى : "هاي هل انت بخير ؟"
هززت برأسي ، و من ثم قلت بصوت يملؤه الالم : "و هل مظهري- يبين انني بخير؟!"
"بصراحة لا"
نظرت إلى كتفي . هل قوة شفائي محدودة كذلك ؟
لا-
أنا اشعر بها ، ان كتفي تتشافى ولكن ببطء.
هل الشفاء اصبح اضعف ؟ ولكن كيف؟
لابد انه له علاقه بما طعنني به الفتى .
رفعت يدي المرتجفه محاولًا اخراج ما دخل كتفي . لكن قبل ان تصل يدي كان كوهن قد اخرج خنجره .
"م-مهلًا كوهن ، مالذي تنوي فعله؟"
"بالتأكيد سأخرج ذلك الشيء الذي دخل جسدك!"
خرز مثل الخنجر في كتفي دون اي تردد ،محاولًا إخراجه .
صرخة مكتومة تفجرت من صدري.
ألمي مضاعف، وقدرة شفائي الضعيفة تجعل كل لحظة عذابًا بطيئًا.
شعرتُ وكأن الزمن يتباطأ، كل لحظة تمر كأنها دهر.
كوهن يعبث داخل جرحي بنصله، وجهه جاد على غير عادته، وعيناه تراقبان كل تفصيلة بتركيز مريب.ثم توقف فجأة، حاجباه يرتفعان ببطء.
"وجدته"
سحب شيئًا صغيرًا من كتفي… قطعة سوداء، كانت كنصل صغير .
ما ان خرجت القطعه ، عادت النيران الخاصة بي شافية جرحي على كتفي. الشرارات تتراقص حولي .
تفاجأ كوهن ، و نظر إلى الفتى بسرعة : "مهلًا انه ميت … إذا لماذا النيران موجوده ؟"
"انها خاصتي"
لم يكن يعلم كوهن عن قدرتي على الشفاء . كان جاهلًا تماما .
"اوه…لم اكن اعلم ، إذا هذا الفتى كان له علاقة بك بالفعل؟"
"لا"
نهضت فورًا ، مسحت الغبار من ملابسي.
مددت يدي نحو كوهن : "أعطني ذلك الشيء."
أعطاني كوهن القطعه السوداء . ما ان لمستها مجددًا شعرت بغثيان شديد ، و الدوار . و كذلك شعرت بالضعف الشديد . كنت على وشك التعثر .
كوهن امسكني فورًا ، قائلًا بنبرة مستهزئة :
"هل انت بخير ؟ أراك تعاني قليلًا ~"
نظرت إلى كوهن . قائلًا بصوت يشوبه الضعف : "م-مهلًا ، انت لمست القطعه كذلك ، فكيف لك ان تكون بخير؟"
اخذ كوهن القطعه مني .
أمال رأسه قليلًا، كأنه للتو فكّر في الأمر، ثم رفعها أمام عينيه، يقلّبها بين أصابعه.
"همم…"
اقترب منها أكثر، دقق النظر، ثم ضربها بخفة بطرف خنجره.
رنّ صوت معدني خافت، غير مألوف، كأن الصوت نفسه يحمل اهتزازًا داخليًا، طفيفًا.
"انه معدن"
شعرت بالدوار مجددًا، اضطررت للجلوس. كنت أتنفس بصعوبة، كما لو أن الهواء نفسه يُثقل صدري عندما تكون تلك القطعة قريبة.
اشعر بالضعف الشديد كذلك.
"كوهن، أبعدها… فقط أبعدها عني."
ابتعد بخطوتين إلى الوراء. وبالفعل، بدأت الرؤية تتضح شيئًا فشيئًا، وغادرني الغثيان.
أنظر إلى يدي المرتجفتين، "هذا المعدن… يستنزفني."
كوهن أخرج قطعة قماش ولفّها حول المعدن.
قال بنبرة أكثر جدية مما اعتدت عليه منه:
"من الممكن ان يكون أضاف له شيء مثل السم." سكت لثوانٍ، ثم أضاف:
“لكن لماذا لم تؤثر بي؟”
نظرت إليه، أتمعن في ملامحه.
