الفصل 23
الفصل 23
أظلمت السماء واختفى آخر خيط من نور الشمس، تاركًا المقبرة تسبح في ظلال رمادية خانقة.
برد مفاجئ تسلل إلى عظامي، ليس من الجو، بل من شيء أعمق… حضوره.
ذلك الغريب لا يزال معلقًا في الهواء، طافيًا فوق الأرض وكأن الجاذبية لم تعد تعنيه. شعره الأشقر الطويل يتراقص بهدوء مع نسيم المساء، بينما قطعة القماش البيضاء تغطي عينيه تمامًا.
ومع ذلك، كنت أشعر بنظراته تخترقني… كأن العمى ذاته كان وسيلته للرؤية.
لم يكن يتكلم، لم يتحرك، لكن مجرد وجوده ملأ المكان بخدر ثقيل. كل شيء صمت. الأشجار، الرياح، حتى المانا نفسها بدت كأنها تجمدت في الهواء، تنتظر… شيئًا.
بدأ يخطو إلى الاسفل ببطء ، و كأنه يختبر صبرنا . ابتسم ابتسامة ماكره .
حين غفلت للحظة ،اختفى ، ثم —
ظهر امامي و كأنه انتقل . رفع يده ، ووضعها برفق على خدي ، كان لا يزال يطفو . لم تلامس قدماه الأرض. و بنبرة أنيقه و منخفضه قال :
"هل تعرف كم من الجثث انهارت كي تستيقظ ؟ ، او … لعلك تعيش جاهلًا عن ما بداخلك"
كلامه غامض ، ولكن وقعها ثقيل .
تراجعت بخطوة و نظري مثبت عليه قلت بصوت يملؤه التوتر : "ماذا تقصد بهذا ، و كذلك من انت …؟"
سؤالي بدا كأنه لم يصل إليه، أو ربما لم يكن مهتمًا بالإجابة عليه. وجهه ظل محتفظًا بابتسامته اللامبالية، وكأن الكلمات التي خرجت مني لم تكن سوى صدى بعيد لا يستحق الرد
ثم قال اخيرا ، بصوت غير مبالي ، و كأنه فقد اهتمامه : "نادني إسترال ."
اخيرا أقدامه ثبتت بالأرض ، و اقرب وجهه و يده على ذقنه يفكر : "مثير للاهتمام ، رغم انك نجحت في ما كنت تريده ، إلا ان ذكرياتك لم تعد لها وجود ، تقنيًا انه ميت"
ما هذا ، كلامه و كأنّه يكلمني ، ولكن يتكلم بصيغة تجعلني اشعر بالارتباك .
و كأنه لا يقصدني بكلامه أنا الذي حاضر أمامه .
"هل تعرفني…؟"
ابتسم إسترال ، و قال بصوت يشبه الهمس .
"اوه ، أنا متأكد من انني أعرفك اكثر من نفسك"
ثم أدار ظهره لي ، و خطى نحو الشاب الغاضب ووضع يده على كتفه ، و ابتسامة مزيفة على وجهه .
"جثث هولاء الأطفال كان أنا سببها"
لم يستطع الشاب التحرك ، لم يجرؤ على التحرك . و لم يرد عليه . قبضته وحدها تشددت، و الغضب يتزايد في داخله.
إسترال ادار رأسه ، و ابتسم بخبث .
"لسوء الحظ انكم قتلتم الطفل الذي كنت أرعاه ، لم أتوقع انك ستأخذ النواة . لن آخذها منك ، اعتبره هدية مني لأول لقاء لنا~"
توقف إسترال لعدة ثوان ، لم اعرف فيما يفكر كون عيناه مغطيتان بالقماش .
أومأ برأسه.
"لن اطول الأمر اكثر من هذا . من الجيد رؤيتك"
ثم اختفت ابتسامته ، قال بصوت لا مبالي : "اه بالمناسبه ، النواة انها تنتمي لك لذا لا ترميها بالخطأ"
ثم فجأة - اختفى بإستخدام سحر التنقل .
كوهن خطى نحو الشاب . ووضع يده على كتفه ، و كأنه يواسيه . ثم نظر نحوي
"يبدو من معارفك؟"
تنهدت بثقل و نظرت نحو جثث الأطفال .
اشعر بضيق شديد في صدري .
مررت يدي على شعري .
"هراء ، لا اعرفه"
توقفت للحظه ثم قلت بصوت منخفض .
