الفصل 17
ما جرى في الزقاق
عبرت رمّانة الزقاق وهي حافيةٌ في نعلٍ واحد، ولم تنتبه.
كانت أم عدنان تخيط.
«خالة.»
رفعت رأسها. ونظرت إلى وجه رمّانة.
ووضعت الخياطة.
«اقعدي.»
«لا. أنا سألتُكِ. إنتِ قلتِ إذا سألتُكِ مرّةً ثانية تقولين.»
«اقعدي يا بنتي، لأن ساقيكِ ترجفان.»
جلست.
قامت أم عدنان وأغلقت باب الدكّان — أول مرّة تراها رمّانة تُغلقه نهاراً — وأشعلت اللمبة، وجلست مقابلها، وأخذت يدها.
كانت يدها خشنةً وحارّة.
«اسمه عبد الله.»
«عبد الله الصفّار. من سوق الصفّارين، اللي وراءنا. أبوه هو اللي صنع مكبس جدّكِ سنة ألفٍ وتسعمئة وواحد وسبعين.
عبد الله كان يجي كل يوم. كل يوم يا رمّانة، من سنة اثنتين وتسعين، الساعة أربعة العصر بالضبط. يخلّص شغله، يمسح يديه بالخِرقة، يمشي مئة وعشرين خطوة من السوق للزقاق، ويقعد على الكرسي الثالث.
الكرسي الثالث كان كرسيّه.
ويشرب رمّان، ويحكي مع جدّكِ عشر دقائق، ويرجع للشغل.
ثمانيةٌ وعشرون سنة.
الرجل ما كان يتأخّر. الحاج فوزي كان يضبط ساعته عليه. يقول: طلع عبد الله؟ يعني صارت أربعة.
—
ذاك اليوم كان خميساً. خميس، آخر شباط، الساعة أربعة وعشر دقائق.
كان قد شرب كأسه. حطّها على الرفّ — لأنه كان يحطّها بنفسه، هذي كانت لعبةً بينه وبين جدّك، يقول: أنا زبونٌ يخدم نفسه فخفّض الحساب — وطلع من الباب.
وأبوكِ كان جاياً من الشارع الكبير.
—
يا بنتي.
الزقاق ضيّق. ما تدخله سيارةٌ إلا بالعافية، وكل الناس تعرف هذا. الحاج فوزي حاول عشرين سنة يحطّ حجارةً على المدخل والبلدية تشيلها.
وأبوكِ كان يعرف. أبوكِ كبر هنا.
وكان مسرعاً.
هذا كل شي. ما فيه أكثر من هيك. ما فيه سرٌّ كبير ولا قصةٌ معقّدة. رجلٌ كان مستعجلاً في زقاقٍ ضيّق.
—
طلع الصوت، وطلعنا كلنا.
وجدّك كان لسّه ماسكاً الفوطة.
—
وبعد ثانيتين — ثانيتين يا رمّانة — وقف الطرق.
السوق كله. ثمانية عشر محلاً. النحاس كان يُطرَق من الصبح للمغرب أربعين سنة، وفجأةً صار الزقاق ساكتاً، لأن الصوت انتقل: واحدٌ قال لواحد، وواحدٌ رمى الشاكوش، وبثلاثين ثانية ما بقي محلٌّ يشتغل.
وأول واحدٍ وصل كان ابنه.
يوسف. كان عمره واحداً وعشرين.
ركض من السوق وهو لابسٌ مريلة الشغل وبإيده الشاكوش، ما رماه، نسي أنه بإيده. وصل ووقف — هناك، عند الجدار — وما صرخ. ولا كلمة.
وقف يمسك الشاكوش وينظر.
وأنا واقفةٌ في هذا الباب أشوف.
وما نسيتُها.»
سكتت أم عدنان.
كانت رمّانة تنظر إلى يدها في يد المرأة، ولا تشعر بها.
«والدية؟»
«مئة مليون. اتّفقوا عليها بعد شهرين، بحضور رجالٍ من المحلة. جدّكِ ما ساوم ولا قرشاً. أول جلسة قال: قبلت. الرجال قالوا له: يا حاج هذا كثير. قال: قبلت.
باع البيت في ثلاثة أسابيع بنصف قيمته لأنه كان مستعجلاً. دفع خمسين.
والباقي رهن المحل عند عبد الستار.»
«ليش عبد الستار؟ ليش مو الأرملة؟»
«لأن عبد الستار أخو عبد الله، وكان هو اللي يمسك أمور العائلة. سعاد — الأرملة — كانت... يا بنتي، تلك المرأة قعدت ستّة أشهر ما طلعت من غرفتها. أخوه تصرّف.»
«وسعاد؟»
«سعاد.» تنهّدت أم عدنان. «سعاد ما فتحت الباب.»
«شنو يعني؟»
«جدّكِ صار يروح كل خميس.
كل خميس. الساعة أربعة وعشر دقائق. نفس الساعة.
يقفل المحل، ويكسر رمّانات، ويحطّها بكيس ورق — الكيس الورقي البنّي مالتنا، تعرفينه — ويمشي.
بيتهم في الحارة الشرقية، أربعون دقيقةً مشياً وفيها صعود، والرجل عمره ستّةٌ وسبعون.
يوصل، يطرق طرقتين، وينتظر أربع دقائق، ويحطّ الكيس على العتبة، ويرجع.
وما انفتح الباب.
ولا مرّة.
مئتان وستون خميساً يا رمّانة.
وآخر خميسٍ في حياته كان قبل موته بيومين، وأنا شفتُه راجعاً وهو يمشي على العصا، وقلتُ له: حاج، خلاص، بس، صار خمس سنوات. وتعرفين شنو قال لي؟»
«شنو؟»
«قال: 'أم عدنان، أنا ما أروح حتى يفتحوا. أنا أروح حتى ما ينسون إنه فيه أحدٌ يعرف.'»
صمت طويل.
ثم قالت رمّانة، بصوتٍ لم تتعرّف عليه:
«الكأس.»
«ها؟»
«الكأس على الرفّ الثالث. المنتصبة.»
نظرت إليها أم عدنان.
«حطّها بإيده ذاك اليوم قبل ما يطلع.»
«...»
«جدّكِ ما غسلها.»
خرجت رمّانة من الدكّان.
عبرت الزقاق. دخلت المحل.
وقفت أمام الرفّ الثالث ونظرت إلى الكأس.
كان فيها، في القاع، قشرةٌ رفيعةٌ سوداء بحجم عملةٍ صغيرة. أثرُ خمس سنوات.
ثم استدارت ونظرت إلى الكرسي الثالث.
الكرسي عند الجدار.
الكرسي الذي يجلس عليه يوسف كل خميس.
في الساعة الرابعة والنصف.