كوهن لم يكن عاديًا… صحيح أنه كان يتصرف بسخافة في معظم الوقت، لكن هناك أشياء كثيرة بشأنه لم أفهمها بعد.
نظر كوهن الي بإستغراب شديد : "هذا غريب حقًا" تنهد ثم اقترب من جثة الفتى : "هل لمست معدنًا من قبل؟"
هززت برأسي : "لا ، لم المس معدنًا من قبل" نهضت و بخطوات بسيطة وقفت بجانب كوهن .
"كان غريبًا جدًا ، يمتلك نفس قدراتي"
أومأ كوهن برأسه ، واقفًا مقاطعًا ذراعيه مع بعض. يراقب جثة الفتى بعيون باردة .
"هاي ، هناك شيء يلمع بالجثه"
دققت بالنظر إلى الجثه ، و كان يوجد شيء صغير يلمع في مكان قلبه ، شعور دافئ اجتاح قلبي .
ركعت بجانب الجثه ، ثم خلعت قميصه . كانت القطعه ملتصقه في صدره .
شعور الدفء و الحنين اجتاحني حالما رأيت القطعه .
لم أتردد ولو لحظة ، اخذت القطعه الصغيرة . كانت دائرية بحجم فول سوداني ، لون قرمزي جميل كلون نيراني ، يصدر صوتا رفيعًا يشبه الطنين .
عندما اخذت القطعة ، فجأة تغير لون شعر الفتى ، و كأنه يعود إلى طبيعته ، لون شعره عاد إلى اللون الأزرق الباهت . و اختفى اي شيء يشير إلى انه يشبهني.
كوهن اقترب بخطوات بطيئة، صامتًا. عيناه لم تفارقا القطعة بين يدي.
"اوه ؟ ما هذا"
هززت برأسي جاهلًا عن كل شيء .
"لا اعرف ، كأنني امسك بجزء مني…شعور الحنين ، وكذلك اشعر و كأنه لا ينتمي لي"
كان الشعور غريبًا جدًا ، اشعر انه لا يجب علي رميها ، و كأنني اسمع همسًا بألا ارميها .
أومأ كوهن برأسه و تنهد بثقلٍ : "ذلك الفتى كان ضعيفًا بشكل غريب ، كان يهدد و كأنه يقدر على قتلنا بلحظات"
نهضت و بدأت انظر حولي : "بالفعل ، ولكن رغم هذا ، استخدام السحر القديم كان اغرب"
خطى كوهن نحو الشجرة الكبيرة ببطء ، وهو يشير الي لأن آتي اليه : "بالفعل ، معرفته للغة القديمة كانت لغز بحد ذاته ، هل هناك كتب تخص اللغه القديمة في البرج ؟"
ادخلت القطعه الدائرية إلى داخل حقيبة الإبعاد ، و نظرت نحو كوهن :
"نعم توجد ، ولكن لم يُسمح لي بالنظر اليها . بالنسبة لي ، أنا فقط تعلمت القليل عنها . و لستُ متمكنًا باللغه لمعرفتها بالضبط"
ضحك كوهن و قال بإستهزاء: "كيف لك ان تكون جاهلًا و انت تلميذ لسيد البرج؟ و كذلك سحر هجومك لم يكن بذاك الزود!"
تنهدتُ بثقل ، و تقدمت بخطوتين : "لم يكن سحري الهجومي سيئًا حقًا"
رفع كوهن كتفيه بلا مبالاة ، و نظر الي بنظرة غبيه : "نعم بالتأكيد ~"
لكننا توقفنا فجأة. خلف الشجرة، كان هناك شاب واقف، ظهره لنا أولًا، ينظر إلى حفرة ضخمة أمامه. ما إن سمع خطواتنا حتى استدار، وعلى وجهه نظرة يملؤها الغضب… والحقد.
بصوت مبحوح مرتجف، سألنا:
"أنتم… هل أنتم من فعل هذا بالأطفال؟"
تجمّدنا في مكاننا. لم نُجب، فقط تبادلنا النظرات. نظرتُ إلى الحفرة خلفه، لكن الظلال منعتني من رؤية ما بداخلها.