"يبدو ان أهالي القرية لم يستطيعو ان يأتو إلى هنا بسبب الطفل الذي قتلناه . لكن الان لم يعد موجودا ، لذا لنخبر أهالي القرية"
الشاب نظر نحوي ، بعيون و كأنها تحاول فهم ما حصل للتو. تنهد و نظر نحو الجثث كذلك ، قال بصوت خافت : "إذا لم تكن سبب ذلك ، فلماذا أتيت إلى هنا ؟ هل لتستعيد النواة خاصتك؟ لم تكن تهتم للأطفال اليس كذلك ؟"
خفضت رأسي . لا اعرف ، لا استطيع فهم نفسي ، منذ ان تغير مظهري و أنا امر بمشاكل غريبه بمشاعري . بعض آحيان ، اشعر بفراغ . فراغ لا استطيع فهمه أبدا .
لكن ، هذا لا ينفي حقيقة انني كنت امل ان ارى أطفال إحياءً هنا .
دام الصمت بيننا نحن الثلاث . ثم تنحنح كوهن ليكسر الصمت ثم قال بوجه جدي :
"لنخرج من هذه المقبرة ، و نخبر أهالي القرية. و كذلك لنحفر قبرا للطفل الذي مات"
أومأت برأسي.
بعد هذه الليله الفوضويه . خرجنا من المقبرة ، و ذهبنا إلى أهالي القرية .
لم يصدقوا ما قلنا ، لكن لم يكن لهم خيار سوى الذهاب لهناك .
هناك من لم يصدق عيناه ما رأى ، و هناك من انهمر بالبكاء فورًا . كان منظرًا يجعل القلب يرتجف .
كنت جالسًا على احد الكراسي مخفضًا رأسي ، اشعر بأنني كنت السبب . بكل الوضوح أنا متورط في هذا .
من اين و كيف استطاع الحصول على المانا خاصتي ؟
هل الجميع يقدر على ان يصبح ما أنا عليه الان؟
لكن ذلك الفتى -
كأنه كان هناك شيء ينقصه . لم يكن مثلي تماما ، عينه اليسرى لم تكن قرمزية .
لا استطيع فهم ما حدث.
رفعت رأسي أخيرًا، نظري تائه، بينما صدى خطوات أهل القرية وهم يدفنون أبناءهم لا يزال يرنّ في أذني.
جلس كوهن بجانبي ، قائلا بسخريته المعتاده :"لستَ المخطئ هنا . رغم انني لا افهم بأمور السحرة . لكن بالتأكيد لم يكن الأمر خطأك"
نظرت اليه ، ضاقت عيناي قليلا .
"لا اعرف حقًا ، لكن اشعر و كأن الأمر كان خطأي، الكرة الصغيره التي حصلتها ، قال انها تنتمي لي"
أومأ كوهن برأسه و تقاطعت ذراعيه عند صدره ، يفكر بتمعن .
"لكن ، انت لم تعرف الأمر إلا الآن ؟ فكر بمنطقيه يا رجل !"
صمتي طال، وكلمات كوهن لم تكن كافية لتخفف من ثقل الشعور داخلي.
أشحت بنظري عن كوهن، أنظر إلى المقبرة البعيدة، حيث دفن الأطفال الآن.
كل شيء في هذا المكان يرفض أن يغادرني.
أسندت ظهري و تنهدت بثقل :
"لم أتوقع ان تكون متقن لهالة السيف"
فتحت موضوعًا جديدًا، لا اريد التفكير بهذا الموضوع مطولًا ، قد ارى كابوسا إذا طولت بالتفكير.
ابتسم كوهن بخبث قائلا بتفاخر :
"بالطبع ! لم يكن من الصعب علي اتقان هالة السيف !"
"اليس التفاخر سيئًا ؟ انت حقًا فخور بهذا"
أومأ كوهن برأسه ، و أدار جسمه ناحيتي : "اعني من قد لا يتفاخر بموضوع كهذا ؟"
سمعت صوت خطوات وهي تقترب منا ، كان العجوز واقفًا امامي ، كذلك الشاب الذي غضب لأجل الأطفال كان واقفًا بجانبه .
ابتسم العجوز ، نظر إلى كوهن لعدة ثوان ثم عاد نظره لي :
"شكرًا لك ، بسببك اصبح أهالي الأطفال قادرين معرفة ما حل بأطفالهم"
خفضت رأسي و هززت رأسي .
