الفصل 16
مهنّد
الجزء الثالث: الأب
جاء يوم الاثنين، في الحادية عشرة صباحاً، بقميصٍ أبيض وحقيبةِ كتفٍ جلدية ورائحة عطرٍ لا تُشترى من هنا.
كان أنحف مما تذكّرت. وأصغر. الآباء يصغرون.
«رمّانة!»
فتح ذراعيه في منتصف المحل.
لم تتحرّك من خلف الرخام.
«أهلاً بابا.»
نزلت ذراعاه ببطءٍ لطيف، بلا إحراج، لأنه رجلٌ لا يُحرَج.
«ما شاء الله. صرتِ امرأة.» ودار في المحل، ينظر إلى السقف وإلى الرفوف كمن يقدّر. «يا سلام. نفس الرائحة. والله نفس الرائحة بالضبط.»
«متى وصلتَ؟»
«أمس. نازلٌ في فندقٍ في الشارع الكبير.»
«فندق.»
«ما عندي بيتٌ هنا يا بنتي.» قالها بابتسامة، وكأنها نكتة، وكأن السبب في ذلك شيءٌ حدث للطقس.
جلس على الكرسي الأوسط. وضع ساقاً على ساق.
«اعصري لي واحدة.»
عصرت له.
شربها كلها دفعةً واحدة تقريباً، ووضع الكأس.
«آه. زين. المكبس القديم لسّه شغّال؟»
«شغّال.»
«الله يرحمه، أبوي كان يقول إن هذا المكبس أغلى من المحل.» ضحك. «ماكو أرخص من المحل يا حاج، هذا اللي كنتُ أقوله له.»
«رمّانة. خلّينا نحكي مثل الكبار.»
«تفضّل.»
أخرج ورقةً من الحقيبة الجلدية ووضعها على الرخام. وكانت ورقةً قانونية، مطبوعة، فيها اسمها واسمه واسم الجدّ ورقم العقار.
«المحلّ تركةٌ شرعية. أنا ابن، وأنتِ بنتُ ابن. حصّتي الأكبر — تعرفين هذا، إنتِ محاسِبة.»
«أعرف.»
«فيه عرضٌ ممتاز على الزقاق كله. شركةٌ محترمة. أنا تكلّمتُ معهم أمس.»
«أمس؟ وصلتَ أمس.»
«وصلتُ أمس، وتكلّمتُ أمس.» رفع كتفاً. «الشغل ما ينتظر.»
«وأنت عرفتَ بالعرض... كيف؟»
سكت نصف ثانية.
«الدنيا صغيرة.»
نظرت رمّانة إلى الورقة ولم تلمسها.
«بابا. المحلّ مرهون.»
«أعرف.»
«لعبد الستار الصفّار.»
«...أعرف.»
«باثنَي عشر مليوناً حقيقيّةً واثنين وستّين مليوناً على ورقه.»
«يا بنتي، بيعيه وتخلّصي من كل هذا الوجع، وتاخذين—»
«بابا.» وضعت كفّيها على الرخام. «شنو صار قبل خمس سنوات؟»
توقّف.
للمرّة الأولى منذ دخل، توقّف وجهه.
«ما قالوا لكِ؟»
«ما قال لي أحد.»
فتنهّد. ورجع إلى الوراء على الكرسي. ومسح وجهه بكفّه.
وحين تكلّم، تكلّم بصوتٍ مختلف — بصوتٍ رجلٍ يروي مظلمةً وقعت عليه.
«كان حادث.»
«حادث.»
«حادث يا رمّانة. حادث. الشارع ضيّق والزقاق أضيق والناس تطلع من بين السيارات بلا ما تشوف. وأنا كنتُ راجعاً وكنتُ متأخّراً وكان بالي مشغولاً بأشياء ما إنتِ عارفتها، أشياء كانت راح تخرّب حياتنا كلها لو—»
«بابا.»
«—وطلع من بين السيارتين فجأةً. فجأة.» رفع يديه. «والله العظيم فجأة.»
سكوت.
مروحة السقف.
«وشنو صار له؟»
نظر إلى الرخام.
«مات.»
جلست رمّانة على الكرسي الأول، الذي يعرج، وارتفعت وهبطت مرّة، ثم استقرّت.
«وين؟»
«شنو وين؟»
«وين مات؟»
«يا بنتي شنو الفايدة—»
«وين؟»
فرفع مهنّد رأسه، ونظر إلى الباب، وإلى الجدار على يمينه من الخارج.
ولم يقل شيئاً.
وكان هذا كافياً.
«وبعدين»، قال، وقد رجع إليه صوته الأول، صوت المظلوم. «وبعدين صار اللي صار. أهله رفعوا قضية، وأنا قعدتُ ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، ثلاث سنوات يا رمّانة، من عمري، بمكانٍ ما تتصوّرينه—»
«ثلاث سنوات؟ إنت كنت—»
«شنو، ما تعرفين هذا كمان؟» وضحك ضحكةً قصيرةً مُرّة. «يا سلام. الحاج راضي والله كان محترفاً. بنى لكِ عالماً صغيراً نظيفاً وقعّدكِ فيه.»
«قالوا لي إنك مسافرٌ للشغل.»
«إي. سفر.»
«وجدّي؟»
«جدّكِ باع البيت.» ومال إلى الأمام. «باع بيتنا يا رمّانة. البيت اللي إنتِ انولدتِ فيه. ودفع خمسين مليوناً دية. وبعدين رهن المحل بخمسين ثانية. وصار كل خميس يروح لبيتهم ويوقف على الباب مثل—»
توقّف.
«يروح لبيتهم؟»
«أنا ما قلتُ شي.»
«بابا.»
«خمس سنوات.» وكانت في صوته مرارةٌ خالصة، صافية كالكحول. «خمس سنوات يمشي لبيتهم كل خميس ويوقف على العتبة، والحارة كلها تتفرّج. وأنا قاعدٌ بالسجن. أنا! أنا اللي دفعتُ الثمن الحقيقي. وهو صار وليّاً من أولياء الله بعين الزقاق، والناس تقول: شوفوا الحاج راضي، شوفوا الحاج راضي. وما زارني ولا مرّة.»
«ولا مرّة؟»
«ولا مرّة.»
سكوت.
«بابا. شنو اسمه؟»
«منو؟»
«الرجل.»
فتح مهنّد فمه.
ونظر إلى اليمين، إلى الأعلى، كما ينظر الناس حين يفتّشون.
وطالت اللحظة.
«ما أتذكّر.»
قامت رمّانة.
«اطلع.»
«رمّانة—»
«اطلع من محلّي.»
«هذا مو محلّكِ لحد ما—»
«اطلع.»
قام مهنّد، ببطء، وأخذ الورقة، وطواها بعناية، ووضعها في الحقيبة الجلدية.
وعند الباب قال، بلا أن يستدير:
«أنا راجعٌ بعد أسبوعين ومعي محامٍ. وقّعي أو ما توقّعين، القانون معي.»
وخرج إلى الزقاق.
ومرّ بجانب الجدار الذي إلى يمين الباب.
ولم ينظر إليه.