قلتُ بتردد:
"عفوًا… ما الذي تقصده؟"
قبض على كفيه، وازداد وهج الكراهية في عينيه وهو يشير إلى الحفرة
خطوتُ بتردد، ومع كل خطوة، كان الشعور في داخلي يزداد ثقلاً. وما إن وصلت إلى حافة الحفرة، حتى رأيتهم.
عظام.
عظام صغيرة متحللة، أطفال لا تتجاوز أعمارهم الثانية عشرة. ستين جثة… مرمية كأنها لا تساوي شيئًا.
تجمدت في مكاني . فتحتُ عيناي على مصارعيها . يدي بدأت ترجفُ .
قلت بصوت مرتجف : "ه-هذا فظيع … كيف .."
نظر الشاب نحوي . و دفعني إلى الخلف بقوة ، كان ينظر لي بأحتقار شديد و من ثم بدأ يصرخ :
"لا تدعي البراءة! الست انت من كان خلف كل هذا ؟"
اقترب كوهن و مسك كتفه : "هاي هاي اهدأ. نحن لا علاقة لنا بما حدث هنا."
نظر الشاب بحقد نحو كوهن ثم اخذ نفسًا طويلًا : "جدي شعر بمانا تشبه خاصتك هنا ، لذا اليس من المنطقي انك الجاني..!"
نظرت اليه ، مستغربًا .
إذا كان جده يشعر بالمانا و معرفتها بالضبط لمن تنتمي، فأنه ساحر عالِ المستوى . لكن مالذي يفعله هنا هذا الساحر ؟
خطوت ببطء نحو الشاب . و من ثم نظرت نحو الجثث و نقرت على أسناني .
"لم أكن أنا من فعلها … حقًا"
تجهم وجه الشاب . و قبض على قبضته بقوة لدرجة انه احمرت كفيه .
"أنا لا اصدقك .. رأيتك تقتل طفلًا كذلك !"
تقدّمت خطوةً أخرى، وعيناي لا تزالان على الحفرة. الألم في صدري لا يقل عن غضب هذا الشاب، لكن كلماته كانت كالسكاكين.
"ذلك الطفل… لم يكن عاديًا. كان مصدرًا للمانا، هاجمنا بنية القتل"، قلت بصوتٍ متهدج، لا دفاعًا عن نفسي، بل محاولة للفهم.
صرخ الشاب مجددًا:
"وتقتله؟ بدلًا من إنقاذه؟ هل هذه هي عدالتكم؟"
تدخل كوهن بنبرة حادة، وهو ينفض الغبار عن ملابسه: "انت لست اعمى ، تدعي انك رأيت كل شيء ولكنك مجرد احمق أعمته العواطف ، لم يكن طفلًا ، كان مغسول الدماغ"
توقفت الكلمات في أفواهنا، قبل أن يُسمع صوت تصفيق بطيء، متكرر… صدى كأنه يخترق أعماق المقبرة.
ارتفعت أعيننا إلى الأعلى، لنراه—شخص يطفو فوقنا ببضع أمتار، شعره أشقر طويل يتطاير مع نسيم المساء، وعيناه مغطاتان بقطعة قماش بيضاء.
"حسنًا، حسنًا… عرض درامي جيد من الجميع، أُعجبت حقًا."
كان صوته ساخرًا، ناعمًا، يحمل طبقة خفية من السخرية والإعجاب المصطنع.
تغير وجه الشاب الغاضب، نظر إليه بارتباك وغضب، بينما كوهن شدّ على مقبض سيفه، تمتم:
"من هذا الآن؟ لِمَ كل هذه الفوضى اليوم…"
تابع الغريب وهو يطفو ببطء للأسفل، يداه في الهواء وكأنه يستمتع بمشهدهم:
"قتل الأطفال؟ مانا تتشابه؟ أنتم حقًا تلعبون في أرض لا تنتمون إليها."
ثم ابتسم، وقال بلطف مريب وهو ينظر إلي:
“ولكن لا تقلقوا… أنا لست هنا للقتال"
———————————————————