هز العجوز كتفيه ، لمعت عيناه بخبث و ضاقت عيناه قليلا ، بإبتسامة عريضة قال : "لم يعد هناك اي اثر للمانا في المقبره ، لابد انك قد استعدت ما هو ملكك؟"
رفعت رأسي ، منصدم مما قاله .
تجهمت فورًا.
"انت ساحر ، كنت اعرف من البدايه ولكن ، كيف عرفت بخصوص المانا؟"
لم يتوقف العجوز على الابتسام ،لم استطع قراءة ما يدور بداخله ، أو ماهي نواياه . هذا النوع من الاشخاص لا احب التعامل معهم.
"أنا ساحر البلاط الإمبراطوري ، رئيس السحره ، غريفيد انكليفيس"
لم أتحرك. بقيتُ أحدق فيه، في وجهه الهادئ أكثر مما يجب، تلك الابتسامة التي لم تصل إلى عينيه.
اسند كوهن ظهره إلى الكرسي . جلس رجلًا على رجل بكل وقاحة ، مبتسمًا بفخر .
"اذن ايها الساحر العظيم ، لا يبدو عليك انك كنت هنا لمده يوم او يومين ؟"
ابتسم غريفيد بخبث ، خطى خطوة واحدة إلى الأمام .
"تبدو ذكيًا عكس مظهرك ، نعم كنت هنا لمده سنة ، لكن بسبب الطفل الذي كان بالمقبرة لم استطع فعل شيء مهما حاولت فهو لم يمت"
امال كوهن رأسه ، و رفع حاجبا باستغراب :"نحن قتلناه"
أوما غريفيد برأسه :
"نعم ، اعرف ذلك . لكن كيف قتلتموه ؟ لم يكن لشفائه اي حدود"
قطعت كلامه و قلت بنبرة حادة .
"لا ، كانت لديه حدود ، استمررنا بقتاله حتى وصل لحدوده"
أومأ غريفيد برأسه ، ثم قال :
"لربما يكون لأنك صاحب المانا الاصليه ؟ فلابد ان المانا سُحبت اليك رغمًا عنه ، فأصبح بحالة ضعف"
ظللت أفكر بكلامه . فبعد كل شيء ذلك الطفل ، قال ان المانا تُسحب منه .
هذا منطقي تماما .
أنا جاهل جدًا بأمور السحر ، انه عالم كبير و أنا لم أخطو إلا خطوة صغيره في هذا العالم.
بجدية ، كل هذا خطأ رايلان …
تنهدت ثم هززت رأسي و نظرت مباشرة إلى عيون غريفيد:
"هذا منطقي ، ولكن انا اتساءل…لماذا كبير سحرة مثلك هنا؟ انت في منصب لا يُسمح لك بالتحرك بحرية هكذا"
لم يرد العجوز بل ظل صامتا ، ثم نظر إلى الفتى الذي يقف بجانبه ، ثم وضع يده على رأسه :
"حفيدي هذا كان عنيدًا عندما سمع بالأمر كان يصر على الذهاب ، لذا لم استطع تركه وحيدًا هنا"
الشاب التفت إلى غريفيد وقد بدا عليه الحرج، لكنه لم يقل شيئًا. كانت يده لا تزال مشدودة بجانبه، وكأن الغضب لم يغادر جسده بالكامل.
قال كوهن وهو يغمز لي بهدوء:
"أوه، يبدو أن لدينا فتىً شجاعًا هنا. لكنه لا يعرف بعد أن الشجاعة شيء، والإنقاذ شيء آخر ، إذ لم تكن واثقا من قدراتك و كل ما تفعله هو الغضب فماهي فائدتك إذا كنت تعتمد على جدك فقط"
الشاب تجهمت ملامحه ، كان يريد الرد ولكنه تراجع ، قبض على قبضته بقوة.
تجاهل العجوز كلام كوهن، وركّز نظره عليّ مجددًا:
"اسمه سيبان ، لذا كذلك اتمنى ان يرافقكم في مغامرتكم ، لابد انكم ترحلون لأماكن هنا و هناك!"
رفع كوهن بكتفيه و امال رأسه قليلا وهو ينظر إلى سيفه .
"كان هذا هو سبب مجيئك إلينا ؟ ، نحن لا نريد رفقه أخرى"
كان أسلوبًا وقحًا كعادته ، أنا متاكد انه لم يفكر مرتين قبل ان ينطق بهذا الأسلوب .
دست على قدمه بقليل من القوة ،
جفل كوهن و اصلح وضعيته .
نهضت و خفضت رأسي و يدي على صدري ، كما تدربت على يد والدتي .
كانت وضعيتي شبيهة بالنبلاء دون وجود اي عيب فيها ، قلت و بصوت يبين على الاحترام : "اعتذر ، أرجو تفهم الوضع ، فنحن لا نريد رفقة إضافيه "
أومأ العجوز برأسه ، متفهمًا .
استدار ، و لم يودعنا ، غادر المكان مع سيبان بهدوء .
ضحك كوهن وهو يضرب ظهري بقوة :"يا إلهي انظر اليهم وهم يغادرون دون قول شيء !"
تنهدت بثقل ، ثم خطوت خطوات هادئة نحو مخرج القريه ، رغم ظلمة المكان . إلا انني لم اعد أتحمل الوجود في هذه القريه.
تبعني كوهن متعجلًا ، نظر الي متعجبًا :
"سنغادر الان ؟ ألن نودع العجوز و ابنته ؟"
هززت رأسي رافضًا ، و لم أنظر إلى الخلف .
"لا احب البقاء ، أهل القرية الان ... في عزاء لا يستطيعون نسيانه"
"اه ، انت كئيب جدًا!"
ثلاث اشخاص ، من بعيد مرتدين عباءات سوداء ، لا تُظهر وجههم .
كان بينهم واحدًا يكتب في دفتر صغير ، و يتمتم بكلام غير معروفة .
قال الاخر بصوت عميق :
"تلميذ رايلان ، لديه نقطة ضعف شديده من المعدن الغير مصهر، اكتب هذا يا رقم خمسة"
بدأ ما يسمى بالرقم خمسة بالكتابه على دفتره ، و بدأ يتمتم بصوت منخفض :
"يعاني من كوابيس ، يعاني من ارق شديد، نقطة ضعف شديده بالمعدن الغير مصهر ، ليس لديه الرحمة حتى لطفل صغير هاجمه، يحب الحلوى ."
تقدم الاخر و اخذ الدفتر منه ، و بدأ بقراءة ما كتبه ، و يده على رأس رقم خمسة :
"بالطبع انه شيء حقًا … تلميذ رايلان ، لديه نقاط ضعف كثيرة ، كذلك لا يبدو انه تعلم من تقنيات سحر رايلان ، ما رأيك يا رقم تسعة؟"
قالها بصوت مليئ بالبرودة ، ناظرًا لرقم تسعة بعيون حادة ، غير مبالي بمن يكلم.
أومأ رقم تسعة ، و رفع كتفيه ، قائلًا بصوت منزعج : "جمعنا معلومات لا بأس بها ، لا يبدو من النوع الذي قد يشكل تهديدًا ، لكن ان من أمرنا بذلك لن يفكر بذلك . لنعد و نعطي تقريرنا"
رقم خمسة أعاد دفتره ، و تجهم :
"رقم ثمانية ، توقف عن اخذ دفتري ! ، إذا كنت تريده فقله ، و كذلك توقف عن وضع يدك على شعري ، أراهن انك لم تغسلها منذ يومين"
نظر رقم ثمانيه إلى يديه ، ثم ضرب رقم خمسة على رأسه دون وضع اي قوة فيه ، ثم قال بصوت منزعج : "و إذًا ؟ "
رقم خمسة ابعد يد رقم ثمانيه ، ثم تنهد :
"هذا مقرف !"
ضحك رقم ثمانية ، و نظر إلى رقم خمسة بإستهزاء .
تنهد رقم تسعة ، ثم اختفى تاركًا وراءه دخان ابيض . الاثنين كذلك لم يقولا كلام زائدًا ، و اختفوا تاركين وراءهم دخان ابيض.
في البرج السحري ، حيث مكان عمل رايلان الذي لا يخلو من اي مستندات و أعمال ضروريه. غرفة مظلمه رغم محاولات ليوجين لجعل الغرفة مشرقه ، إلا انها باءت بالفشل .
كان رايلان ممسكًا بجريدة من امبراطورية غيوريل يقرأها بتسلية واضحة، بينما يضحك بين الحين و يتمتم بصوت خافت.
في جواره ليوجين، منشغلًا بأوراق رسمية مهمة، منزعجًا من تمتمات رايلان.
أما سيل، فكان حائرًا بين الاثنين، يتأرجح بصره في صمت ثقيل، غير قادر على كسر الجليد.
في تلك اللحظة، دخل كايل بخطوات هادئة، يحمل صينية عليها أكواب من الشاي الساخن، ووزعها أمامهم. جلس معهم أخيرًا، ثم انحنى قليلًا بابتسامة متكلفة، وقال بنبرة لا مبالية:
“سيد رايلان… أيمكنني أن أعرف السبب وراء دعوتي إلى هذا الاجتماع؟”
لم يرد رايلان مباشرة، بل رفع كوب الشاي ببطء وأخذ رشفة هادئة. بعد صمتٍ قصير، قلب صفحة الجريدة وأشار إلى عنوان بارز يتصدرها، ثم نطق بصوت ملؤه الغرور:
“أنباء… عن وجود تلميذ لسيد برج السحر!”
ارتفع حاجبا ليوجين وهو يتنهد بامتعاض، فيما صفق سيل ببراءة كأنه يستمع إلى عرض مسرحي.
كايل، من جانبه، بقي متماسكًا، عيناه مثبتتان على رايلان، يتساءل حقًا لماذا جمع رايلان هذا المزيج الغريب إلى مكتبه.
تنهد ليوجين و وضع الأوراق على الطاوله أمامه ، كان صامتًا لعدة ثوانِ ، ثم نظر إلى رايلان بنظرات متعبه :
"لا تقل لي ان هذا سبب جمعك لنا؟ ام انك قد أرسلت احد ما ليتبعه ؟"
هز رايلان رأسه ، و نظر إلى ليوجين بنظرات مسليه : "ماذا تظنني ؟ لستُ متطفلًا لهذا الحد ، حسنًا ربما قد فكرت بذلك لكن لم افعل ذلك"
توقف ليوجين يتأكد مما سمعه ، هل رايلان يحترم خصوصيات احد ما ؟ ، لم يصدق الامر ولكن لم يكن له دليل على فعله ذلك .
نظر ليوجين بأرتباك إلى سيان ، ثم أعاد نظره إلى رايلان ، مرتبكًا : " إذًا ، لِمَ سيان هنا ؟ ، اشك بصدقك بكل صراحة …"
تنهد ليوجين بثقل ، بينما كايل كان شاردًا ، لم ينوي بالتدخل في هذه المحادثه .
ابتسم رايلان و كانت السعاده ترسم وجهه .
قال بصوت منخفض : "حسنا ، لا بد انه فهم المغزى من وراء أوامري ، من الجيد ان يصنع لنفسه اسماً في عالم البشر"
ثم توقف رايلان فجأة ، عدل على وضعيته قليلا و نظر نحو المجموعه الجالسه أمامه ، قال بصوت هادئ: "ثم ، ما رأيكم برين بشكل عام ؟"
توقف ليوجين ، و نظر إلى رايلان بإرتباك، سيل كذلك نظر شاردًا ، يشرب الشاي بهدوء .
ليوجين لم يقل شيئًا لعدة ثوان ، ثم فتح فمه ، لكن لم تكن لديه كلمات ليقوله .
نظر الى رايلان بخيبة امل : "يا إلهي … هل انت بخير يا رايلان ؟ اعني وغد مثلك الذي لا يهتم لرأيي الآخرين ان يقول فجأة كلام كهذا ؟"
رغم كمية الاهانه في هذا الكلام ، ضحك رايلان ضحكة مكتومه ، و نظر إلى ليوجين و ملامح وجهه تظهر قليلا من الغضب .
"يا إلهي ، منذ متى و مستشاري الحبيب يقلق بشأن شخصيتي ؟ الأمر لا يعنيك !"
"إذا كنت يومًا ما قلقت على شخصيتك فهو بالتأكيد أنني قلقت على ان تضر الآخرين ، و ليس عليك ! لا تحتاج لأحد ان يقلق عليك"
"ماذا ؟ منذ متى و مستشاري يفكر بالآخرين و يقلق عليهم ؟ أليس أولى لك ان تقلق بشأن هذه الأوراق أمامك ؟"
"إذا كان الأمر كذلك فأليس الكلام ينطبق عليك كذلك ؟ فقط مجرد كسول لا يفعل شيئا سوى التذمر، هل انت متأكد من انك تنين؟ اكثر مخلوقات نشطه؟"
دام الاثنين في صمت ثقيل ، يحدقون بعضهم بوجوه مبتسمه . شرارة مخفية بينهم تكبر شيئًا فشيئًا .
قرر سيل كسر الصمت الذي مر عليه عدة ثوانِ ، ناظرا للأسفل ، قائلًا بنبره هادئة فيها لمحه من القلق : "أراه ضائعًا ، ليس لديه هدف محدد، كذلك … لديه تناقضات كبيره بشخصيّته."
تنهد ليوجين و هز كتفه : "لا اعرف كيف أوصف الأمر ، لكن بعيدًا عن تناقضاته . لديه شخصيه ملتوية قليلا، انه يفكر مثل البشر ، ليس لديه تلك النوع من الغريزه التي لدينا"
"اظن انه فقط يحتاج إلى القليل من الاهتمام ، لابد ان التناقضات التي لديه كان بسبب البيئة التي كان يعيشها"
تحول نظرهم كله إلى كايل الذي تكلم دون سابق انذار ، بدا على وجه سيل علامات الاندهاش من تفكير كايل العميق ، و ليوجين لم يقل شيئًا سوى انه يتفق . اما رايلان فكان في تفكير عميق.
شخص بأنانية رايلان كان من الصعب عليه التفهم ، إذا كان قد عاش حياة صعبه ، فعليه فقط تخطي الأمر . هكذا يفكر رايلان.
استند رايلان على الكنبه ، و نظر إلى كايل بتعبير عميق : "و هل تعرف ما مر به؟"
هز كايل رأسه : "لا ، لكن تصرفاته تؤكد على ذلك"
في تلك اللحظة، تبادل الثلاثة نظرات مترددة، وكأنهم يعترفون ضمنيًا بأن كلمات كايل كانت الأقرب إلى الحقيقة.
شعر سيل بقبضة خفية على قلبه، لم يعرف سببها، لكنه تمنى ألا يكون رين يسير في طريق مظلم،طريق لا رجوع فيه.
ليوجين من جانبه ضحك بأستهزاء.
أما رايلان، فظلّ جامدًا، وعيناه المتوهجتان تنظران الى كايل.
سادت الغرفة لحظة صمتٍ غريب، لم يجرؤ أحد على كسرها.
انحنى سيل قليلًا للأمام، يضم كفيه بتردد:"أشعر بالجوع…"
همهم ليوجين بغضب شديد ، أخفى رايلان وجهه و كان يحاول كتم ضحكته. اما كايل فقد كانت ملامح وجهه بارده ، كان فقط مكتفيا ببسمة.
نهض كايل و انحنى بإحترام : "سأذهب لأجهز لك شيئًا"
غادر كايل الغرفه بهدوء تاركًا الثلاث في الغرفة.
تنهد ليوجين و نظر بتعب إلى سيل : "يا إلهي ، ظننتك ستقول شيئًا جديًا"
في اليوم تالي ، في صباح باكر ، الجو مغيم قليلًا ، كان كوهن يعتني بي ، في غرفة صغيرة بفندق صغير . مستلقيًا على السرير .
اخذ كوهن قطعه قماش مبلله ووضعها على جبهتي ، قال بصوت مليئ بالشكوى: "يا إلهي ، من كان يتوقع ان تمرض هكذا ؟ بالأساس هل يمرض الاشخاص امثالك ؟"
اشعر بالدوار و حلقي جاف ، و لا استطيع الشم كذلك ، لا اعرف ما إذا كان هذا جيدًا لي ام لا .
"فقط اتركني و اخرج ، انت لا تتحمل الجلوس في مكان واحد أليس كذلك ؟"
وقف كوهن مقاطعًا لذراعيه، هز رأسه رافضًا الانصياع لي.
"حتى ولو ، لن أتركك ، المريض يجب ان يُعتنى به ، اعني الان انت انفك مسدود اليس كذلك ؟ سأطلب في الاسفل ان يصنعوا حساء لك، لن تقدر على تذوقه على اي حال"
غادر كوهن الغرفه فورًا ، دون ان اقدر على ايقافه . ظللت احدق بالسقف ، لم أتوقع ان امرض حقًا ، لابد انه بسبب المطر و تبللي جعلني مريضًا.
"اه … اريد النوم فقط…"
أغمضت عيناي ، دون ان اشعر بذلك نمت .
…
دخل كوهن الغرفة بعد أربعين دقيقه ، و الحساء بيده ، ليرى ان رين دخل في نوم عميق ، تمتم كوهن ، و ملامح الإنزعاج واضحة على وجهه ، و جلس على الكرسي قريب من السرير ، يحدق بشرود .
"اغار من جمال هذا الوغد …"
———————————————————